يناير كسرت حاجز الخوف وعصابة العسكر أعادت القبضة الأمنية للبلاد

- ‎فيتقارير

إن الثورة المضادة التي تحكم المشهد اليوم قد تنجح في تزييف الحقائق مؤقتاً عبر أبواقها، وقد تنجح في حصار يناير في "قفص الاتهام"، لكنها لن تنجح أبداً في محو حقيقة أن يناير كشفت عورات نظام استبدادي لم يجد من وسيلة للبقاء إلا "إعادة تدوير الخراب".
إن الخروج من هذا المأزق يبدأ من لحظة إدراكنا الجماعي أن "الاستقرار الذي يطعم النخبة ويجوع الشعب" هو بحد ذاته "أكبر أنواع الخراب".
حول ثورة يناير ومآلاتها تحت هذا العنوان كتب الدكتور كمال الجندي: رؤيته حول مسيرة التغيير والوجع المصري، جاء فيها حين تتأصل فكرة "التغيير" في وجدان الإنسان منذ نعومة أظفاره، وحين يتربى الوعي على وقع المعاناة اليومية للناس من فقر وبطالة وأمية وجهل ومظالم اجتماعية وسياسية يومية، تصبح الثورة بالنسبة له ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل هي قدَر روحي ووجودي لا مفر منه.
قال لقد رافقتني هذه الفكرة طالباً على عتبات مرحلة التكوين الأولى، ونمت معي في أروقة الجامعة المصرية خلال فترة زخرت بالحراك السياسي الفكري والعلني، ليتأكد في ذهني يقيناً راسخاً لا شطط فيه: أن لا خلاص لهذه البلاد إلا بتغيير جذري لا يأتيه النقاء إلا من قلب الثورة الشعبية العارمة.
وعندما انطلق طوفان الخامس والعشرين من يناير 2011، لم أكن غريباً عنه ولا مترقباً من بعيد؛ بل كنت ابن هذه الفكرة الباحث عن تحققها، بدأ يومي التاريخي ذاك من شوارع الإسكندرية وفعاليات نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعتها العريقة – الذي مثّل بحق منارة ونواة حقيقية لقادتها ومثقفيها الأحرار – وصولاً إلى لحظات الفرح العارمة والبهجة الوجودية الكبرى في الحادي عشر من فبراير 2011 بتنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك.
الفرحة بتنحي مبارك
لقد كانت تلك اللحظات أصدق وأعمق لحظات الفرح في عمري كله، إلى الحد الذي جعلني أتطابق روحياً ووجدانياً مع هذه الثورة، حتى وإن اضطررت في أتون أيامها الأولى – وسط صراع المرض وإجراء عملية قلب مفتوح – لمتابعة تفاصيلها عبر الصحف وأثير الأصدقاء.
منذ تلك اللحظات الفارقة، عقدت العزم على أن أدوّن قصة هذا المخاض الكبير في كتاب جامع يخلد الموقف والرؤية والشهادة. غير أن عوادي الزمن، وتقلبات الظروف، وضياع الكثير من الأوراق والمقالات التي أُتيح لي كتابتها تباعاً في أعقاب الثورة، حالت طويلاً دون إنجاز ذلك الحلم بصورته الأصلية، ولم يتبق من بين ركام الأوراق المفقودة إلا بعض الاوراق والمدونات المتفرقة، قمت بإخضاعها لمراجعات وتعديلات دقيقة لتتواءم مع ملامح المشهد السياسي الراهن وتعقيداته، وأضفت إليها حديثاً مقاربة تحليلية تستجلي سيكولوجية السلطة والاحتجاج.
بين أيدي القارئ الكريم إذن، أضع هذا المجموع المقالي الذي ينظم في سلك واحد رؤية متكاملة لقصة الثورة والمآل، متوزعاً على المحاور الآتية:
يناير 2011 بين خطيئة التغيير والتاريخ: قراءة نقدية في السردية الرسمية ومرايا التحليل الدولي.
لماذا فشلت ثورة يناير؟ دراسة موضوعية في أخطاء القوى السياسية والنخب المصرية.
