كتب- حسن الإسكندراني:

 

مجددًا، ردد قائد الانقلاب القاتل عبد الفتاح السيسى، أنه لا يوجد في مصر معتقل واحد، وذلك خلال لقائه مع قناة "فرانس 24" الفرنسية، أمس الإثنين، زاعمًا أن هناك إجراءات تقاضٍ طبقًا للقانون المصري. 

كاذب الصوت والصورة 

 

ومنذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013، يقبع آلاف المعتقلين في السجون المصرية، في أوضاع تصفها المنظمات الحقوقية بـ"الصعبة للغاية وغير الإنسانية"، وهو ما أدى إلى وفاة المئات منهم نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي.

 

وتتوالى الشهادات المروعة من المعتقلين أنفسهم ومن أهاليهم، فضلا عن المنظمات الحقوقية، عما يلواجهه هؤلاء في سجونهم من التعذيب، والزج بهم في معتقلات لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة، أو حرمانهم من الدواء والغذاء لأيام طويلة. 

 

هؤلاء المعتقلون صدرت ضد عدد كبير منهم أحكام، وآخرون لا يزالون قيد الحبس الاحتياطي ولم يقدموا إلى محاكمة.

 

 

 

وبينما تواصل منظمات حقوقية مصرية ودولية توجيه انتقادات للانقلاب في مصر مطالبة إياه بالإفراج عن المعتقلين و توفير الحد الأدنى من ظروف الاحتجاز الإنسانية لهم، لا تكاد تتوقف الاعتقالات، وأحكام القضاء لا تزال تنهمر إعداما وحبسا، في وقت يعيش هؤلاء على أمل تنفس نسيم الحرية.

 

وذكر تقرير أعدته منظمة العفو الدولية أن أعداد المعتقلين في مصر منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو وحتى 30 يونيو 2015 بلغت أكثر من 41 ألفا بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية أو القوات المسلحة أو النيابة العامة والقضاء.

 

ووصف التقرير، الذي صدر تحت عنوان "سجن جيل"، ما يجري في مصر بأنه عودة إلى "دولة القمع الشامل" و"السياسة القمعية"، موضحا أن مصر "تسحق آمال جيل كامل متطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا".

 

وفي تقرير لفريق الاعتقال التعسفي التابع للأمم المتحدة، قال إن هناك أكثر من 3200 طفل تحت سن الـ18 اعتقلوا منذ الانقلاب، ما زال أكثر من 800 منهم رهن الاعتقال، وتعرض أغلبهم للتعذيب والضرب المبرح داخل مراكز الاحتجاز المختلفة.

 

العدد الحقيقي

 

وعن العدد الحقيقي للمعتقلين، قال الناشط الحقوقي محمد أ. هـ إن الأرقام أكبر من ذلك بكثير، إذا وضعنا في الاعتبار أن هذه الإحصاءات قديمة نوعا ما، وأن هناك اعتقالات يومية في أغلب المحافظات حتى الآن، بما يرفع الرقم إلى نحو 60 ألفا، تم اعتقالهم لأسباب سياسية، بمن فيهم من تم الإفراج عنهم.

 

وأضاف الناشط وفق حديث له لـ"الجزيرة نت" أن الظاهرة غير المسبوقة في تاريخ مصر هي القبض على المحامين الذين يترافعون عن المعتقلين، بل إدخالهم متهمين في القضايا، حيث بلغ عددهم 300 محام، إضافة إلى 280 صدر بحقهم أمر ضبط وإحضار، "وهذا مؤشر

واضح على غياب أي أساس للعدالة في مصر الآن". 

العقرب سيئ السمعة

 

ربما يُحدث وقع اسمه رجفة في نفس أي مصري، فسجن العقرب، سيئ السمعة، شديد الحراسة، الذي يقع ضمن مجموعة سجون طره جنوب القاهرة، له تاريخ من روايات التعذيب المروع الذي وقعت بداخله منذ إنشائه قبل 25 سنة.

 

المتحدثة باسم "رابطة أهالي المعتقلين بسجن العقرب" آية علاء حسني، وصفت السجن بـ"المقبرة التي يحكمها قانون الغابة".

 

وأوضحت المتحدثة، وهي زوجة الصحفي المعتقل حسن القباني المعتقل على ذمة القضية المعروفة إعلاميًا بـ"غرفة عمليات رابعة" أن المعتقلين يتعرضون للتعذيب المادي والمعنوي داخل سجن العقرب، مشيرةً إلى معاناة الحبس الانفرادي بزنزانة ضيقة مع منع التريض (ممارسة التمارين الرياضية).

