قالت دراسة بعنوان “حماس والعشائر في غزة.. طبيعة العلاقة وتطوراتها التاريخية” نشرها مركز إنسان للإعلام إن حماس أدارت تعاملها مع عشائر حماس التي تزيد عن 600 عشيرة وقبيلة وعائلة بسياسة واحدة لها شقين متكاملين، أمني واجتماعي. هذه السياسة ساهمت في استقرار حكم الحركة للقطاع طيلة عقدين تقريبا، بدون أن تلقى معارضة داخلية كبيرة لحكمها، وفق تقييم الدراسة.
التعامل الأمني
وخلصت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن سكان القطاع -بمن فيهم كثير من العشائر- تفهموا سعي حماس لتوطيد أركان حكمها أمنيا، باعتبارها حكومة للقطاع فازت في الانتخابات التي عُقدت عام 2006، وباعتبار الفوضى الأمنية التي كانت تعصف بالقطاع حينها. ولهذا نقل الباحث رضا كثير من سكان غزة عن السياسات الأمنية لحماس في بداية حكمها للقطاع، باعتبار أنها بسطت الأمن بعد عِقد من الفوضى، كما نقل الباحث رضا العديد من العشائر الصغيرة عن تلك السياسات؛ لأن تلك العشائر كان بعضها يقع في الماضي ضحية لبعض العشائر الكبيرة.
واستدركت الدراسة أنه إن كانت الحركة استمرت في اتباع نفس النهج من السياسات الصارمة في بقية الجوانب، السياسية والاجتماعية، فسيكون من الصعب تفهم موقفها، كما أن استقرار حكمها للقطاع كان ليكون محل شك؛ لأنها لم تستوعب القاعدة الشعبية.
وأوضحت الدراسة أن هذا المنحى التفسيري يعززه أن حماس أنشأت “الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح” المعنية بالتعاون مع العشائر، وتعزيز دور مجالس العائلات، ولجان العرف التقليدية، عام 2008، أي بعد عام واحد فقط من وصولها لحكم قطاع غزة. وبهذا تكون حماس قد بدأت في الشق الاجتماعي من سياستها مباشرة، بعد الاطمئنان للشق الأمني منها خلال عامها الأول في الحكم.
الانفتاح المجتمعي
وقالت الدراسة إن المرحلة الثانية تمثلت في انفتاح حماس سياسيا واجتماعيا على العشائرية والعُرف.
وأوضحت أنه قد نعتبر أن حماس تعاملت مع الجانب الأمني بسياسات حازمة، لأن هذا كان في بواكير حكمها وتحتاج إلى تثبيت أركان حكومتها. بينما اتخذت في الجانب السياسي والاجتماعي سياسات أكثر انفتاحا؛ لطبيعة هذا الجانب نفسه، ولوجود العشائر كقوة اجتماعية راسخة داخل القطاع.
وعن وجود آراء داخل الحركة في بدايات حكمها للقطاع حول أن القضاء غير الرسمي قد يكون مخالفا للشريعة الإسلامية، قالت الدراسة إن احتمال وجود نقاش داخلي حول هذه القضية قائم.
وأكدت الدراسة، أن حماس لم تتبنَّ هذا المنظور، حيث لم يذكر الباحث سياسات اتخذتها حماس انطلاقا من هذه الرؤية، فلم تلغِ حكومة حماس القضاء العرفي لفترة على سبيل المثال، ولم تتخذ خطوات تقوضه.
كبح جماح الأقوى
وأشارت الدراسة إلى أن حماس في بداية حكمها غزة في 2006 كبحت نفوذ سياسي للعشائر القوية، إلا أن قطاع العشائر لا يزال قويا في غزة. وهذا يشمل الدور الحاسم للعشائر في أمن الناس وحياتهم الاجتماعية.
