قال مراقبون: إنه "لا ينفصل غياب المحاسبة المالية والإدارية عن غياب التعددية السياسية وحرية التعبير؛ إذ يشير النشطاء إلى أن شعار "محدش يحاسبني" الذي نطق به السيسي يترجم عملياً على الأرض عبر إغلاق المجال العام وتوقيف أي صوت يحاول نقاد السياسات الرسمية أو حتى التعبير عن التضامن مع قضايا محلية من ديون وغلاء كاو وإقليمية مثل قضية غزة أو إرسال طائرات لحرب إيران".
ورد السيسي مباشرة على أحد نواب "البرلمان" الذي اختارته الأجهزة، طالب بإجراءات انفتاح سياسي، مما يكرس فكرة غياب المساءلة: "السيسي لنائب برلماني طالبه بتفعيل قرارات الحوار الوطني والإفراج عن المعتقلين: "أنا محدش هيحاسبني" .. "أنا مبخفش أبداً".. "الدولة محتاجة 2 تريليون دولار علشان تصرف".
ويرى المغردون أن هذا النهج الأمني لا يفرق بين ناشط سياسي أو مواطن عادي يعبر عن ضيقه بالظروف الاقتصادية، مما خلق حالة من الاحتقان المكتوم نتيجة غياب قنوات الحوار الشرعية والمؤسسات الوسيطة.
وتفتح التدوينات والتصريحات المتداولة للأكاديميين والنشطاء عبر منصات التواصل الاجتماعي نقاشاً واسعاً حول مفهوم "المحاسبة السياسية والرقابية" في مصر، مستندة إلى مقارنات حثيثة بين آليات التعامل مع الإدارات المتعاقبة.
وينطلق هذا التحليل من مناقشة طبيعة التغير الدستوري والمؤسسي الذي طرأ على الأجهزة الرقابية والتشريعية، لاسيما بعد إقرار تعديلات قانونية منحت السلطة التنفيذية صلاحيات مباشرة في تعيين وإعفاء رؤساء الهيئات المستقلة، وهو ما يراه مراقبون تحولاً جوهرياً في بنية الدولة الحديثة لصالح تركيز القرار وتغييب آليات الرقابة المتبادلة بين السلطات.
https://x.com/Ragab/status/2057770339342438901
تقويض استقلال الأجهزة الرقابية
يمثل ملف الأجهزة الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للمحاسبات، ركيزة أساسية في فهم طبيعة التحول داخل منظومة الحكم، ويستشهد النشطاء بملف المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز الأسبق، كعلامة فارقة في مسار العلاقة بين السلطة التنفيذية والجهات الرقابية؛ حيث شكلت إقالته عقب إعلانه عن تقديرات لحجم الفساد في مؤسسات الدولة والأجهزة مثل الجيش والمخابرات صدمة حقوقية وقانونية.
ويرى المغردون أن هذه الخطوة، وما تلاها من تعديلات تشريعية تتيح عزل رؤساء الهيئات الرقابية، أسست لمرحلة جديدة تغيب فيها الرقابة الصارمة على إنفاق المال العام والمشروعات الكبرى.
وفي هذا السياق، أعاد حساب عبد الحميد قطب @AbdAlhamed kotb تسليط الضوء على هذه الواقعة قائلاً: "المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، لـ BBC: أبلغتُ السيسي بوجود فساد في مؤسسات الدولة يُقدَّر بـ600 مليار جنيه، فغضب مني وأقالني."
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2051450642325983486
وتابع عبد الحميد قطب في تدوينة أخرى مستشهداً بشهادات تاريخية حول أوجه الإنفاق ومقارنتها بالاحتياجات الخدمية الأساسية: "أين ذهبت أموال السعودية والخليج؟؟ رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق هشام جنينة: حكومة حازم الببلاوي "أول حكومة بعد 30 يونيو" أنفقت 100 مليون جنيه كمكافآت لـ83 مسؤولًا في جهاز تنظيم الاتصالات، في وقت كانت فيه كلية التجارة بجامعة عين شمس تحتاج إلى 5 ملايين جنيه فقط لإنشاء مُدرّج للطلاب."
