بالمخالفة للدستور.. ومن أجل “الهبر”..السيسي بلا ذمة مالية منذ 2014

- ‎فيتقارير

 

في ظل  فساد كبير باتت مصر تحتل أعلى مراتبه الدولية والإقليمية، وفي ظل سيادة قوانين الواسطة والمحسوبية وعدم احترام دراسات الجدوى أو قواعد المناقصات الحكومية،  كشفت العديد من الدوائر القانونية والدستورية، وعبر تقارير إعلامية موثقة أن قائد الانقلاب العسكري، لم يقدم ذمته المالية، كما ينص الدستور المصري، إلى اللجنة الانتخابية،  سوى مرة واحدة في العام 2014، أما خلال الجولتين الأخيرتين في 2018 و2024، لم يتقدم السيسي بأي أوراق تخص ذمته المالية.

 

وهو ما دفع الكثيرين للتتساؤل عن السبب، وسط ترجيحات واتهامات بزيادة  غير مسبوقة في أموال السيسي الخاصة وأموال عائلته ، في ظل علاقات السلطة بالمصالح التجارية ، وظهور العديد من الواجهات الاستثمارية الطارئة والمجموعات الاقتصادية المشبوهة المرتبطة بأسرة السيسي، كمجموعة العرجاني جروب، التي تسيطر  على الكثير من المنافذ المالية في البلاد،  كالمعابر الحدودية مع غزة ومع ليبيا ومع السودان، بجانب مشروعات سيناء وغيرها.

 

ووفق الدستور، يجب أن يتضمن إقرار الذمة ما يمتلكه السيسي من أموال وعقارات، وغير ذلك من ممتلكات.

 

ويعد قرار تقدم المرشح بذمته المالية ضرويا لصحة قبول أوراق المرشح، حيث تنص المادة 145 من الدستور على أن يحدد القانون مرتب رئيس الجمهورية، ولا يجوز له أن يتقاضى أي مرتب أو مكافأة أخرى، ولا يسري أي تعديل في المرتب أثناء مدة الرئاسة التي تقرر فيها، ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يزاول طوال مدة توليه المنصب، بالذات أو بالواسطة، مهنة حرة، أو عملا تجاريا، أو ماليا، أو صناعيًا، ولا أن يشترى، أو يستأجر شيئا من أموال الدولة، أو شركات القطاع العام، أو قطاع الأعمال العام، ولا أن يؤجرها، أو يبيع شيئا من أموالها، ولا أن يقايضها عليه، ولا أن يبرم معها عقد التزام، أو توريد، أو مقاولة، أو غيرها، ويتعين على رئيس الجمهورية تقديم إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب، وعند تركه، وفى نهاية كل عام، وينشر الإقرار في الجريدة الرسمية، ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يمنح نفسه أي أوسمة، أو نياشين، أو أنواط، وإذا تلقى بالذات أو بالواسطة هدية نقدية أو عينية، بسبب المنصب أو بمناسبته، تؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة.

 

ووفقًا لنص المادة، فإن خبراء الدستور يؤكدون ضرورة تقديم السيسي إقرار بذمته المالية عند الترشح في الانتخابات كل مرة، كما لابد من تقديم هذا الإقرار مجددا كل نهاية عام حكم من فترة رئاسته، كما يجب أيضا تقديم إقرار ذمته المالية عند نهاية ولايته.

 

ومنذ ترشح السيسي في انتخابات 2014، فقد قدم إقرارا بذمته المالية عند تقدمه بأوراق ترشحه في ذلك الوقت تنفيذا لنص المادة 145 من الدستور، ونشرت إحدى الصحف الخاصة تقريرا كشفت خلاله أن إقرار الذمة المالية للسيسي الذي قدمه بلغ 30 مليون جنيه، ولكن لم يتم الكشف بشكل حقيقي عما احتواه إقرار الذمة المالية للسيسي، هذه هي المرة الأولى والوحيدة التي قدم فيها ذمته المالية.

 

فيما يتشدق صبيان السيسي وترزية القوانين المؤيدين للسيسي، في تبريرهم لعدم تقديه الذمة المالية لمرتين متتاليتين، بأن المادة 145 ذكرت في بدايتها، أنه يجب صدور قانون من البرلمان يفسر المادة ويحدد آلية تقديم السيسي لإقرار الذمة المالية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، بالتالي فإن السيسي ليس مطالبا بتقديم إقرار بذمته المالية.

 

فيما أوضح الدكتور هشام عبد المنعم، أستاذ القانون الدستوري، أن الدستور يلزم الرئيس بتقديم إقرار رسمي وموثق من الجهات الحكومية والبنوك بكل ما يملك المرشح في الانتخابات الرئاسية، سواء كان ذلك أموالا أو عقارات أو غير ذلك، وتقديم إقرار الذمة المالية شرط لقبول أوراق المرشح وإعلان فوزه في الانتخابات، فالشعب من حقه كاملا الإطلاع على ما جاء في الإقرار، حيث ألزمت المادة نشره في الجريدة الرسمية.

