كتب: يونس حمزاوي
رغم التحديات تمضي التجربة التونسية بعد ثورة الياسمين، في طريقٍ مليء بالأشواك والمطبات، ويعود الفضل في تجنب التجربة التونسية مزالق التجربة المصرية والليبية إلى مرونة حركة النهضة من جهة، وعدم أطماع المؤسسة العسكرية في الحكم من جهة أخرى.

وكان آخر تطورات المشهد التونسي، أمس، حيث أعلن يوسف الشاهد عن تعديل وزاري كبير اشتمل على 13 وزيرا، بينها الدفاع والداخلية والمالية. هذا وتستعد الأحزاب للانتخابات المحلية المرتقب إجراؤها في 17 ديسمبر المقبل، وسط شكوك حول إجرائها، بعد مطالبة عدد من الأحزاب بتأجيل هذا الاستحقاق؛ لعدم استعدادها له، وتمسك النهضة بضرورة إجرائها.

كما تأتي تصريحات الرئيس الباجي قايد السبسي، لتثير كثيرا من الجدل على المشهد التونسي، وتضع عراقيل أمام التجربة التونسية من خلال التحرش بأحكام الإسلام من جهة، وبحركة النهضة من جهة أخرى، في محاولة تستهدف ترميم حزبه "نداء تونس" الذي فقد "24" من نوابه الـ86، ليتراجع إلى "62" نائبا، ويحتل المرتبة الثانية في الكتل البرلمانية بعد النهضة التي تستحوذ على 69 عضوا.

لماذا يتحرش السبسي بالنهضة؟

ولكن اللافت مؤخرا، أن الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، مع إدراكه بتفكك حزبه "نداء تونس"، الذي حل ثانيا بفعل الانشقاقات، يسعى إلى ترميم حزبه قبل انتخابات البلدية المرتقبة أواخر هذا العام، من خلال التحرش بالنهضة، وجرها إلى سجالات فكرية وسياسية لا تخدم المسار الديمقراطي ولا التجربة التونسية.

وكشف الرئيس التونسي عن صورة متطرفة من العلمانية، عندما أدلى بتصريحات غريبة حول ميراث المرأة في الإسلام، وزواج المسلمة من غير المسلم، الأمر الذي قابلته النهضة بأنها حزب سياسي وليس هيئة دينية، وأن الرد يتوجب على المؤسسة الدينية، مع تأكيد أن تصريحات السبسي تتناقض مع الدستور الذي أقره التونسيون.

ومن هذه التحرشات، تلك التصريحات الجديدة للسبسي، والتي نقلتها صحيفة محلية، حيث قال قايد السبسي، في حوار مع جريدة "الصحافة" المحلية: إنه كان مطروحا على حزبه نداء تونس "البدء الفوري والعاجل في ممارسة الحكمِ، ووضع الخطط الكفيلة بإنقاذ البلاد، واستكمال تركيز مؤسّسات الدولة والهيئات المستقلّة".

وتابع: "الناخب التونسي لم يجعلنا نتمكن مِنْ أغلبية قادرة على الحُكْمِ، النهضة كانت جاهزة لذلك، إضافة إلى أحزاب أخرى، ما أتاح حينئذ فرصة تشكيل تحالف حكومي.. هي قبلت وليس بشروطها، وقلنا على الأقلّ نسَاهِمُ بذلك في جَلْبِهَا إلى خانة "المدنية"، ولكن يبدو أنّنا أخطأنا التقييم".

هذه التصريحات تعكس حالة شديدة الخطورة للتطرف العلماني على التجربة التونسية، ويخشى مراقبون أن تكون بداية لانقلاب على المسار الحالي والعودة إلى ما قبل ثورة الياسمين، ودخول البلاد في نفق مظلم من الاستبداد والديكتاتورية التي تقوم على شعار "كن مثلي تماما وإلا فلا وجود لك".. بينما تقوم التجارب الديمقراطية الصحيحة على الإيمان بوجود التباينات والعمل على التعايش المشترك، والاحتكام للشعب عبر صناديق الانتخابات بدلا من التنافس على الحكم بصناديق الذخيرة.

"النهضة" ترد على تصريحات الرئيس

هذه التصريحات أثارت لغطًا داخل حزب النهضة، حيث اعتبر المكلف بالمكتب الثقافي والإعلامي في حركة النهضة، العجمي الوريمي، في تصريح صحفي اليوم الخميس، أنّ الرئيس يحرص على أن يكون المشهد السياسي بشكل عام نقيا، وفيه توازن يضمن التعايش والاستقرار"، وفق تعبيره. مرجحًا أن تكون الصياغة التي وردت في الحوار فيها تصرف من الصحفي المحاور.

لكن القيادي وعضو مجلس شورى حركة النهضة، العربي القاسمي، قال في منشور له على "فيسبوك"، الأربعاء: "العين بالعين، والسّنّ بالسّنّ، والبادئ أظلم. أخطأنا التّقدير في اعتبارّ النّداء حزبا سيّاسيا.. لقد تبيّن أنّه مجرّد منظّمة لتفريخ المتقاتلين على الكراسي بالكراسي".

وقال في منشور آخر: "رئيس الدّولة يطرح قضايا خاطئة.. فمرّة يثير قضيّة الميراث والمساواة الزّائفة بين المرأة والرّجل، وحقّ المرأة المسلمة في الزّواج من غير المسلم.. كلّ ذلك في اعتداء صارخ على الهويّة والدّستور، ومرّة يتحدّث بلغة سلبيّة، وبشيء من النّدم المبطّن عن التّوافق مع النّهضة".

من جهته، أكّد المكتب التنفيذي للنهضة أنّ الحركة "متمسكة بالتوافق عامة مع حزب نداء تونس، شريكنا في الحكم".

وجدّدت الحركة، في بيان وقعه رئيسها راشد الغنوشي، الأربعاء، حول التحوير الوزاري والانتخابات البلدية، "دعمها لمسار التوافق الوطني، وتمسّكها بمقوماته، خصوصا مع حركة نداء تونس والعائلة الدستورية"، كما ثمّنت النهضة "حرص رئيس الجمهورية على تحقيق المصالحة الشاملة، وترسيخ الوحدة الوطنية بين التونسيين".

Facebook Comments