 

وأضافت، في تصريحات صحفية مؤخرًا، أن إدارة السجن تمنع الأدوية عن المعتقلين وترفض دخول الطعام الذي يصطحبه الأهالي لذويهم، لافتة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء والمياه الصالحة للشرب داخل عنابر السجن. 

قمع حتى الموت

 

وتحولت السجون ومقار الاحتجاز في مصر، منذ انقلاب 3 يوليو 2013، إلى ما تشبه المقابر الجماعية بالنظر إلى المعاملة غير الآدمية والتعذيب البدني والنفسي غير المسبوقين، واللذين يمارسان بحق معارضي قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

 

ولم تفلح التقارير الحقوقية المحلية والدولية، ولا الإدانات، في وقف هذه الانتهاكات ولا حتى التخفيف منها، فقد استمر النظام في انتهاج سياسة ممنهجة للتعذيب أودت بحياة مئات تحت التعذيب أو بسبب الظروف المعيشية البالغة السوء أو الإهمال الطبي ومنع تلقي العلاج.

 

الباحث بمركز الكرامة لحقوق الإنسان أحمد مفرح قال للجزيرة نت إن نحو 300 معتقل قضوا منذ الانقلاب وحتى الآن، بينهم 165 قتلوا بعد وصول السيسي للحكم، و62 منهم قتلوا في عهد وزير الداخلية الحالي مجدي عبد الغفار.

 

قتل بالإهمال

 

ومن بين هؤلاء الضحايا قيادات وأسماء بارزة في جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية، أبرزهم وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب السابق فريد إسماعيل، الذي استشهد بمستشفى سجن العقرب بالقاهرة بعد دخوله في غيبوبة كبدية، وبعد عشرة أيام توفي عضو مجلس الشعب عن محافظة دمياط محمد الفلاحجي بعد غيبوبة مماثلة.

 

وسبق هؤلاء موت أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة عين شمس الدكتور طارق الغندور بعد إصابته بنزيف حاد.

 

وفي 9 أغسطس 2015 توفي رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية عصام دربالة أثناء نقله من محبسه بسجن طره الشديد الحراسة إلى أحد مستشفيات العاصمة. وفي 28 أغسطس توفي القيادي بجماعة الإخوان خالد زهران، الذي كان يمضي عقوبة بالسجن ثلاث سنوات، بمستشفى أسيوط الجامعي بعد تدهور حالته الصحية.

 

وفي الأول من سبتمبر 2015 توفي المعتقل حسني خيري بسجن طرة نتيجة الإهمال الطبي رغم معاناته من سرطان الكبد.

 

ولم تقتصر حالات القتل على المسجونين فقط، حيث توفي المحامي كريم حمدي بعد تعرضه للتعذيب المبرح على يد ضباط الأمن الوطني بقسم شرطة المطرية، كما لقي المحامي إمام محمود المصير ذاته على يد مليشيات الأمن بقسم الشرطة نفسه.

الاختطاف القسري.. سلاح الانقلاب الجديد

 

مع اتساع رقعة المعارضة للمنقلب عبد الفتاح السيسي، وتصاعد الأصوات الحقوقية المنددة بما يتعرض له المعتقلون من تعذيب وقتل وغياب للعدالة، اتخذت أجهزة الأمن المصري طريقا جديدا للقضاء على المعارضة، وتخويف كل صاحب صوت، وهو الإخفاء القسري للمعارضين. فقد تزايدت أعداد المختفين قسريا خلال الشهور الثلاثة الماضية بشكل لم تعرفه مصر من قبل.

 

وقد تم الإفصاح عن أماكن بعض المختفين وتحويلهم لمحاكمات جنائية بسبب حملات إعلامية، في حين تمت تصفية البعض الآخر قبل القول إنهم قتلوا في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة.

 

ووفق تقارير حقوقية ونشطاء، فقد تجاوزت أعداد المختفين قسريا 3000 حالة، بينهم نحو 20 مختطفا لا تعرف أماكنهم منذ مذبحة الحرس الجمهوري في يوليو 2013.

 

ويقول الباحث بمركز الكرامة لحقوق الإنسان أحمد مفرح إن الاختطاف القسري بات يمارس بطريقة ممنهجة في مصر، بعد أن أدركت أجهزة الأمن أنها لن تتعرض للمساءلة، وأضاف مفرح للجزيرة نت "أجهزة الأمن تعتقد أن الاختطاف وسيلة ناجحة في مواجهة معارضي الانقلاب".

 

ووفق مفرح، فقد وقعت نصف حالات الاختطاف تقريبا في ظل وجود قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، حيث بلغ عدد المختطفين منذ يونيو 2014 وحتى الآن نحو 1730.

 

 

Facebook Comments