خبايا مذبحة التجمع.. شبكة علاقات ب”رئاسة” الجمهورية وتساؤلات عن “حظر النشر”

- ‎فيتقارير

من جديد، قضية جديدة، المتهم فيها لا هو ضابط أو قاضٍ أو "نائب" ببرلمان السيسي، ولكن يُفرض فيها حظر النشر، ولذلك تعد جريمة التجمع الخامس، التي أطلق عليها الرأي العام المصري والعربي "مذبحة التجمع"، واحدة من أكثر الجرائم دموية وتعقيداً في تاريخ الجرائم الجنائية الحديثة بمصر.

حيث لم تقتصر بشاعة الواقعة على إبادة أسرة كاملة مكونة من الأب أسامة نصيف، والأم أمل سعد رياض، التي كانت حاملاً في شهرها الأخير، وابنتيهما هيلين وليليان، بل امتدت لتشمل سيلاً عارماً من التضارب في الروايات الرسمية وغير الرسمية، وما تحمله القضية من أبعاد شائكة تتعلق بطبيعة المتهم، وصلاته بمؤسسة "رئاسة الجمهورية" السيادية، وأسرار الأعمال التي كانت تدور في فلك التوريدات الحكومية، وصولاً إلى فرض قرار حظر النشر وسط تساؤلات ملحة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الغموض المريب.

علاقة القاتل برئاسة الجمهورية

فجّرت الشهادات والتحليلات المتداولة، وعلى رأسها ما نُشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنها ما أوردته نورا الحكيم (@hkem_el) في تغريدتها:

https://x.com/hkem_el/status/2087163837875106013

من تفاصيل لقاء شقيق الضحية مع الإعلامية الانقلابية الشمطاء، لميس الحديدي، فضلاً عن الطرح التحليلي للإعلامية آيات عرابي (@ayaa00) عبر حسابها، مفاهيم خطيرة حول طبيعة المدعو وليد جاد المولى، القاتل المزعوم في القضية.

وفقاً لتلك الشهادات، لم يكن المتهم مجرد شخص عابر التقى بالضحية صدفة، بل عُرف عنه تقديم نفسه على أنه شخصية نافذة تتمتع بغطاء أمني ووظيفي رفيع المستوى. وتشير المعطيات إلى أن الضحية أسامة نصيف، بصفته صاحب مطبعة وشركات أخرى في مجال الطباعة، مثل شركة سبيد برنت / Speed Print، كان قد تلقى تواصلاً أو طلباً للتعاون في مجال الطباعة والتوريدات لصالح رئاسة الجمهورية في شهر أبريل السابق للحادث.

ومن خلال تردد أسامة على مكاتب التوريدات والمؤسسات المرتبطة برئاسة الجمهورية، تقاطع طريقه مع المتهم، الذي استغل هذه البيئة ليقترب من الضحية، متخذاً من تلك الأجواء مظلة توحي بنفوذه وقوته.

هذا القرب المزعوم أو الاحتكاك بمحيط رئاسة الجمهورية وبدائرة "اللواءات والعقداء والعمداء" خلق لدى المتهم شعوراً بالطغيان والقدرة المطلقة، وهو ما يُعبّر عنه شعبياً بـ"مقوية قلبه"، وجعله يعتقد أن غطاءه الوظيفي -أو الوهمي المرتبط بالجهات السيادية- سيكفله الحماية أو يسهل له الإفلات من العقاب، لتتطور العلاقة التي لم تتجاوز خمسة إلى ستة أشهر إلى فخ دبره المتهم بعناية، مستغلاً براءة الضحية واجتماعيته المفرطة.

رخصة السلاح

ويثير تاريخ المتهم وطبيعة تسليحه علامات استفهام كبرى حول كيفية حصوله على الأسلحة النارية المستخدمة في الجريمة، والتي تضمنت -وفق الروايات الأمنية والشهادات المنقولة عبر ضابط الأمن الوطني السابق هشام صبري (@heshamsabry01)-

https://x.com/heshamsabry01/status/2087214328009146807

مسدساً أسود اللون مزوداً بكاتم صوت ومخازن ذخيرة.

وبينما سارعت وزارة الداخلية، والبيانات الرسمية التي نقلها الأمنجي بمجال الإعلام أحمد موسى (@ahmeda_mousa)، إلى نفي صفة "ضابط الشرطة" عن المتهم، مؤكدة أنه موظف بالمعاش ومقيم بدائرة قسم شرطة الدقي، وأنه لم يسبق له الالتحاق بهيئة الشرطة، وأن الصورة المنتشرة مفبركة، يبرز السؤال الجوهري: كيف لشخص مدني، أو موظف بالمعاش، أن يمتلك ترخيصاً لمثل هذا السلاح المتقدم، مزود بكاتم صوت، وما هي طبيعة الأعمال والأنشطة الفعلية التي كان يوردها لـ"رئاسة" الجمهورية أو يشرف عليها المدعو وليد جاد؟!