من جانبه، قال الدكتور فؤاد عبد النبي، في تصريحات صحفية،  الفقيه الدستوري، أن نص المادة 145 واضح ولا يحتاج لاجتهادات، فلا يشترط وجود نص قانوني لهذه المادة، لتنفيذ النص الدستوري، فمن المفترض إعمال النص الدستوري دون التعويل على أي شيء آخر.

 

هبرة السيسي

 

ولعل ما يقلق الساحة السياسية المصرية،  حديث السيسي خلال رمضان الماضي، وإطلاقه جملة “لازم نأخد هبرة”وهي  كلمة كاشفة تفضح الذمة المالية للسيسي التي أصبحت في عهده مستندا سريا يحظر الإفصاح عنه بالمخالفة للمادة 145 من الدستور.

 

وعادة ما تستخدم كلمة “هبرة” أو “الهبر” في اللهجة المصرية العامية للتعبير عن نهب الأموال أو الاستيلاء على ما يمتلكه الآخرون دون رقيب أو حسيب، لذا أثار ذكرها على لسان السيسي تساؤلات واسعة عن حقيقة الطريقة التي تتم بها إدارة الدولة، وصرف أموالها، واتخاذ قرارات دون مراجعة الميزانيات أو دراسة الموقف.

 

وخلال مطالبته رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، بتخصيص 10 مليارات جنيه لدعم صندوق قادرون باختلاف، في قرار اتخذه على الهواء مباشرة.

 

المثير أن “هبرة السيسي” كانت في سياق نشوة ما بعد صفقة بيع “رأس الحكمة” للإمارات مقابل 35 مليار دولار، وهو ما ظهر جليا على لغة جسده وارتفاع معنوياته.

 

ويخشى مراقبون، أن يبدد السيسي أموال الصفقة الجديدة، التي أثارت غضب المصريين، كما بدد سابقا مليارات الدولارات من الدعم الخليجي السخي غير المسبوق والمستمر منذ انقلاب 3 يوليو 2013.

 

 

وعلى الجانب الآخر، المقابل لإسراف السيسي، فإن المصريين، وطوال فترة حكم السيسي، يعانون من الفقر والبطالة وتفاقم معدلات التضخم، وتراجع دخول المصريين مع تآكل قيمة الجنيه المصري، وتغول فوائد الديون وأقساطها على الموازنة العامة، في ظل الإنفاق العشوائي للسيسي، على مشروعات لم تحقق أية جدوى اقتصادية.

 

عزبة السيسي

واعتمد السيسي الفهلوة والسيطرة بإدارة أموال مصر، ساخرا من دراسات الجدوى الاقتصادية،  ففي ديسمبر 2022، اعترف السيسي، بسيطرته وانفراده بقرار صرف الأموال، قائلا: “لا تعرفوا أنا في الفلوس عامل إزاي، ومحدش هيصرف جنيه من الصناديق إلا لما يقول لي”.

 

ووضعت تقارير “منظمة الشفافية الدولية” مصر بموقع متأخر بمؤشر مدركات الفساد طوال سنوات حكم السيسي، فيما تتذبذب درجتها حول 35 من 100 درجة، لأكثر من 10 سنوات.

 

وإلى جانب 55 هيئة اقتصادية في مصر لا تخضع موازناتها للموازنة العامة المصرية، توجد في مصر الصناديق الخاصة التي من سلطة الوزراء والمحافظين إنشاؤها، بجانب الصناديق السيادية التي دشنها السيسي، ويشرف بنفسه عليها وعلى حجم أموال غير معلنة، في أي موازنة أو تقرير رسمي.

 

ومنذ تولي السيسي الحكم عام 2014، تم إنشاء العديد من الصناديق الخاصة تحت إشرافه المباشر، وفرض السرية على حساباتها بإصدار قرارات وقوانين تلغي الرقابة المالية عليها وتعفي عوائدها من الضرائب مثل صندوق “تحيا مصر”، وصندوق “مصر السيادي”، الذي نقل إليه ملكية 13 وزارة وجهة حكومية بوسط العاصمة القاهرة وأصول تاريخية واستثمارية أخرى، وكذلك “صندوق قناة السويس”، و”صندوق دعم الأسرة المصرية”.

 

وإلى جانب الصندوق السيادي وما يتفرع عنه من نحو 6667 صندوقا خاصا تعمل بمبالغ كبيرة، لم يكن لها حصر مالي حتى وقت قريب، ولكن تقديرات وزارة المالية تشير إلى أنها تصل إلى تريليونات الجنيهات، بحسب تأكيد مسؤول مصري لوكالة “أنباء العالم العربي”.

 

وهكذا تعيش أموال مصر انفلاتا غير مسبوق وبلا رقابة مع  السيسي الذي لا يحترم دستوره ولا قوانينه.