عقود العاصمة الإدارية وتمدد الهيئات السيادية في الاقتصاد
يتطرق التقرير إلى محور آخر يثير قلق الخبراء والنشطاء، وهو البنية القانونية والمالية للمشاريع القومية الكبرى وإسنادها للهيئات السيادية بعيداً عن رقابة البرلمان أو المناقصات العامة التنافسية. وتكشف التدوينات عن نمط مستحدث في إدارة أصول الدولة، مثل عقود الإيجار طويلة الأجل للمقرات الحكومية في العاصمة الإدارية الجديدة، والتي تتصاعد قيمتها بشكل دوري بما يفرض التزامات مالية ضخمة على الموازنة العامة، بالتزامن مع صعود شركات صيانة وتشغيل تابعة لجهات سيادية تحصد هذه العوائد.
وقد فصل حساب (حدث بالفعل) @7adasBelfe3l هذه الآلية المالية عبر رصد زمني للقرارات والتعاقدات، مستنكراً طبيعة الشروط التعاقدية: "الدولة لو اشترت مقراتها في العاصمة الإدارية ، هل هتدفع أكتر من 7 مليار جنيه لمرة واحدة ؟ إذن لماذا الإيجار يبلغ 7 مليار جنيه سنويا وبعقد مدته 49 سنة ؟! بيزيد 50% كل سنتين ! 600 مليار جنيه تقريبا في مجانين خاطفين البلد وحالفين ينطوا بيها من فوق الجبل."
وأضاف @7adasBelfe3l موضحاً تسلسل الأرقام وتداخل المصالح الاقتصادية: "في 2022 ، وقف كليم الله وقال العاصمة الإدارية عايزة تؤجر مقرات الحكومة ب 4 مليار ج ، وضحك الجميع ، ووافق الجميع وتم التأجير ودفعت الحكومة (الشعب) في 2023 ، أعلن رئيس العاصمة الإدارية أن العقد مع الحكومة طويل الأمد لمدة 49 عام بقيمة 4 مليار ج سنويا في ديسمبر 2025 ، تم الإعلان عن زيادة عقد الإيجار بقيمة 50% ليصبح 6 مليار ج في ابريل 2026 طبقا لبيانات حصلت عليها بلومبرج ، بلغ الإيجار الحالي 7.6 مليار جنيه في عام 2025 أعلن جهاز مستقبل مصر المملوك للقوات الجوية (اللواء الفار) إنشاء شركة moddon مصر لأعمال المرافق و الصيانة ، وبعدها بأيام حصلت علي تعاقد مع العاصمة الإدارية بقيمة 3.5 مليار جنية وللصدفة هو نفس حجم الزيادة في ايجارات المقرات الحكومية السؤال ما هو نوع التعاقد الذي وقعته الحكومة والذي يتغير فيه قيمة الإيجار بناء مزاج القائمين عليها ؟ وكيف يتم التصرف في أموال الشعب بطريقة المحسوبية والتلات ورقات والسرقة العلنية !"
ويتكامل هذا التحليل مع ما طرحه حساب د. وكيل @Wak75053Wakeel الذي انتقد تراجع الدور التقليدي للوزارات المدنية لصالح الهيئات والمجالس العسكرية المستحدثة: "-جهاز مستقبل مصر يسيطر علي استيراد وتصدير السلع الأساسية ومشروع الدلتا الجديدة. -هيئة الشراء الموحد تسيطر على سوق الدواء والأجهزة الطبية في كل المستشفيات الحكومية. -الأكاديمية العسكرية تسيطر على توظيف كل موظفي الدولة في كل الوزارات. السؤال المهم هنا: هو إيه دور الوزارات في مصر؟!"
مفارقة المحاسبة: بين تجربة مرسي وشعار "محدش يحاسبني"
تتبلور المفارقة التاريخية والسياسية في الخطاب العام عند مقارنة آليات التعامل مع الرئيس الشهيد د.محمد مرسي، الذي واجه محاسبة برلمانية وإعلامية وقضائية صارمة وحملات نقد واسعة ومستمرة طالت قراراته وسياساته الاقتصادية والسياسية منذ الأيام الأولى لحكمه، وبين الواقع الحالي الذي لخصه الناشطون في عبارة الانقلابي عبدالفتاح السيسي : "أنا محدش هيحاسبني"، ويرى المغردون أن هذا التباين يعكس رغبة واضحة من الإدارة الحالية في التحرر من أي التزام دستوري أو مؤسسي يتيح للمجتمع أو لممثليه في البرلمان مراجعة خطط الدولة أو التساؤل عن مصير القروض والديون المليارية.
