كتب: يونس حمزاوي
بعد انهيار مصر اقتصاديا وارتفاع مستويات الدين العام إلى رقم قياسي وغير مسبوق على الإطلاق، إضافة إلى العجز المزمن في الموازنة العامة، والذي فشلت الحكومة في علاجه، فإن قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، يمضي بهمة عالية في تدمير ما تبقى من قطاعات الدولة بلا استثناء.

فإذا كان السيسي يتذرع بأن الانهيار الاقتصادي ورثه عن مبارك، فماذا عن الوضع السياسي والحقوقي؟ وماذا عن الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص وحرية الحصول على المعلومات وتداولها؟ وماذا عن الحريات وحق الشعب في تشكيل الأحزاب والتنافس بصورة متكافئة؟ ماذا عن العدالة المسحوقة والاغتيال خارج إطار القانون؟ وماذا عن هيمنة الأجهزة الأمنية على كل مناحي الحياة؟؟

"3" مشاهد تدلل على انهيار الدولة سياسيا

في هذا التقرير سوف نرصد 3 مشاهد سياسية تعكس حالة الانهيار في الدولة، وتفشّي معاني البلطجة والفهلوة والتناحة وغياب دولة القانون.

وبحسب الكاتب الصحفي جمال سلطان، فإن حديث السيسي عن وجود أزمة هيكلية في مصر، عبّر عنها بأننا في "شبه دولة"، لا يعفيه من المسئولية عن السلوكيات العابثة التي تتخذها الحكومة وأجهزتها تجاه الرأي العام وتجاه الشعب.

ويضيف «لا يوجد هناك دولة ولا شبه دولة تدار بمنطق "التناحة" أو مبدأ "هي كده وإذا كان عاجبك يا شعب!، هذا خطير يؤسس للفوضى وانفراط عقد الولاء نهائيا للمواطن تجاه وطنه، واعتباره أن تلك الحكومة ليست أمينة على مصالحه ولا على حقوقه، ولا على الوطن ومقدراته.

كوسة تعيين ابنة وزير الأوقاف

المشهد الأول الذي يدلل على انهيار مفهوم الدولة، هو توظيف ابنة وزير الأوقاف الشابة صغيرة السن وحديثة التخرج من كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية في شركة بترول حكومية كبرى، وتساءل الناس جميعا عن "العبقرية" التي جعلت ابنة وزير الأوقاف تنال وظيفةً عجز عن نيلها المئات من حاملي الدكتوراه والماجستير في مصر، الذين يتظاهرون بصفة دائمة أمام مجلس الوزراء للمطالبة بفرصة عمل.

وبحسب سلطان، «سألنا عن الطريقة التي تم بها تعيين تلك الفتاة في هذه الوظيفة المرموقة، وهل تم بالأمر المباشر أم كان هناك إعلان للجميع ومسابقة وفازت بها بشكل شرعي، وما هي طبيعة عملها في تلك الوظيفة، وما صلته بكلية التربية التي تعد طلابها للتدريس، وطالب الجميع وزير الأوقاف بالخروج إلى الشعب بإجابات واضحة، وأن يفسر ما جرى، ويبعد عن نفسه أي شبهات، خاصة وأنه وزير مسئول عن منابر المساجد وخطب الجمعة واختيار من يعظون الناس بالحلال والحرام، ويتحدثون عن الفساد وأكل مال الدولة أو الغير بالباطل، كما طالبنا وزير البترول بأن يوضح حقيقة ما جرى، ورغم كل ذلك والفضيحة التي سارت بها الركبان، كما يقال في الأمثال، لا أحد في الحكومة تكلم، لا وزير الأوقاف أوضح شيئا، ولا وزير البترول برر شيئا، ولا متحدث الحكومة شرح حقيقة ما جرى، بمعنى آخر قالوا لنا وللشعب: هي كده يا ولاد… وإذا كان عاجبكم، وأعلى ما في خليكم اركبوه».

فضيحة هروب حبيب العادلي

أما المشهد الثاني الذي يدلل على أن مصر باتت حتى أسوأ من شبه الدولة، هو مطالبة الملايين لوزارة الداخلية بحكومة الانقلاب بتنفيذ حكم القضاء النافذ بضبط اللواء حبيب العادلي، وزير الداخلية الأسبق، والذي حكمت عليه محكمة الجنايات بسبع سنوات سجنا، وكان موضوعا قيد الإقامة الجبرية، أي في حوزة جهات الأمن، غير أن أحدا لم يعبأ بهذه النداءات، وظل حبيب العادلي هاربا من العدالة، يرتع في ظل حماية مجهولة، ونقترب الآن من شهر كامل ووزارة الداخلية عاجزة- أو تدعي أنها عاجزة- عن القبض على العادلي وإيداعه السجن تنفيذا لأحكام القضاء، وحتى النيابة العامة أصدرت مذكرة تناشد الداخلية سرعة ضبط العادلي وتنفيذ حكم المحكمة، ولكن حتى اليوم لا أحد يجيب، ولا أحد ينفذ، لا أحد يعبأ أساسا بأن يخاطب الرأي العام بأي شيء ولا حتى يرد على النيابة، كأن الحكومة والداخلية والأجهزة تقول للشعب كله: طظ، لن ننفذ الحكم، وأعلى ما في خيلكم اركبوه، ثم يتصورون بعد ذلك أن المواطن سيأخذ العبرة والدرس في احترام القانون وأحكام القضاء والنظام العام.

اغتيال أبوالفتوح

أما المشهد الثالث الذي يدلل على انهيار الدولة سياسيا، فهو تصريحات الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، رئيس حزب "مصر القوية"، حول خوفه من اغتياله حال تجرأ وقرر منافسة قائد الانقلاب في مسرحية انتخابات الرئاسة المقبلة 2018م، مؤكدا- في حوار منشور بعدد من وسائل الإعلام- أن السيسي نجح في صناعة "جمهورية الخوف".

ويعلق سلطان على ذلك بقوله: «الأخطر في الحوار أن يقول رئيس حزب مصري شرعي كبير، ومرشح رئاسي سابق حصل على أكثر من أربعة ملايين صوت انتخابي في الجولة الأولى، إنهم سوف يقتلونه بالرصاص إذا فكر في منافسة السيسي، لا أعرف كيف مر هذا الكلام الخطير مرور الكرام، كيف لم تهتم أي جهة بفتح تحقيق فيه، وكيف لم تعبأ الدولة بالرد على هذا الكلام أو حتى تفنيده، لماذا سلم الجميع به كأنه "كلام عادي"، أو مفهوم، أو طبيعي في ظل الأوضاع الحالية».

ويؤكد سلطان «هذه ليست دولة، ولا حتى شبه دولة، هذه غابة، مال سايب، نهيبة، تستباح فيها مصر ومقدراتها وخيراتها دونا عن شعبها البائس الفقير، وتعطي رسالة دالة على منطق هذا العهد: طبل وزمر للنظام وغازل الرئيس كل يوم في الإعلام، ثم افعل ما تشاء، فأنت مأجور، وخرقك للقانون والدستور مغفور.

Facebook Comments