كتب- رانيا قناوي:

كشفت تقارير صحفية الأطر القانونية والخيارات المتاحة التي تتسنى لنظام الانقلاب في التعامل مع قضية التعويضات التي حصل الكيان الصهيوني على حكم بحقه فيها على حساب الشعب المصري، الذي يدفع ثمن خيانة أنظمة الانقلاب والعسكر في التفريط في ثرواته ومقدراته لحساب الصهاينة.

 

ونقلت التقارير المنشورة عن خبراء ومراقبين، إن أوراق الضغط المتاحة لدى حكومة الانقلاب تظل ضعيفة، خاصة وأنها فقدت معظم الأوراق السياسية، التي يمكن من خلالها الضغط على إسرائيل، مثل ورقة حماس والمقاومة الفلسطينية.

 

السيناريوهات المحتملة

 

وهنا يتم طرح عدة سيناريوهات محتملة يمكن أن تقدم عليها القاهرة لإنهاء ملف نزاع الغاز، أولها هو التزام الحكومة بسداد هذه التعويضات الدولية رغم ضخامتها، وهذا أمر من الصعب أن تتحمله الموازنة المصرية حاليًا، خاصة وأن هذه التعويضات التي تبلغ قيمتها ملياري دولار تأتي في وقت تتراجع فيه موارد البلاد من النقد الأجنبي من قطاعي السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما تأتي في وقت تلجأ فيه الحكومة إلى التوسع في الاقتراض الخارجي لسد فجوة تمويلية تقدر قيمتها بأكثر من 20 مليار دولار في العام المالي المقبل 2017 -2018.

 

والخيار الثاني هو رفض الحكومة سداد هذه التعويضات، خاصة وأن الاتفاقية التي أبرمتها في العام 2005 لم تتم بعلم البرلمان، كما أن قرارها بوقف تصدير الغاز يأتي في إطار "قوة قاهرة" فرضت على الحكومة اختيار أسلوب القطع وتجميد الاتفاقية وإلا الاصطدام الشديد وقتها برأي عام ثائر، وهنا يمكن أن تدخل الحكومة في أزمة، خاصة وأن إسرائيل قد تطالب المؤسسات المالية الدولية التي لديها علاقة مباشرة مع مصر بتطبيق أحكام التعويض. 

 

ويمكن للكيان الصهيوني الحجز على بنوك مصرية عاملة في أوروبا أو الحجز على جزء من احتياطي النقد الأجنبي المصري المودع لدى المصارف الأمريكية والأوروبية، علماً بأن هذا السيناريو تكرر قبل سنوات مع رجل الأعمال المصري الفرنسي، وجيه سياج، الذي حصل على حكم تعويض من غرفة التجارة الدولية ضد حكومة أحمد نظيف، ساعتها تم الحجز على أموال أحد البنوك المصرية الموجودة في أوروبا. 

 

في حين يتبقى الخيار الثالث، وهو دخول حكومة الانقلاب في مفاوضات مباشرة مع حكومة الاحتلال الإسرائيلية لخفض قيمة هذه التعويضات وسدادها على سنوات طويلة، وهو ما ألمحت إليه مصادر إعلام في البلدين، والخيار الرابع هو أن تواصل الحكومة المصرية الاستمرار في صفقة استيراد الغاز من إسرائيل، وهي الصفقات التي تم الكشف عنها، خلال الشهور الأخيرة، مقابل تنازل إسرائيل عن التعويضات الدولية الصادرة لصالحها.

 

بداية القضية 

 

في 30 يونيو 2005 تم توقيع اتفاقية تصدير الغاز للكيان الصهيوني بين كل من وزير البترول بحكومته، سامح فهمي، خلال حكم المخلوع حسني مبارك، ووزير البنية التحتية الإسرائيلي، بنيامين بن إليعازر، عن طريق الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيغاس)، وشركتا كهرباء إسرائيل، وغاز شرق المتوسط. ولم يتم الكشف عن تفاصيل الصفقة المريبة.

 

لكن بعد 3 سنوات من التوقيع وتحديداً في عام 2008، بدأ تدفق الغاز المصري من مدينة العريش بسيناء المصرية إلى مدينة عسقلان الإسرائيلية عبر خط أنابيب تابع لشركة غاز شرق المتوسط EMG، التي كان يسهم فيها أيضًا رجل الأعمال الإسرائيلي، يوسي ميمان، صديق حسين سالم، بنسبة 21%. 

 

 

ومع بدء تدفق الغاز المصري لإسرائيل عرف المصريون أن الاتفاقية التي وقعتها حكومتهم مع إسرائيل في عام 2005 تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز لدولة الاحتلال لمدة 20 عاماً، وبثمن يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية، وهو ما يقل عن سعر التكلفة آنذاك البالغ 2.65 دولار، كما حصلت شركة الغاز الإسرائيلية المستفيدة من الغاز المصري على إعفاء ضريبي من حكومة مبارك لمدة 3 سنوات (من 2005 إلى 2008). 