ودون أحمد رجب @ Ragab قراءة تحليلية لطبيعة الرؤية الفلسفية للسلطة والمحاسبة لدى الرئيس الحالي، معتبراً إياها تراجعاً عن مفهوم الدولة الدستورية الحديثة:
"عندي تأملان في دماغي من الصبح مش عايزين يطلعوا، الأول: الحساب في عقل السيسي مسألة إجرائية بحتة، مش مسألة فلسفية ، و أساس في بناء الدولة الحديثة، المحاسبة عنده صيغة إدارية هرمية، هو يحاسب المسؤولين الأدنى فقط، المحاسبة هنا أداة ضبط داخل جهاز الدولة أكثر من كونها مبدأ وحجر أساس في فلسفة الدولة الحديثة، لأنها تسري على الجميع وتكسر وهم العصمة السياسية، السؤال عنده مش "هل اللي بعمله صح؟" السؤال الوحيد هو "مين يملك صلاحية محاسبتي؟" الثاني: السيسي رغم أنه خرج من المؤسسة العسكرية، بس لا يبدو امتدادا سياسيا لها بقدر ما يبدو انحرافًا نحو شكل أقدم من الحكم، شبه حكام المماليك، في طريقة وصوله ودراميته، في لغته ووإشاراته، في لسعاته وهفواته، عنده منطق السلطان أكثر من منطق الرئيس، ومنطق الاصطفاء أكثر من منطق التفويض الدستوري، عشان كده تبدو الرؤى والأحلام والدموع والخطب المطولة والتعلّق الرمزي بالقوة والتشييد والخلود كأنها جاية من عالم تاني، عالم مملوكي بامتياز."
https://x.com/Ragab/status/2057770339342438901
تحميل المواطن فاتورة الأزمات الاقتصادية
أمام هذا المشهد الذي يصفه النشطاء بتغييب المؤسسات المستقلة، يوجه المغردون انتقادات لاذعة لأعضاء "نواب" العسكر، معتبرين أنه تحول إلى أداة لتمرير السياسات وتبرير الديون بدلاً من القيام بدوره الدستوري الأصيل في مراقبة السلطة التنفيذية وحماية جيوب المواطنين الذين باتوا يعانون لتأمين أساسيات الحياة.
وعبر حساب محمد الشريف @MhdElsherif عن هذا الاستياء رداً على مقترحات برلمانية تطالب الشعب بسداد الديون: "أنت الذي ستحاسب أمام الله علي نفاقك الرخيص، أنت المفروض أنك تمثل الشعب لتراقب وتحاسب السلطة التنفيذية ورئيسها هو رئيس الجمهورية علي إغراق البلد في الديون التي تحمل ويتحمل الشعب وحده خدمتها من رزقه ومعيشته ومستقبل أولاده وأحفاده ولم يعترض أغلبية أعضاء البرلمان المنافقون مثلك علي سوء الحكم وإدارته، كيف لم تفكر لحظة أن سحب هذه الأموال الضخمة مرة واحدة من اقتصاد البلد في فترة قصيرة، فضلا علي انه مستحيل فعليا، فإنه لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدا ؟"
يبدو أن هناك معرضين وهازئين من السيسي، وهو يتناقض دائما بنيويا بين مطالبة المواطنين بالصبر وتحمل تبعات القرارات الاقتصادية، وبين غياب حقهم الأصيل في المساءلة والمراقبة عبر مؤسسات حرة ومستقلة، يمثل -بحسب الآراء المرصودة- الجرح الأساسي في المشهد السياسي المصري الحالي، وسط تحذيرات متصاعدة من أن إغلاق مجالات التعبير والمحاسبة الدستورية يضعف الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.