كتب يونس حمزاوي

الراصد للقرارات والإجراءات التي يقوم بها مؤخرا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يدرك أن الرجل حريص كل الحرص على تقليم أظافر العسكر، والشلل الموالية للتنظيم الموازي داخل الجيش أو أولئك الذين تمكنت من تجنيدهم المخابرات الأمريكية والغربية منعا لأي محاولة انقلاب داخل المؤسسة العسكرية ضد النظام الديمقراطي كما حدث في منتصف يوليو 2016م. وتشير وسائل إعلام تركية إلى أن التقرير الذي أعده جهاز الاستخبارات الوطنية حول إعادة الهيكلة وُضِع منذ فترة على طاولة رئيس الجمهورية التركي الذي يبدو أنه ينتظر الوقت المناسب لفتح هذا الملف. وفي هذا السياق أصدر مجلس الوزراء قرار مرسوم بحكم القانون في 15 أغسطس الماضي، يقضي بضم جهاز الاستخبارات إلى رئاسة الجمهورية بدلا من رئاسة الوزراء.جهاز الاستخبارات قبل هذا المرسوم كان تابعا لرئاسة الوزراء. وينص المرسوم الجديد على أن رئيس الجمهورية يترأس لجنة التنسيق لأجهزة الاستخبارات بدلا من رئيس جهاز الاستخبارات، وأن جهاز الاستخبارات يتولى الأمانة العامة لتلك اللجنة.  المرسوم الجديد يمنح رئيس الجمهورية حق المصادقة على قرار التحقيق مع رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية أو رفضه، ويتيح للمحكمة الإدارية العليا حق الاعتراض على القرار الرئاسي بشأن التحقيق في غضون 10 أيام، كما يمنح جهاز الاستخبارات الوطنية مسؤولية إجراء الخدمات الاستخباراتية المتعلقة بوزارة الدفاع وموظفي القوات المسلحة التركية. ورغم أن الخطوة تأتي طبيعية في سياق الدستور الجديد الذي أقره الشعب في 16 أبريل الماضي، ويقضى بالتحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي إلا أن هذا لم يمنع أعداء تركيا من التشكيك في الخطوة متهمين الزعيم التركي بالاستبداد وبسط سيطرته على كل مفاصل الدولة. ومن الطبيعي إذا، نقل تبعية جهاز الاستخبارات الوطنية من رئاسة الوزراء التي سيتم إلغاؤها في 2019 إلى رئاسة الجمهورية، لأن رئيس الجمهورية هو الذي سيشكل الحكومة ويرأسها بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. وبعبارة أخرى فإن هذه الخطوة الأخيرة يمكن تصنيفها ضمن الإجراءات الروتينية المرتقبة، ولا علاقة لها على الإطلاق بتعزيز السلطات، كما أن جهاز الاستخبارات الوطنية أصبح تابعا لرئيس الجمهورية المنتخب، لا لشخص أردوغان، وإن كان أردوغان هو الذي يجلس اليوم على كرسي الرئاسة فمن المؤكد أن يتولى غدا غيره هذا المنصب.  حد من نفوذ العسكر قبل هذا المرسوم، وفقا للمحلل السياسي والمتخصص في الشأن التركي، سعيد الحاج، لم يكن من صلاحيات جهاز الاستخبارات الوطنية القيام بالأعمال الاستخباراتية في القوات المسلحة. وبعد المرسوم، تغير هذا الأمر، وأصبحت متابعة تحركات الضباط وموظفي وزارة الدفاع والقوات المسلحة من ضمن صلاحيات جهاز الاستخبارات الوطنية، ما يعني أن أي مجموعة انقلابية محتملة لن تجد بعد اليوم داخل القوات المسلحة مساحة للتحرك بعيدة عن عيون جهاز الاستخبارات وآذانه.   تطهير الجيش والمخابرات كما تأتي الخطوة في سياق عملية التطهير لأجهزتها من خلايا تنظيم الكيان الموازي الإرهابي الذي نفذا محاولة انقلاب دموية فاشلة على المسار الديمقراطي كما تقوم بإعادة بناء تلك الأجهزة لتواكب متطلبات المرحلة المقبلة وأهداف تركيا المستقبلية. بالتالي، من المتوقع أن تعقب هذا المرسوم خطوات أخرى لإعادة بناء جهاز الاستخبارات الوطنية التركية وهيكلته، وسط دعوات لتقسيم الاستخبارات الوطنية إلى جهازين، أحدهما للداخل والآخر للخارج، على غرار أجهزة الاستخبارات الأمريكية، في الوقت الذي تحتاج فيه تركيا إلى تعزيز أنشطتها الاستخباراتية في مناطق الصراع المرتبطة بمصالح تركيا ونفوذها وأمنها القومي.  

Facebook Comments