وفاء وتضامن مع شهداء مصر: قراءة في محطات التحول الكبرى بين 2011 و2013.
الخوف السياسي وتخويف الجماهير: تفكيك سيكولوجية السلطة في مواجهة الثورة والمجتمع.
إن هذا العمل ليس تدوينًا تاريخياً محايداً، بل هو شهادة شخصية وفكرية خالصة أُسجل من خلالها موقفي، وانحيازي الدائم للإنسان المصري، ورؤيتي لأسباب تعثر الحلم، عسى أن تكون نافذة لوعي جماعي جديد يدرك أن جذور التغيير الحقيقي لا تموت، وأن التاريخ لا يكتبه سوى الأحرار.
يناير 2011 بين 'خطيئة التغيير' و'حتمية التاريخ': قراءة نقدية في السردية الرسمية المصرية ومرايا التحليل الأكاديمي الدولي..
منذ سنوات، تتردد في الخطاب السياسي الرسمي المصري مقولات باتت تشكل جوهر "الرواية الوطنية" لما بعد عام 2011. إذ يتم تصوير ثورة يناير، وبإصرار لافت، كخطيئة كبرى، وسبب وحيد في تراجع مؤشرات الاقتصاد، وتفاقم الأزمات المعيشية، ووقوف الدولة على حافة الانهيار، هذه السردية لا تكتفي بكونها تقييماً سياسياً للماضي، بل تتحول إلى أداة لشرعنة إجراءات الحاضر وإسكات أي تطلع لمستقبل بديل.
إلا أن ثمة فجوة معرفية وأخلاقية شاسعة تفصل بين هذا الخطاب المحلي وبين ما راكمته مراكز الفكر والجامعات العالمية -في الغرب والشرق- من دراسات وأبحاث حول الحدث نفسه، ففي الوقت الذي تُشيطن فيه السلطة لحظة يناير، يرى المفكرون والباحثون الدوليون في الحدث "زلزالاً بنيوياً" كشف عن تآكل شرعية النظم السلطوية وعجز السياسات النيو ليبرالية عن تحقيق نمو شامل.
تأتي هذه الورقة البحثية لتفكك هذا التناقض الجدلي؛ إذ لا تهدف فقط إلى رصد هذه الروايات المتباينة، بل تطمح إلى الإجابة عن سؤال مفصلي: هل كانت ثورة يناير فعلاً "سبباً للخراب" كما يدعي الخطاب الرسمي؟ أم أن هذا الخطاب ليس إلا "غطاءً أيديولوجياً" لمصالح طبقية جديدة نشأت تحت مسمى "الثورة المضادة"، لتعيد إنتاج نفس السياسات التي ثار عليها المصريون؟
من خلال منهجية التحليل النقدي للخطاب، تتقصى هذه الورقة في الجزء الاول "سردية الخراب" وأيديولوجيتها، ثم تنتقل في مباحثها التالية لاستنطاق مرايا التحليل الأكاديمي الدولي، وصولاً إلى تشريح المصالح الطبقية التي تقف خلف عملية "الإنكار" المنظم لجماهيرية الثورة. وأخيراً، تطرح الورقة رؤية استشرافية حول سبل الخروج من هذا المأزق التاريخي، مؤكدة أن الاستقرار لا يُبنى على أنقاض الذاكرة الشعبية، بل على إدراك حقيقي لجذور الأزمة التي لا تزال تراوح مكانها.
تفكيك "سردية الخراب" قراءة في الخطاب الرسمي والأيديولوجيا
لم يكن تحميل ثورة يناير مسؤولية "خراب البلد" زلة لسان عابرة في الخطاب السياسي المصري المعاصر، بل هو "العقيدة السياسية" التي تستند إليها السلطة الحالية لشرعنة وجودها.
إن هذا الخطاب يعتمد استراتيجية "الإسقاط"؛ حيث يتم إلقاء تبعات فشل الإدارة الاقتصادية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتوحش الديون، على عاتق لحظة تاريخية كانت في جوهرها انتفاضة ضد الفساد والاستبداد.