وأوضحت الدراسة أن تفسيرين لهذا الوضع، أولا، عندما واجهت حماس أقوى العشائر المسلحة، لم يكن ذلك يعتبر بالضرورة أمرا سيئا في نظر المجموعات العشائرية الأصغر حجما، التي كان من الممكن أن تكون هي نفسها ضحايا لعشائر أقوى خارجة عن السيطرة. وفي الواقع، كان نزع سلاح العشائر القوية وإضعافها سياسة نالت شعبية واسعة النطاق في غزة، بما في ذلك بين العشائر الصغيرة في مخيمات اللاجئين، بحسب الباحث.
ثانيا، لم تدخل حماس أبدا حربا ثقافية. ففي الواقع، على المستوى الثقافي، يُنظر إلى القيم العشائرية المتمثلة في المسؤولية الجماعية ونمط الحياة المحافظ والنظام الأبوي على أنها قيم مشتركة إلى حد كبير، سواء داخل حماس أو داخل العشائر. ويمكن القول إن التوليف بين قيم العشيرة والإسلام يمثل صيغة هيمنة جديدة، تشكل جوهر القوة الأيديولوجية المعاصرة لحماس، وفق الدراسة.
أهمية عشائر غزة
واستعرضت الدراسة أهمية دور العشائر في مجتمع غزة، بما في ذلك بين غالبية السكان الذين لجأوا إلى القطاع من الأراضي الفلسطينية المحتلة عامي 1948 و1967، وأورد باحث نرويجي اعتمدت على بحثه الدراسة أن ثلاثة من كل أربعة من سكان غزة يقولون بأن العشيرة تظل ذات أهمية اجتماعية في حياتهم، بينما يقول 85 % بأن العشيرة مهمة لأمنهم الشخصي.
وأوردت أن ثقة سكان غزة في النظام القانوني العشائري أقوى بكثير مما كانت عليه في نظام المحاكم الرسمي، حيث توقع 84 % من المستطلعين أن ينالوا محاكمة عادلة من خلال نظام العرف مقارنة بـ 56 % يتوقعون نفس الشيء بشأن نظام المحاكم الرسمي. علاوة على ذلك، فمن الملاحظ أن المشاركين يقولون إن اعتمادهم على النظام العشائري في المقام الأول يأتي بسبب تقاليدهم وثقافتهم.
وأشارت إلى أنه في عامي 2007 و2008، عندما نزعت حماس سلاح العشائر ووضعت الخطوط العريضة لسياسة إعادة هيكلة المؤسسات العشائرية، كانت وجهة النظر السائدة داخل الحركة هي أن أسلمة العشيرة كانت مهمة بالنسبة للمقاومة. وكانت الفكرة تتلخص في أن العشائرية سوف تذوي مع سيطرة حماس.
وقالت الدراسة إن حماس التفت للدور المهم الذي تلعبه العشائر في الحياة اليومية، والمستوى العالي من الثقة التي يوليها سكان غزة لقطاع العدالة غير الرسمي. وقد انعكس تغير موقف حماس من هذه القضية -بحسب الدراسة- في ممارسة سياسية أقل اهتماما بالأسلمة، وأكثر اهتماما بالحفاظ على النظام الاجتماعي بما يتماشى مع القيم الإسلامية والعشائرية على حد سواء.
ونقلت الدراسة عن باحثين وخبراء؛ منهم الباحث النرويجي بيورن برينر (Bjorn Brenner)، أن تلاشي التهديد المتصور من العشائر ساهم في تطور الوعي داخل حماس حول عدد القيم المشتركة التي بنيت عليها الروابط العشائرية والإسلام”.
وعن محمد عيسى، رئيس بلدية مخيم البريج للاجئين، فإن أساسيات العرف والعدالة في الدين الإسلامي هي ذاتها.
وعن الباحث يزيد صايغ، قوله: “داخل قطاع الأمن في حماس، أصبح يُنظر إلى اللجان الإسلامية ولجان العرف باعتبارها تمثل الطريقة المثالية لضبط المجتمع، حيث الهدف الأساسي هو إقامة نظام عام يعتمد على القيم الاجتماعية الإسلامية والمحافظة”.
https://web.facebook.com/photo/?fbid=1308766786711712&set=a.846106619644400