كتب يونس حمزاوي:

تصاعدت إجراءات التوتر مؤخرا بين أنقرة وواشنطن مع تجميد الممثليات الأمريكية في تركيا قبول طلبات التأشيرة (الفيزا) ورد الممثليات التركية في الولايات المتحدة بالمثل، على خلفية توقيف أحد العاملين الأتراك في القنصلية الأمريكية في إسطنبول واستدعاء آخر للتحقيق معهما في تهم تتعلق بالتنظيم الموازي أو جماعة كولن.

وأوقفت السلطات التركية "متين طوبوز" قبل أيام للتحقيق معه ثم استدعت آخر، وقد سربت وسائل الإعلام التركية بعض القرائن التي أوقف الأول بسببها، وأهمها تواصله اللافت والمتكرر مع القضاة ومديري الأمن الذين رتبوا لقضايا الفساد في نهاية 2013، التي سميت حينها انقلابًا قضائيًا على الحكومة ومع مجموعة من الضباط المشاركين في المحاولة الانقلابية الفاشلة صيف 2016.

لكن الخبير التركي "هاشمت بابا أوغلو" يحذر من تحركات أمريكية مريبة وحشود لقواتها منذ مدة طويلة تتجمع على حدود حلقة تقع تركيا جغرافيًّا في مركزها وفقا لمقاله اليوم بعنوان «هل تواجه تركيا اليوم ما فعلته أمريكا بالاتحاد السوفيتي أمس؟».

ويتساءل: «لماذا تنقل الولايات المتحدة كل هذا القدر من المعدات الحربية إلى رومانيا وبلغاريا في الغرب، وجورجيا في الشرق، وسوريا على الحدود الجنوب شرقية لتركيا؟.. لماذا تنشئ قواعد عسكرية ومطارات جديدة؟» أو بمعنى أدق لماذا تدعم أمريكا التنظيم الموازي بقيادة فتح الله كولن وحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا في أنقرة؟!

أضف إلى ذلك أن واشنطن تبدي اعتراضها على توجهات تركيا نحو شراء صفقة منظومة الصواريخ "أس 400" من روسيا، الأمر الذي دفع تركيا إلى طلب توفير البديل من جانب الدول المعترضة على الصفقة، في إشارة إلى امتناع الغرب عن توفير البديل لتركيا ما دفعها نحو موسكو لحماية أمنها القومي.

 تفسير الموقف الأمريكي
وحسب الخبير في الشأن التركي الباحث سعيد الحاج فإن ثمة احتمالين في تفسير الغضب الأمريكي: أن تكون واشنطن اعتبرت الأمر إهانة لها باعتبار أن للموظفين في سفاراتها وقنصلياتها نوعًا من الحصانة الضمنية، أو أن يكون هذان الموظفان -بشخصيهما أو بعلاقاتهما- على أهمية بالغة بالنسبة للتواصل مع جماعة كولن التي لا يمكن إخفاء علاقاتها الوطيدة مع الولايات المتحدة.

وحسب الحاج في مقاله اليوم بعنوان «التوتر التركي-الأمريكي: الحدود والمآلات»، المنشور على موقع "ترك برس" فإن ثمة بعض المبالغة في وصف الأمر على أنه أزمة غير مسبوقة في العلاقات الثنائية بين البلدين، إذ لا يمكن مقارنة التوتر الحالي مع أزمة الصواريخ الكوبية (1962) ولا رسالة الرئيس الأمريكي جونسون (1964) ولا حظر بيع الأسلحة لتركيا بعد تدخلها في قبرص (1974)، ولا أزمة رفض البرلمان التركي استخدام واشنطن الأراضي التركية لغزو العراق (2003).

يمكن أن نقول إن الأزمة مختلفة عن سابقاتها، وإنها دبلوماسية بامتياز، وإنها تعدت التصريحات إلى إجراءات، لكنها بالتأكيد ليست أزمة غير مسبوقة ولا عصية على الحل.

الأسباب الحقيقية للأزمة
ويرى الحاج أن هذه الأزمة لم تأت كمفاجأة أو دون مقدمات، بل لعلها مجرد تمظهر جديد لمنحنى التوتر في العلاقات التركية-الغربية الأوروبية منها والأمريكية.