 

 ورغم المعارضة المصرية وطلبات إحاطة للبرلمان، ورغم تصاعد حملة الاحتجاجات الكبيرة ضد الاتفاقية من قبل نقابات مهنية، إلا أن حكومة مبارك ضربت بكل ذلك عرض الحائط، وأصرت على تصدير الغاز لإسرائيل رغم الخسائر الفادحة التي تعرض لها الاقتصاد المصري في ذلك الوقت، خاصة مع حاجة السوق المحلية للغاز المصدر ووجود نقص به، وتدني ثمن الصفقة، حيث كان سعرها لا يغطي تكلفة استخراج الغاز من باطن الأرض، بل إن الحكومة التفّت على حكم محكمة القضاء الإداري المصرية القاضي بوقف قرارها بتصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل، وقدمت طعنًا لإلغاء الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا التي قضت بالفعل بإلغاء حكم المحكمة وتأييد القرار الحكومي. 

 

وعقب قيام ثورة 25 يناير 2011 كان من أبرز مطالب الثوار وقف إهدار ثروات مصر النفطية، وتجميد اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل، ومع سقوط نظام مبارك وتزايد الضغط الشعبي خرج عبد الله غراب، وزير البترول، في ذلك الوقت، ليؤكد أن مفاوضات تجرى لتعديل اتفاقيات الغاز مع إسرائيل لرفع السعر، وهو ما تم بالفعل، لكن الزيادة الطفيفة لم تطفئ غضب ثوار التحرير الذين طالبوا بإلغاء الاتفاقية وليس فقط تحسين سعر الصفقة، وعندما لم تستجب الحكومة لطلب الثوار بوقف تصير الغاز قام عدد من أهالي سيناء بتفجير الأنبوب، الذي كان ينقل الغاز من مصر إلى تل أبيب، وتكرر ذلك مرات عديدة. 

 

وتحت استمرار الضغوط الشعبية، وفي العام 2012، أوقف المجلس العسكري، الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت، تصدير الغاز لإسرائيل، وكانت حجته في ذلك حدوث "قوة قاهرة" وهو مصطلح متعارف عليه في الاتفاقيات الدولية، إضافة لاستناده إلى رفض الرأي العام تصدير الغاز المصري لدولة الاحتلال خاصة مع تكرار العدوان على الفلسطينيين. 

 

الأمر الذي أدى لتحرك إسرائيل، أمام المحاكم الدولية، بزعم مخالفة مصر للاتفاقيات المبرمة معها في العام 2005، وإلغاء الاتفاقية من طرف واحد. وبالفعل انتزعت الحكومة الإسرائيلية 3 أحكام لصالحها في قضية نزاع الغاز، الأول صدر في ديسمبر2015 حيث قضت محكمة غرفة التجارة الدولية في جنيف، وهي هيئة تحكيم دولية، بتغريم الحكومة المصرية مبلغ 1.7 مليار دولار من بين 3.8 مليارات دولار طالب بها الجانب الإسرائيلي، لصالح شركة الكهرباء التابعة له، بعد توقف إمدادات الغاز في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، التي أطاحت بنظام مبارك.

 

 وتضمن حكم غرفة التجارة الدولية فرض تعويضات على هيئة البترول المصرية وشركة "إيغاس" الحكومية بقيمة 288 مليون دولار، من أصل 1.5 مليار دولار كانت تطالب بها شركة EMG، وهو ما يوازي 19.2% من إجمالي التعويض المطلوب. 

 

أما الحكم الثاني فصدر يوم 28 أبريل 2017، حيث قضت محكمة سويسرية بإلزام مصر بدفع ملياري دولار تعويضاً لشركة كهرباء إسرائيل، ورفضت المحكمة الطعن الذي تقدمت به الشركة المصرية القابضة للغازات (إيغاس) والهيئة المصرية العامة للبترول، علما بأن هذا الحكم جاء ليؤكد حكم التحكيم الدولي الصادر في عام 2015، وقضى بدفع مصر نحو ملياري دولار على سبيل التعويض بسبب توقف إمدادات الغاز.

 

 أما الحكم الثالث فقد حصلت بموجبه شركة "أمبال" الإسرائيلية للغاز على حكم قضائي يقضي بتعويضها بمبلغ 174 مليون دولار تدفعها الحكومة المصرية نتيجة الأضرار، التي لحقت بالشركة بعد وقف تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل منذ عام 2012.

 

وتعد الأحكام الدولية الصادرة لصالح إسرائيل واجبة النفاذ ولا يجوز الطعن عليها؟ في ظل اكتشافها حقل ظهر الواقع قبالة سواحل مدينة بورسعيد الواقعة على البحر المتوسط، والذي تقول إنه واحد من أكبر حقول إنتاج الغاز في العالم.

 

 

Facebook Comments