بعيدا عن الاستثمار المباشر أو إقامة مشاريع صناعية أو زراعية أو تشغيلية، عاد المقامرون إلى مصر، للاستثمار السريع بأموالهم في أذون الخزانة، طلبا للفائدة المالية العالية، ثم الهروب بأموالهم إلى خارج مصر، وذلك للمرة السادسة خلال ولايات السيسي الفاشلة، ووفق إحصاءات اقتصادية.
شهدت مصر تدفقات نقدية بلغت 3 مليارات دولار من حصيلة الأموال الساخنة، المندفعة بقوة للاستثمار في أذون الخزانة للاستفادة من العائد الهائل في معدلات فائدة بلغت 32.30%، والتراجع بقيمة الجنيه أمام باقي العملات، الشهر الجاري.
فيما تسارع الحكومة لجذب الأموال الساخنة، مؤملة تحصيل 30 مليار دولار من عوائدها مع نهاية العام 2024، في تراجع مفاجئ عن “سياسة استراتيجية” كانت وضعتها عقب لجوء محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر إلى سحب 22 مليار دولار من الاحتياطي النقدي بـ”البنك المركزي” والبنوك المحلية، دفعها لمستثمرين أجانب في الأموال الساخنة، بما عرّض الاقتصاد إلى انهيار مفاجئ عقب اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في شهر فبراير022.
ووفق أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، حسن الصادي، فإن عودة الأموال الساخنة للسوق المصرية بأنه “خراب ديار”، داعيا الحكومة إلى استيعاب الدرس الذي تعرضت له البلاد، عندما هرب نحو 22 مليار دولار دفعة واحدة، خلال أيام، بين شهري فبراير ومارس 2022، خوفا من التوترات الأمنية التي شهدها المنطقة، بعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وتدخل الأموال الساخنة الأسواق الناشئة وعلى رأسها مصر، لتحقق أقصى ربحية بأقل وقت ممكن، دون أن تضيف أية ميزة للاقتصاد المحلي، سوى إرباكه بكثرة الديون قصيرة الأجل، وتحصيل ربحية لا تقل عن 30%.
وعلى الرغم من تعهد وزير المالية محمد معيط بعدم العودة إلى تمويل الموازنة العامة، من الأموال الساخنة، والبحث عن بدائل لسداد الديون العاجلة، بأخرى طويلة الأجل، عبر المؤسسات الداعمة لوزارة التعاون الدولي، التي تمنح قروضا بفترة سداد تصل إلى 6 سنوات، وفائدة منخفضة، وتسدد على فترات تصل إلى 20 عاما، منوها إلى ضرورة هذه النوعية من القروض في بناء مشروعات تبني اقتصاد تنموي، تحميه من التراجع المباغت، الذي تدفع إليه الأموال الساخنة.
وقال معيط في تصريح متلفز، في يوليو 2022، عقب الخروج المفاجئ والسريع، لنحو 22 مليار دولار من مصر عقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إن الدولة وضعت استراتيجية تنص على عدم الاعتماد على هذا النوع من الأموال مرة أخرى، منوها إلى تسببها في أزمة اقتصادية 3 مرات متتالية أعوام 2018، و2020 و2022.
أضاف معيط، لقد تعلمنا الدرس وستشهد المرحلة القادمة تركيزا أكبر على جذب الاستثمارات المباشرة، بقيمة 10 مليارات دولار سنويا.
وقال مصدر حكومي لموقع “إنتربرايز” الاقتصادي أول من أمس الأحد: إن “المستثمرين الأجانب ضخوا ما يزيد عن 3 مليارات دولار في مصر منذ تعويم البنك المركزي للجنيه منذ 11 يوما، وزيادة سعر الفائدة بمعدل 600 نقطة أساس، متوقعا أن يقفز الرقم إلى 30 مليار دولار قبل نهاية العام”.