"
فزاعة يناير" كأداة للشرعية.
دأبت السلطة على استحضار يناير في كل محفل، ليس كذكرى وطنية، بل "كخطيئة أصلية" يترتب عليها كل ما يعانيه الشعب اليوم من ضنك العيش. يتم الترويج بوضوح لثنائية مزيفة: إما "الأمن والاستقرار القمعي" الذي توفره السلطة الحالية، أو "الفوضى والانهيار" الذي بزعمهم خلفته ثورة يناير.
إن هذا الخطاب يتجاهل عمداً حقيقة أن الثورة كانت صرخة ضد السياسات التي أدت إلى فقر الملايين، ليحولها إلى "جريمة" أوقفت عجلة الإنتاج. والهدف هنا ليس تقييم الماضي، بل هو ابتزاز الشعب عاطفياً لتبرير التنازل عن الحقوق السياسية والاقتصادية مقابل وعود بالاستقرار الذي تحول في الواقع إلى استنزاف لموارد الدولة.
الأيديولوجيا خلف الخطاب ثورة يناير كعدو وجودي
لماذا هذا الإصرار على شيطنة يناير؟ الإجابة تكمن في طبيعة السلطة ذاتها، إن الاعتراف بجماهيرية يناير يعني الاعتراف بشرعية مطالب "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، وهو ما يتناقض جذرياً مع التوجهات الاقتصادية للنخبة الحاكمة الجديدة التي تتبنى خصخصة الخدمات العامة وتشديد القبضة الأمنية، إن الأيديولوجيا التي تحرك هذا الخطاب هي "أيديولوجيا الخوف", فهي تحاول اقناع المواطن بأن التغيير السياسي هو "انتحار اقتصادي".
ومن خلال وصم الثورة "بالخراب"، يتم تحصين السلطة ضد أي محاسبة؛ فكل إخفاق يُنسب للثورة، وكل خطأ يُبرر "بتركة الانهيار", هكذا، تصبح شيطنة يناير هي الحائط العازل الذي يحمي النخبة الحاكمة من استحقاقات الثورة التي جاءت لتطيح بامتيازات كانت ولا تزال- تسيطر على مفاصل الدولة.
يناير في الرؤية الدولية "بين وهم "الفوضى" وحقيقة "الإفقار"
بينما يصر الخطاب الرسمي في القاهرة على وسم ثورة يناير "بالفوضى"، تأتي الكتابات الأكاديمية الدولية لتعرّي هذه الادعاءات وتثبت أنها محاولة لحجب جذور الأزمة الاقتصادية الحقيقية التي سبقت 2011 واستمرت بعدها.
"
رأسمالية المحاسيب" والجذور الهيكلية للأزمة
إن الادعاء بأن يناير هي سبب الخراب هو قفز فوق حقائق التاريخ الاقتصادي، يؤكد الباحثون أن الانهيار كان نتيجة حتمية لنموذج "رأسمالية المحاسيب" الذي تم تكريسه في العقد الأخير من حكم مبارك، حيث نهبت النخبة المقربة من السلطة موارد الدولة.
يوضح المفكر جويل بينين أن الحراك العمالي والنقابي الذي سبق 2011 كان هو المحرك الحقيقي للثورة، مبيناً أن المطالب كانت تتركز ضد التهميش الاجتماعي وسياسات الخصخصة التي أفقرت العمال لصالح حفنة من رجال الأعمال.
جويل بينين، العمال والفلاحون والاحتجاجات في مصر، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2012.
"Joel Beinin, The Struggle for Worker Rights in Egypt, Carnegie Endowment for International Peace, 2010". 

الثورة كحراك اجتماعي ناضج لا "عملية تخريب".
في مقابل سردية السلطة عن "تخريب الدولة"، يجادل باحثون بأن يناير كانت لحظة وعي طبقي واجتماعي. تشير آن ألكسندر في دراستها إلى أن شعارات "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" لم تكن مطالب عابرة، بل كانت تعبيراً عن رفض شعبي جارف لسياسات الإفقار الممنهج.
