كتب رانيا قناوي:

تسيطر ثقافة "زفة العروسة" على نظام الانقلاب في مصر، من خلال التعامل مع أي دور رقابي، سواء كان على المستوى الإداري أو المستوى الحقوقي والإنساني، حيث اعتاد المصريون خلال استقبال أي وفد أو مسئول يزور أي منشأة للرقابة عليها، بحملة الدهانات والنظافة والورود ورصف الطرق وتزيين الشوارع، حتى إذا ما انتهت الزيارة التي يقضيها المسئول في رسم الضحكات والابتسامات العريضة والتقاط الصور الفوتوغرافية، عاد كل شيئ إلى حاله، وتمت إزالة الزرع والورود، وكأن شيئا لم يكن.

يصرخ المعتقلون في سجون الانقلاب، وتصرخ معها المنظمات الحقوقية التي تتحدث عن معاناة عشرات الآلاف من المعتقلين، إلا أن أحدا لم يجب، حتى أن إحدى المنظمات الدولية وهي "هيومن رايتس ووتش" حينما ألقت الضوء على الانتهاكات التي تحدث في سجون الانقلاب وحالات التعذيب، قامت سلطات الانقلاب بحجب الموقع الرسمي للمنظمة الأمريكية الدولية غير الحكومية، واكتفت بنفي ما تم تداوله، رغم الإعلان يوميا عن مقتل أحد السجناء من التعذيب البدني أو المعنوي، فضلا عن الانتهاكات الأخرى.

ليالي السجن محسودة
نظم نواب لجنة حقوق الإنسان بمجلس نواب البرلمان، رحلة ترفيهية إلى سجن برج العرب، بقيادة ضابط التعذيب السابق علاء عابد للوقوف على "مدى التزام السجن بمعايير حقوق الإنسان"! لتستعيد سجون الانقلاب ذاكرة الزيارة التاريخية التي أعلن عنها المجلس القومي لحقوق الإنسان العام الماضي، ونشر خلالها صور الطعام الفندقي الذي يحصل عليه السجناء، زاعما أنه لا شكاوى سوى من قصر فترة التريض التي طالب السجناء مدها من ساعتين يوميا لثلاث ساعات "حتى يستمتعوا بجو السجن اللطيف وهوائه الدافي"!

وما أن انتهت زيارة لجنة حقوق الإنسان يوم الأحد الماضي، حتى هللت صحف وفضائيات النظام، بحفاوة الاستقبال، ونشروا صور المنتجع الذي يعيش فيه المعتقلون، وصور الطعام الفندقي، وكيف استقبلت اللجنة القيادات الأمنية نواب العسكر، وما أبدته اللجنة من تقدير لوزارة داخلية الانقلاب لما لمسوه من "التزام لمعايير حقوق الإنسان في السجون"، حيث تفقد الوفد وبرفقتهم مجموعة من الحقوقيين، عنابر السجناء والمستشفى وورش النجارة وحديقة السجن وفصول محو الأمية وأماكن التريض.

كما تحدثوا عن لقائهم بعدد من السجناء، الذين أكدوا تلقيهم كامل الرعاية داخل السجن، واستقبالهم لذويهم باستمرار في زيارات رسمية، فضلًا عن السماح لهم بالتريض لأوقات طويلة، وممارسة هواياتهم سواء ممارسة الرياضة أو القراءة، وحضور علماء من الأزهر ورجال الدين المسيحي للوعظ والإرشاد باستمرار.

ولم يكتف إعلام الانقلاب وأعضاء وفد الزيارة بهذا، بل أكدوا في مقابل حسن معاملة إدارة السجون كيف أثرت هذه المعاملة في المعتقلين، وأنهم ندمهم بسبب هذا الكرم عما اقترفت أيديهم في حق أنفسهم والمجتمع، كما أكدوا عدم عودتهم للسجن مرة أخرى عقب قضاء العقوبة وخروجهم، وأن إدارة السجن حرصت على تعليمهم حرفا تدر عليهم أموالًا عقب خروجهم من السجن، كما حرصوا على تأهيلهم لإعادة انخراطهم في المجتمع بشكل سوي والتعايش مع المواطنين.

واقع مر
وعلى الرغم من ليالي السجن المحسودة بسبب النعيم الذي يرفل فيه السجناء، وصور الطعام الفاخر، ولعب كرة قدم، واحتفال ورقص وفرحة السجناء، إلا أن تقريرا إعلاميا مصورا كشف فضائح لم ينجح النظام في إخفائها بالزيارة.

حيث رصد تقرير مصور عبارات الترحيب المكتوبة على أطباق الطعام بشكل استثنائي خلال زيارة برلمان العسكر لسجن برج العرب، الأمر الذي يكشف كيف تم الإعداد لهذه المسرحية الهزلية، كما تم تصوير السجن والمسئولين فيه كما لو أنه فندق، حتى بدت خلال الزيارة الأساليب المكشوفة والعادة القديمة التي اعتاد عليها المصريون خلال تصوير أي زيارة للسجون.

في الوقت الذي جاءت فيه الزيارة بناء على تقارير بسبب الحملات الحقوقية التي كشفت الانتهاكات التي تحدث داخل السجون والمعقتلات.

ولعل من بين هذه التقارير ما كشفته منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية، أن ما يحدث من تعذيب للمعتقلين في مصر هو "جريمة محتملة ضد الإنسانية".