فقد شهدت السنوات الأخيرة تدهورًا واضحًا في العلاقات التركية-الأمريكية تحديدًا لعدة أسباب في مقدمتها الدعم الأمريكي المتواصل (والمتجاهل لتحفظات أنقرة) للفصائل الكردية المسلحة في سوريا ومماطلة واشنطن في ملف تسليم فتح الله كولن المقيم على أراضيها، وهما ملفان يعتبران من مسائل الأمن القومي في تركيا، فضلاً عن الافتراق بين الطرفين في النظر لعدد من قضايا المنطقة.

لكن الأمر برمته ـ وفقا للخبير التركي- متعلق بتبدل مستوى العلاقة بين أنقرة وواشنطن بعد التغيرات المهمة التي حصلت في تركيا ولها خلال السنوات الـ15 الأخيرة مع حزب «العدالة والتنمية» بما يشمل نظرتها لنفسها ومكانتها ودورها، وهو الأمر الذي يبدو أن واشنطن لا تريد تقبله أو تفهمه أو التعامل على أساسه. فمن المؤكد أن تركيا لم تعد مجرد قاعدة متقدمة للناتو كما كانت خلال الحرب الباردة، ولكنها أيضًا ليست الحليف الاستراتيجي الذي أعلن في 1995، ولا الحليف النموذجي كما وصفها أوباما في 2009.

مآلات الأزمة
الأرجح أن الطرفين لا يريدان التصعيد بلا سقف وفقا للخبير التركي، وإن رغبا في إيصال الرسائل وثبات المواقف، منها محاولة الرئيس التركي حصر التوتر بشخص السفير الأمريكي (السابق الآن) في أنقرة جون باس والتي ردت عليها وفندتها الخارجية الأمريكية، ومنها تصريح البنتاغون أن الأزمة "دبلوماسية" ولن تؤثر على التعاون العسكري والأمني في مواجهة "الإرهاب". أكثر من ذلك، هناك إجراءات اتخذت تشير إلى الرغبة في احتواء الأزمة منها لقاء المتهم الموقوف مع محاميه.

المتوقع إذن بحسب الحاج، أن يحتوي الطرفان هذه الأزمة المحدودة بعد أن يستنفد استحقاقاته، بطريقة تحفظ ماء وجه الطرفين، والدبلوماسيون على جانبي المعادلة قادرون على بلورة مسار ما يرتضيه السياسيون من الجانبين بعد فترة. ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى أن ما ساعد على اتخاذ الأحداث هذا المسار تزامنُها مع نهاية فترة خدمة السفير الأمريكي في أنقرة، وهو ما يعني أن تعيين سفير جديد قد يتطلب وقتاً كأحد استحقاقات الأزمة، لكنه يعني أيضاً أن تعيين السفير الجديد قد يأتي بحل مقبول يرضي الطرفين.

وحسب الحاج فإن تجاوز الطرفين المتوقع لهذا التوتر لا يعني أن العلاقات المتردية بينهما مرشحة للتطبيع والتحسن قريباً، فالأسباب سالفة الذكر لتراجعها ما زالت قائمة وفاعلة ومستدامة في غياب أي مفاجآت كبيرة. ومن ثم فالمتوقع هو استمرار منحنى تراجع العلاقات بين أنقرة وواشنطن بشكل مستمر وتدريجي وبطيء، دون دخولها بالضرورة في مرحلة أزمة عميقة جداً أو مواجهة علنية مباشرة.

وحسب مراقبين فإن هذه الأزمة توجب على تركيا الاستمرار في تطوير علاقاتها مع دول الشرق وفي مقدمتها روسيا لإعطاء سياستها الخارجية جرعة من التوازن والمرونة تساعدها في ظل الأزمات المتلاحقة والمتزامنة، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يغني أيضاً عن ضرورة بلورتها لرؤية جديدة لسياستها الخارجية تتناسب معها ومع دورها وتناسب أيضاً الأوضاع المتغيرة في الإقليم والعالم. 

Facebook Comments