بعد قطع الأشجار وهدم الحدائق العامة ..قتل بطيء لملايين المصريين  بعد تراجع نصيب الفرد من المساحات الخضراء

- ‎فيتقارير

 

خلال السنوات الأخيرة، تراجع نصيب المواطن في مصر من المساحات الخضراء، والمتمثل بشكل أكبر في الحدائق والمنتزهات في القاهرة الكبرى ومختلف المدن، ومن المعروف والمؤكد علميا  فوائد التشجير في الحفاظ على البيئة من التلوث بالغبار، والتخفيف من ارتفاع درجة الحرارة، كما تعمل الشجرة كمصنع للأكسجين وتمتص ثاني أكسيد الكربون، ودورها أساسي في مقاومة زيادة الكربون وتغير المناخ.

ووفق سؤال برلماني موجه لرئيس الوزراء ووزيرة البيئة في يوليو 2022،  من النائبة ندى ثابت، فإن نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة يقدر بـ 5.1 أمتار مربعة، وهو من أقل المعدلات بين مدن العالم، حيث يبلغ متوسط المعدل العالمي 81 مترا مربعا للفرد، كما أن نوعيات المناطق الخضراء، وتوزيعاتها المكانية، تختلف من منطقة إلى أخرى.

يشار إلى أنه من وقت إلى آخر يقوم مسؤولو الأحياء بقطع الأشجار، والتي طالت مواقع عديدة في مختلف المحافظات مثل قطع أكثر من 300 شجرة في حدائق المنتزه بالإسكندرية، وأكثر منهم في الحديقة الدولية، وشوارع مصر الجديدة ومدينة نصر والعجوزة والدقي وإمبابة، وغيرهم من جميع طرق مصر وشوارعها.

مع أنه من الثابت في كل دول العالم، أنه  لاينبغي القيام  بقطع الأشجار أو إزالة الحدائق العامة إلا بعد إجراء دراسة لتقييم الأثر البيئي الناجم عنها، فاللون الأخضر، ليس مجرد لون يضفي مظهرا جماليا في الشوارع، بل تعتبر الأشجار بمثابة رئة كوكب الأرض.

 

ومن المآسي التي يعايشها المصريون حاليا في ظل ارتفاعات درجات الحرارة التي تقتل المصريين في جميع محافظات مصر، أن ذلك يتم تحت شعارات التطوير والتحديث، فيما تطلق الدولة مبادرات فنكوشية تحت شعار “اتحضر للأخضر”.

ومع استمرار سياسات قطع الأشجار العتيقة والتراثية، فإن الكثير من التخوفات تضرب الأوساط المصرية، من افتقاد المساحات الخضراء في مصر، وبالأخص في القاهرة الكبرى التي تشهد بالفعل ارتفاعا في نسبة تلوث الهواء، ومن تأثيرات ذلك في البيئة، إذ ينذر بمزيد من المخصصات المالية المستنزفة، فحسب تصريحات إعلامية للدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة، في السادس من يونيو2021 ، فإن تلوث الهواء في القاهرة يكلف الدولة أكثر من 47 مليار جنيه سنويا، وما يعادل 1.4% من الناتج المحلي لمصر، حسب البنك الدولي.

ومما يزيد المخاطر، نقص الرؤية وغياب أسس التخطيط السليم، وفق خبراء البيئة.

 

ويشتكي سكان منطقة مصر الجديدة، من اقتطاع مساحات خضراء كبيرة من شوارع هيليوبلس ومنطقة روكسي، وشارع نهرو وحديقة الميرلاند التي لطالما كانت تمثل رمزا من رموز المنطقة الجمالية.

 

 ويتسبب استقطاع مساحات من حديقة الميرلاند والاتجاه لخفض عدد الأشجار وتقليص مساحات المشاة بالنهاية إلى التكدس المروري وزيادة الضوضاء، عوضا عن أن الخروج والدخول من منطقة إلى أخرى سينطوي على صعوبات، بسبب عدم وجود مساحات،  وقد جرى اقتطاع 10 آلاف فدان من حديقة الميرلاند لإنشاء نصب تذكاري لا يعرف لمن يرمز ولا مدى أهميته مقارنة بأهمية الأشجار.

 

علاوة على أن الحدائق العامة والأماكن الخضراء ليست رفاهية، بل مطلب ضروري من أجل الحفاظ على البيئة وجمال العاصمة ككل، باعتبارها وجهة وقبلة للسياح بجانب كونها من أهم المحافظات بالجمهورية.