"
آن ألكسندر، ثورة مصر: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، دار كتب خان، القاهرة، 2014"
"Anne Alexander, Bread, Freedom, Social Justice: Workers and the Egyptian Revolution, Zed Books, 2014"

وعلى صعيد موازٍ، وفيما يخص تأثير هذه السياسات على وعي الأجيال، تقدم ليندا هيريرا رؤية نقدية تربط بين السلطة، المجتمع، والتعليم، موضحة كيف أدت السياسات السلطوية إلى تآكل الوعي النقدي، وهو ما كانت تحاول ثورة يناير استعادته عبر كسر حاجز الخوف.
"
ليندا هيريرا، التعليم 2.0: وقائع التحول التكنولوجي والثقافي في مصر، دار الشروق، القاهرة، 2025".
"Linda Herrera, Education 2.0: Chronicles of Technological and Cultural Change in Egypt, AUC Press, 2025"

منظور الاستقرار والمخاطر "روسيا والصين"
لا يتفق الأكاديميون في الشرق "روسيا والصين" مع سردية "الخراب" بالمعنى الذي تطرحه السلطة، لكنهم يحللون يناير كنموذج "لأزمة الحكم", ترى مراكز الدراسات الروسية أن يناير كانت "رد فعل عضوي" على شيخوخة النظم السلطوية العربية، بينما يركز الأكاديميون الصينيون على مفهوم "مخاطر التحول السياسي"، محذرين من أن غياب المؤسسات الحقيقية هو ما يسبب الانهيار، وليس قيام الثورة بحد ذاتها.
"
مجموعة من المؤلفين، التحولات السياسية في الشرق الأوسط: رؤية من موسكو، معهد الاستشراق، موسكو، 2015".
"Center for Strategic Studies, The Political Transitions in the Middle East: A View from Moscow, Institute of Oriental Studies, 2015".

الثورة كاسترداد للمجال العام "رؤية فيليب ساديكي وآصف بيات"
لا يمكن فهم يناير "كخراب" إلا إذا تجاهلنا طبيعة "الاستبداد البنيوي" الذي سبقها، يرى آصف بيات في تحليلاته أن ثورة يناير لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل كانت "ثورة بلا قادة" استعادت المجال العام من قبضة الدولة الأمنية، وأن انهيار الدولة الذي يتباكى عليه النظام الآن هو في الحقيقة انهيار لهيبة "جهاز قمعي" كان يختنق فيه المجتمع، إنها لحظة تحرر وليست لحظة انهيار.
"
آصف بيات، ثورة بلا ثوريين: فهم الربيع العربي، دار الشروق، القاهرة، 2017"
"Asef Bayat, Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring, Stanford University Press, 2017"

على ذات الخط، يحلل فيليب ساديكي كيف أن ثورة يناير أثبتت فشل "الاستبداد التنموي" في مصر، مؤكداً أن التنمية التي لا تقوم على قاعدة المشاركة السياسية هي تنمية هشة ومؤقتة، ويرى أن يناير كانت رد فعل طبيعياً ضد تحول الدولة إلى "شركة خاصة" للنخبة الحاكمة، نافياً تماماً ادعاء أن الثورة هي التي أضرت بالاقتصاد، بل يراها محاولة لإنقاذ ما تبقى من مقدرات الدولة من النهب المنظم.
"
فيليب ساديكي، مصر: ثورة ضد الاستبداد التنموي، منشورات جامعة لندن، لندن، 2013"
"Philippe Sadiki, Egypt: The Revolution against Developmental Authoritarianism, University of London Press, 2013"

اقتصاديات "النيو ليبرالية السلطوية" "رؤية آدم هنية"
في إطار نقدي رصين، يفكك آدم هنية السردية التي تلوم يناير على العجز الاقتصادي، يثبت هنية أن السياسات التي تبنتها مصر منذ التسعينيات -تحت إشراف المؤسسات الدولية- هي المسؤولة عن تركز الثروة وتآكل الطبقة الوسطى، وأن ثورة يناير كانت صرخة ضد هذا المسار النيو ليبرالي المتوحش.