ونشرت المنظمة بهذا الخصوص تقريرا بعنوان "نحن نقوم بأشياء غير منطقية هنا: التعذيب والأمن الوطني في مصر السيسي"، استندت فيه إلى شهادات 19 سجينا سابقا وشهادة أسرة سجين آخر "تعرضوا لأساليب من التعذيب ما بين عامي 2014 و2016 تضمنت الضرب والصعق الكهربائي والاغتصاب".

ويقول التقرير إن جميع من تمت مقابلتهم من السجناء السابقين قالوا "إنهم أخبروا وكلاء النيابة العامة بما تعرضوا له من تعذيب، لكنهم لم يجدوا ما يدل على اتخاذ أي إجراء، للتحقيق في مزاعمهم، كما يتطلب القانون الدولي".

وبحسب التقرير، فإن ضباط الشرطة لجأوا بانتظام إلى "التعذيب لإجبار المعتقلين على الإدلاء باعترافات وكشف معلومات".

وتعتقد المنظمة أن "التعذيب الشائع في مصر، يشكل جريمة محتملة ضد الإنسانية، بسبب انتشاره وممارسته بشكل ممنهج".

انتهاكات بالجملة
وروى المعتقلون السابقون للمنظمة الحقوقية، أن اعتقالهم كان يحدث إما من خلال مداهمة منازلهم في الفجر، أو استهدافهم في الشوارع القريبة من الأماكن التي يترددون عليها، دون أن يطلعوا على مذكرات للاعتقال أو أسبابه.

ومن بين الانتهاكات بحق المعتقلين، وبخلاف حالات التعذيب والوفاة والانتهاكات المعروفة التي سجلتها المنظمات الحقوقية، استبدال الزيارة العادية بزيارة استثنائية بتصريح من أمن الدولة العليا كل ثلاثة أسابيع أو شهر، وتجاهل كذلك منع إعطاء تصريحات لأسر معتقلي السجن المتهمين في قضايا غير مسجلة أمام نيابة أمن الدولة العليا، حيث ترفض نيابة أمن الدولة العليا استخراج التصريح لهم بهذه الحجة، وتعسف إدارة السجن بالسماح لدخول المستلزمات الشخصية الخاصة والأطعمة والأدوية، بخلاف التضييق بقصر مدة الزيارة وشكلها وهيئتها التي تتم أغلبها خلف حائل زجاجي.

وكان المعتقلون شهدوا أمام النيابات بحرمانهم من شراء المستلزمات من الكانتين ومنعهم من إدخال طعام أسرهم، كما أكدوا في المحاكم أنهم يمنعون من الطعام، حيث تقدم لهم كمية بسيطة جدًا من الطعام لا تكفي لسد جوعهم، كما أنه يكون غالبًا رديء الصنع وخالياً من الملح، وهو ما أثر على كثير من المعتقلين بفقدان أوزانهم وإصابتهم بعدة أمراض كآلام العظام، خاصةً ومع منع أصناف الطعام المختلفة من بيعها في الكانتين وإغلاقه لفترات طويلة، وبيع المنتجات فيه بأسعار عالية للغاية تُصعب على بعض المعتقلين شرائها.

فضلا عن وفاة العشرات داخل السجون من بينهم الدكتور فريد إسماعيل ومحمد الفلاحجي عضوا مجلس الشعب السابقين، والمرشد العام السابق الأستاذ محمد مهدي عاكف، والدكتور طارق الغندور، والقيادي بالجماعة الإسلامية عصام دربالة، الذين قتلوا بسبب الإهمال الطبي الجسيم لهما، الذي تعرضوا له.

وترقى هذه الجرائم بحسب القوانين والأعراف الدولية إلي جرائم ضد الإنسانية لأنه يعتبر جريمة قتل جماعي ضد جماعة بعينها، فضلًا عن إصابة مئات المعتقلين بأمراض مختلفة ورغم ذلك لا تقدم لهم الرعاية الصحية اللازمة، بالإضافة للموت البطيء الذي يلاحق معتقلي السجون، حيث يتعرض المعتقلون بشكلٍ دوري للضرب المبرح بالعصي والهروات كما يتعرضون للصعق المتكرر بالكهرباء في مختلف أنحاء الجسد، ويزيد الصعق في الأماكن الحساسة، بالإضافة إلى تعليق معظم المعتقلين لساعات طويلة في الحائط ربما تصل عدة أيام متواصلة.

في الوقت الذي طالبت فيه المنظمات الحقوقية بتقصي الحقائق بشكل موضوعي دون تحيزات وإبراز الجرائم أيًا كان مرتكبها، كما تطالب بضرورة السماح لكافة المنظمات الحقوقية بزيارة السجون للوقوف على الانتهاكات داخلها كما سمحت للمجلس القومي ولجنة البرلمان، وان يتم السماح لهذه الزيارات الرقابية أن تتم بصورة مفاجئة ليتسنى للجنة تقصي الحقائق الاطلاع على الوضع الحقيقي للسجن وما فيه من انتهاكات، إلا أنه من الملاحظ الرفض الدائم لباقي منظمات حقوق الإنسان من التمكن من الزيارة مما يدل على وجود اتفاق بين المجلس والدولة وأن التقارير تكون دائما لصالح المجلس ولا تنقل معاناة المعتقلين.

Facebook Comments