 

يذكر أن حديقة الميرلاند أُسّست في عهد الملك فاروق عام 1949 على مساحة 50 فدانا، وتضم كثيرا من الأشجار التاريخية، في منطقة مصر الجديدة، التي تعد أحد أهم المناطق الراقية في مصر، وأُسّست عام 1905 على يد البارون البلجيكي إمبان، وهي قائمة على نظام الحدائق المفتوحة والمباني ذات الطراز العمراني الفريد.

 

وفي الأيام الأخيرة أزالت الجهات المحلية كثيرا من الأشجار والنخيل داخل مناطق ومدن متفرقة بمصر بدعوى التطوير، ففي محافظة بورسعيد ، تمت إزالة نخيل تاريخي بشارع 23 يوليو يتعدى عمره 100 عام، حسب صفحة “بورسعيد بين الماضي والحاضر” المتخصصة في التراث البورسعيدي على موقع التواصل فيسبوك، في الوقت الذي اقتطعت فيه بطريقة خاطئة حسب ما ذكرته الصفحة، وهو ما تم قبل ذلك في عامي 2015 و2019 فيما عرف وقتئذ باسم مذبحة أشجار حديقة قناة السويس وحديقة المنتزه.

 

كما امتدت يد الهدم إلى أشجار بقرى دملو وورورة، التابعتين لمدينة بنها بمحافظة القليوبية، تحت دعوى تجميل شكل كوبري النيل بالمنطقة.

 

كما أزيلت كميات هائلة من أشجار حديقة المنتزه التاريخية في محافظة الإسكندرية، وذلك أثار غضب كثير من المصريين، لما كانت تتسم به المنطقة من طبيعة أخاذة وأشجار نادرة أنهت ذكريات الماضي لهذه الحديقة التي يتعدى عمرها 100عام.

 

وفي المنصورة أزيلت حديقة هابي لاند التي تعدّ حديقة تاريخية، كونها أحد متنزهات الخديوي إسماعيل، وأسست في عهده وتحوي أشجارا عريقة قبل أن تبسط وزارة النقل يدها عليها وتهدم الأشجار وتستحوذ عليها لأغراض استثمارية، حسب مبادرة “أنقذوا المنصورة” في وقت سابق.

 

في هذا الصدد، يقول الدكتور أحمد عبد الحميد الخبير البيئي في تصريحات صحفية: إنه “يستلزم زراعة نحو 7 شجرات لإزالة التأثيرات الملوثة لسيارة واحدة، فإذا قدّر أنه يسير بالقاهرة نحو مليون ونصف المليون مركبة فهذا يعني الحاجة إلى زراعة أكثر من 10 ملايين شجرة”.

 

ويأتي ذلك في الوقت الذي لا يتعدى فيه نصيب الفرد من المساحات الخضراء (متر×متر) في ظل وجود أكثر من إحصائية كانت قد صدرت تؤكد أن القاهرة من بين أكثر المدن تلوثا في العالم، مثل منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة التي أصدرت تقريرا عالميا عن تلوث الهواء في مايو من عام 2018، احتلت فيه القاهرة المركز الثاني بعد نيودلهي الهندية.

 

ولفت عبد الحميد إلى أن الشجرة الواحدة تعمل على تقليل نسبة ثاني أكسيد الكربون بامتصاصها 1.7 كيلو جرام من الغاز، وتضخ ما يبلغ 140 لترا من الأكسجين، وهو ما يعكس أهمية الحاجة إلى المساحات الخضراء خصوصا في ظل ارتفاع درجات الحرارة الكبير في مصر في فصل الصيف وما يتعلق بمسألة التغيرات المناخية، وهو ما يعمل في الوقت نفسه على الحفاظ على التوازن البيئي الذي يتم الإخلال به بهدم النخيل وقطع الأشجار وإزالتها من الأماكن التي كانت فيها.

 

ويأتي هذا في الوقت الذي أصدرت فيه منظمة الصحة العالمية دلائل إرشادية جديدة أكثر صرامة لمعايير جودة الهواء، للحد من مستويات ملوثات الهواء وتخفيف عبء المرض الناجم عن التعرض لتلوث الهواء في جميع أنحاء العالم.

وهكذا تقف مصر عارية من أشجارها ومساحاتها الخضراء، عامرة بالكباري والطرق الصحراوية التي تنتهك خصوصيات البيئة المصرية، وبلا توازن بيئي، يدفع ثلثي الشعب وأكثر ثمنه من حياتهم، تحت نير الحرارة الشديدة والتلوث والحرائق وغيرها، في زمن العسكر الذي لا يفهمون قواعد الحياة المدنية الآمنة.