ويجادل هنية بأن السلطة الحالية تستخدم "تخريب يناير" كشمّاعة للتغطية على استمرارها في نفس المسارات الاقتصادية الكارثية التي ثار عليها الناس في 2011، مما يجعل "الثورة المضادة" هي السبب المباشر في تفاقم الأزمة الراهنة.
"
آدم هنية، مأزق النيو ليبرالية في الشرق الأوسط، دار المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015".
"Adam Hanieh, Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East, Haymarket Books, 2013".

وقفة تأملية: يناير "كلحظة ميلاد" في الضمير المصري..
بعيداً عن الأروقة الأكاديمية الدولية، تظل ثورة يناير في الوجدان المصري أعمق بكثير من مجرد "حدث سياسي". إنها اللحظة التي استرد فيها المصريون "ملكيتهم للتاريخ". لقد كانت يناير، بكل تجلياتها، الثورة الجماهيرية الوحيدة في العصر الحديث التي لم تُصنع في الغرف المغلقة، ولم تكن انقلاباً عسكرياً بزي مدني، بل كانت انفجاراً تلقائياً لوعي شعبي ضاق ذرعاً بالاستبداد.
فإن المفكرين الغربيين الذين استعرضنا أطروحاتهم -رغم دقتها العلمية- قد يرون يناير "متغيراً" في معادلة سياسية، لكن بالنسبة للمصريين، كانت يناير "فعل كرامة".
وكما يرى المفكر المصري الراحل جلال أمين في تحليلاته، فإن ما حدث في يناير كان تراكمياً لسنوات من التهميش، وقد مثلت الثورة محاولة لاستعادة "عقد اجتماعي" جديد يقوم على العدالة، وليس على "التنمية القسرية" التي تتغنى بها السلطة اليوم.
"
جلال أمين، مصر والمصريون في عهد مبارك، دار الشروق، القاهرة، 2009."
إن محاولات السلطة اليوم لشيطنة هذا الحدث هي في الحقيقة محاولة لقتل "الأمل" في نفوس المصريين، وإشعارهم بالندم على لحظة شجاعتهم.
ولكن، كما يؤكد الكاتب والمفكر علاء الأسواني، فإن ثورة يناير لم تكن خياراً، بل كانت "ضرورة وجودية" لمواجهة نظام كان قد أطبق قبضته على أنفاس المجتمع حتى كاد يخنقه، إن إنكار هذه الحقيقة لا يغير من واقع أن يناير قد غيرت للأبد تعريف "المواطن" في مصر، من "رعية" تابعة للسلطة إلى "شريك" يطالب بحقه في الوطن.
"
علاء الأسواني، لكيلا نصمت، دار الشروق، القاهرة، 2012"
إن ثورة يناير لم تخرب مصر؛ بل إن "الخراب" بدأ حينما قررت النخبة الحاكمة – القديمة والجديدة – أن تعزل الشعب عن قراره، وأن تحول الدولة إلى "عزبة خاصة".
إننا اليوم، ومن موقعنا كباحثين، نرى أن كل محاولات الطعن في يناير ما هي إلا "ارتداد أخلاقي" عن مبادئ الثورة، ومحاولة بائسة لمحو الذكرى من الذاكرة الجمعية للمصريين. إن يناير ستظل حية، ليس لأنها مثالية، بل لأنها كانت الصوت الحقيقي والأخير للشعب المصري في وجه الطغيان.
سيكولوجيا الإنكار.. التناقض كأداة للمصالح الطبقية
في علم السياسة، يُعد "التحول الحاد في الخطاب" مؤشراً على تغير في المصالح وليس تغيراً في الحقائق، إن المتابع لأقوال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي يجد فجوة سحيقة بين "رومانسية البدايات" وبين "شيطنة النهايات" فيما يخص ثورة يناير.