وتسعى الحكومة إلى تحصيل نحو 55 مليار دولار، من عوائد بيع الأصول العامة، وقروض من صندوق النقد والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي خلال العام الجاري.
وباع البنك المركزي أذون خزانة لأجل عام، بقيمة 217.9 مليار جنيه، بالإضافة إلى 46.8 مليار جنيه لبيع أذون خزانة لأجل 6 أشهر.
كما تلقى المركزي عروضا تجاوزت 13 ضعفا قيمة الأذون المباعة لأجل عام، بينما تلقى عروضا تجاوزت أربعة أضعاف القيمة للأذون لمدة 6 أشهر.
وبلغ متوسط العائد على أذون الخزانة لأجل عام 32.30%، في بداية الطروحات، ووصل إلى 30.14% الأسبوع الماضي، بينما انخفض متوسط العائد على الأذون لأجل 6 أشهر، من 31.84% إلى 29.91%، خلال نفس الفترة.
يشار إلى أن ربحية المستثمر تبدأ باستفادته من تراجع الجنيه مع تطبيق سعر الصرف الجديد، من 31 إلى نحو 48 جنيها، والثقة في عدم تراجعه خلال العام عن مستوى 45 جنيها، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الفائدة إلى ما يزيد عن 30%، بما يعني قدرته على جني أكثر من 40% من عوائد الاستثمار على الجنيه، وحقه في استرداد قيمة الأرباح ورؤوس الأموال بالدولار، في نهاية المدة.
يشير الصادي إلى أن متوسط الربحية لن يقل عن 37%، خلال العام، بما يدفع المستثمرين إلى تفضيل شراء الأذون والسندات، دون المخاطرة في توجيه أموالهم إلى مشروعات اقتصادية تتميز باستدامة نشاطها، لن تستطيع أي منها توفير نفس معدل الربحية التي تحققها الأموال الساخنة.
وقد أثبتت التجارب السابقة، للحكومة ضرورة الابتعاد عن المال الساخن، وأنه ليس مقبولا بعد الوقوع في أزمة طاحنة بسبب تلك السياسات أن نلدغ من الجحر عدة مرات.
يقدم البنك المركزي إغراءات للمغامرين في سوق الأموال الساخنة، بإصدار عروض أذون خزانة بمليارات الجنيهات، منذ بدء تعويمه الرابع للجنيه خلال عامين، والذي رفع سعر الدولار مقابل الجنيه رسميا من أقل من 31 جنيها إلى 50 جنيها.
يستفيد البنك المركزي من توصية أصدرتها مؤسسات مالية دولية، منها جي بي مورغان وسيتي بنك الأميركيان، للمغامرين في الأسواق الناشئة، بشراء أذون الخزانة بالجنيه لأجل عام، للاستفادة من العائد الهائل من عوائد أدوات الدين، على الأذون الأطول أجلا لمدة عام.
وكانت مؤسسة فيتش، قد حذرت من ارتفاع مخاطر الديون وقدرة مصر على تحملها، وأن يظل وضع الاقتصاد المصري صعبا في عام 2024-2025، بسبب ارتفاع معدل التضخم السنوي وضعف معدلات النمو واستمرار التحديات المالية الملحة وتجاوز تكاليف الفائدة 50% من إيرادات الموازنة العامة للعام المالي المقبل.
وتظهر “فيتش” تشككا في وفاء الحكومة بالتزاماتها نحو تحقيق سعر صرف مرن مستدام، وهو الأمر الذي تكرر عقب تعويم الجنيه باتفاق مسبق مع صندوق النقد الدولي للمرة الأولى للتعويم عام 2016
وتبقى مصر مفتوحة على المجهول والخراب الذي يجره السيسي ونظامه المقامر باقتصاد ملايين المصريين، من أجل تحقيق إنجازات وهمية، سواء بمشاريع الأبراج الفاخرة في العاصمة الإدارية أو العلمين أو ازدواج مجرى قناة السويس في وقت تتراجع فيه خدمة التجارة العالمية.