من "التمجيد" إلى "الخطيئة" – رحلة التناقض
في بدايات توليه المسؤولية، وتحديداً في خطاباته الأولى "مثل خطابه في الذكرى الرابعة للثورة عام 2015"، كان الخطاب الرسمي يتبنى لغة التمجيد، واصفاً يناير "بالثورة المجيدة" التي خرج فيها الشعب ليعبر عن إرادته، ومؤكداً على أنها "نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث"، كان الرئيس حينها يحرص على تأكيد أن الدولة هي "امتداد لإرادة الشعب التي فجرتها يناير".
ولكن، مع مرور الوقت، بدأ هذا الخطاب بالتآكل تدريجياً، ليتحول من "التأييد" إلى "التحذير"، ثم استقر أخيراً عند مرحلة "الشيطنة" الكاملة، حيث أصبحت يناير تُقدم في الخطاب الرسمي "كتاريخ أسود" و"سبب لضياع الدولة". هذا التناقض الصارخ لا يفسره إلا حاجة السلطة "لكبش فداء" تُعلق عليه خيبات الأمل الاقتصادية وفشل الوعود التنموية.
لماذا الإنكار؟ – المصالح الطبقية والثورة المضادة
إن هذا الإنكار المنظم ليس مجرد سقطة خطابية، بل هو ضرورة طبقية، فالسلطة الحالية، بما تضمه من تحالفات بين البيروقراطية الأمنية ورأس المال المحظوظ، أدركت أن استمرار الحديث عن يناير بإنصاف يعني بالضرورة فتح الباب أمام مطالب العدالة الاجتماعية التي تهدد الامتيازات الراهنة.
إنهم يخشون أن تؤدي استعادة روح يناير إلى إعادة تفعيل "الوعي الطبقي" لدى العمال والمهمشين، لذا، فإن "الثورة المضادة" هنا ليست مجرد إجراءات أمنية، بل هي عملية إعادة هندسة للعقل الجمعي المصري؛ تهدف إلى إقناع المواطن بأن "حريته" هي سبب "جوعه"، وأن "صوته" هو سبب "خراب اقتصاده".
إن هذا الإنكار هو "حائط صد" أيديولوجي؛ فكلما تصاعدت الأزمة الاقتصادية، ارتفعت حدة الهجوم على 2011. إنها استراتيجية إلهاء وتبرير: "نحن لا نفشل، بل نحن نحاول إصلاح ما أفسدته يناير".
وهكذا، تحولت الثورة في نظر السلطة من "فخر وطني" إلى "ترياق للشر" يُستخدم لتبرير الاستبداد وخصخصة الموارد، ضامنةً بذلك ولاء القوى المستفيدة من استمرار الوضع القائم.
الكتلة التاريخية الحاكمة ومصالحها الطبقية
إن شيطنة يناير ليست مجرد تعبير عن خوف أمني، بل هي تعبير عن دفاع عن امتيازات طبقية محددة، فالنظام الحالي في مصر يمثل تحالفاً عضوياً بين ثلاث قوى رئيسية، تشكل في مجموعها "الطبقة الحاكمة الجديدة" التي ترفض أي استحقاق ثوري:
1
البيروقراطية الأمنية والعسكرية
تتمتع هذه القوة بنفوذ واسع في إدارة "اقتصاد الدولة"، وتعتبر أن أي حراك ديمقراطي أو ثوري يهدد استقلاليتها ومصالحها الاقتصادية المباشرة، بالنسبة لهذه الطبقة، يناير لم تكن ثورة، بل كانت "تعدياً على قدسية المؤسسة"، لذا فإن محاربة ذكراها هي محاربة لأي صوت يطالب بالرقابة على ميزانيات الدولة أو سياساتها.
2
رأس المال المحظوظ "رأسمالية المحاسيب الجديدة"
وهي النخبة التي نمت وتضخمت ثرواتها في ظل "اقتصاد المشاريع الكبرى", هذه الطبقة ترى في يناير تهديداً لمصالحها؛ لأن الثورة نادت بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، وهي أمور تتناقض مع "التراكم الرأسمالي السريع" الذي تعتمده هذه النخبة.
إنهم بحاجة إلى "سلطة قوية" تحميهم من غضبة الجماهير، ومن ثم فإنهم هم الممولون والمروجون لسردية أن "يناير هي الخراب"، لأنهم يعلمون أن يناير الحقيقية ستنهي زمن "الامتيازات المطلقة".
3
التكنوقراط والبيروقراطية المدنية المرتبطة بالتمويل الدولي
هذا الجزء من الطبقة الحاكمة يتبنى "الليبرالية الجديدة" كعقيدة إدارية / سياسية واقتصادية، بالنسبة لهم، يناير كانت "خطأً إدارياً/ سياسيا " عطل مسار "الإصلاح الهيكلي" الذي تطلبه المؤسسات الدولية، إنهم يدافعون عن مصلحتهم في فرض الخصخصة ورفع الدعم، ويستخدمون خطاب "يناير هي السبب في العجز" لتمرير القرارات المؤلمة التي تخدم مصالح المانحين والدائنين الدوليين على حساب الفقراء.
إن هذه الطبقة الحاكمة هي التي تستفيد من "الإنكار", فإذا اعترفوا بأن يناير كانت ثورة حقيقية ضد الإفقار، فسيضطرون للاعتراف بأن سياساتهم الحالية هي امتداد للسياسات التي أدت للثورة.
لذا، فإن شيطنة يناير هي "حائط حماية" لثرواتهم، وسلطتهم، ونفوذهم. إن الخطاب الرسمي ليس مجرد تعبير عن رأي، بل هو مرآة مصالح هذه الكتلة التاريخية التي ترى في الشعب "عبئاً" وفي الديمقراطية "مضيعة للوقت"، وفي ثورة يناير "خطراً" يهدد بقاءها الطبقي.
نحو استرداد التاريخ .. الخروج من مأزق "الثورة المضادة"
إن قراءتنا النقدية لـ "سردية الخراب" التي تروج لها السلطة في مصر، ووضعها في مقابل الرؤى الأكاديمية الدولية وتاريخنا الوطني، تقودنا إلى استنتاج لا مفر منه: إن ثورة يناير لم تكن "خطيئة"، بل كانت "لحظة ميلاد" لوعي شعبي رفض الخنوع.
أما "الخراب" الذي يتحدثون عنه، فهو ليس نتيجة التغيير، بل هو نتيجة طبيعية لاستمرار نفس السياسات الطبقية التي أدت إلى الانفجار قبل خمسة عشر عاماً.
لذلك، فإن الطريق للخروج من هذا المأزق يتطلب منا فك الارتباط الأيديولوجي: يجب البدء بفك الارتباط بين "مصير الدولة" وبين "مصالح الطبقة الحاكمة". إن الخلط بينهما هو ما يجعل السلطة تتوهم أن بقاءها هو بقاء للوطن، وأن سقوط امتيازاتها هو سقوط لمصر.
استعادة "الوعي النقدي": إن مواجهة هذه السردية لا تكون إلا عبر بناء قاعدة عريضة من الوعي النقدي، الذي يُعلّم الأجيال الجديدة أن التغيير ليس "فوضى"، وأن الفشل الاقتصادي ليس قدراً محتوماً، بل هو خيارات سياسية منحازة للنخبة على حساب عموم المصريين.
إعادة تعريف "الاستقرار": يجب أن نرفع الصوت بأن الاستقرار الحقيقي ليس ذلك الذي يُفرض بقوة الأمن أو بشيطنة الذاكرة، بل هو الاستقرار الذي يُبنى على العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية، لا يمكن لدولة أن تنهض وهي تحارب تاريخها الأقرب، وتخون اللحظة التي نادى فيها شعبها بالكرامة.
برنامج عمل، لا ذكرى: إن الوفاء ليناير ليس بالبكاء على الأطلال، بل بتحويل مطالب " العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" إلى برنامج عمل نضالي يربط بين نضالات العمال، ومطالب المثقفين، وطموحات الشباب في مستقبل لا يُصادر فيه صوتهم.