تشير التحليلات المعمقة إلى أن العلاقة بين أسامة نصيف ووليد جاد قد تتجاوز مجرد الصداقة أو الطمع المالي البحت. فطبيعة عمل أسامة في مجال الطباعة الحساسة وتعامله مع عقود ومستندات تخص جهات كبرى تابعة للدولة، تطرح تساؤلات عما إذا كانت هناك أصول أو أوراق خطيرة، أو حتى أموال ومستندات تم تسليمها لطباعتها في مطبعة أسامة، وطلب ألا تخرج من دائرته، إلا أن نقل بعض تلك الأصول أو الوثائق إلى منزل أسامة وتخزينها في خزنته الخاصة، التي تفتح ببصمة الوجه، قد يكون هو المحرك الحقيقي وراء الجريمة المروعة وتصفية الأسرة بأكملها، وليس مجرد سرقة سبائك ذهبية أو مبالغ مالية عادية كما تزعم الرواية الرسمية. هذا الترابط بين أعمال وليد جاد في التوريدات وصلته بمحيط رئاسة الجمهورية يفسر لماذا كانت جريمة التصفية شاملة ودقيقة التخطيط.

لغز حظر النشر.. لماذا ولمن، طالما ليس ضابط شرطة ولا عميد؟

من أكثر المحطات إثارة للريبة والجدل في هذه القضية هو الصدور السريع لقرارات قضائية بفرض حظر النشر، وهو ما أكدته الشرق للأخبار – مصر (@AsharqNewsEGY)، نقلاً عن نقابة الإعلاميين والتزامها بقرار محكمة جنايات القاهرة بناءً على خطاب من مكتب النائب العام.

هنا يبرز التساؤل المشروع والملح في الشارع المصري وعبر منصات الرأي العام: طالما أن وزارة الداخلية قد حسمت الجدل رسمياً وأكدت ببيانات قاطعة أن المتهم ليس ضابط شرطة، ولا عميداً، ولا حتى من الأساس ملتحقاً بهيئة الشرطة، فلماذا تم فرض حظر نشر صارم يمنع تداول أي معلومات أو صور أو تسجيلات أو تعليقات تتعلق بجلسات القضية أو أدلتها وأقوال المتهمين والشهود؟

وعادة ما تُفرض قرارات حظر النشر في القضايا التي تمس الأمن القومي، أو التي تشابكت فيها خيوط تخص شخصيات ومؤسسات رسمية وحساسة، خشية تسرب حقائق تكشف تقصير أجهزة أو تورط أطراف ذات حصانة أو نفوذ.

ويرى مراقبون أن الالتزام الحرفي بنصوص حظر النشر من قبل وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، في قضية وُصفت بأنها "جنائية بحتة وعادية" تتعلق بخلاف على أموال وسبائك ذهبية، يتعارض منطقياً مع الموقف الرسمي للداخلية؛ فلو كان المتهم مجرد مواطن عادي بالمعاش ارتكب جريمة سرقة، لما استدعى الأمر هذا الدرع القانوني والإعلامي المشدد لمنع تداول تفاصيل الأدلة وأقوال الشهود، مما يرجح وجود تفاصيل حساسة تتعلق بطبيعة عمل المتهم السابقة أو علاقاته بجهات سيادية واسعة النطاق، يراد حجبها عن العيون.

تناقضات صارخة في الرواية الرسمية

وتتكامل هذه التساؤلات مع حالة التخبط الواضحة في السرديات الرسمية والإعلامية التي راقبت تفاصيل الجريمة، وهو ما رصدته بدقة تعليقات الشارع التي عبر عنها عبدالمنعم على هاشتاج #تربينامعكم، وما طرحته قناة النهار (@AlNahar_TV):

https://x.com/AlNahar_TV/status/2086907010751074658

منتقدين ازدواجية التعاطي الإعلامي والمجتمعي مع القضايا، ومقارنة التضخيم الهائل لقضايا ثانوية مقابل التعتيم أو التسطيح المريب لجريمة إبادة أسرة كاملة.

من أبرز تلك الثغرات التي تنسف رواية "السرقة البحتة" التي تبنتها التحقيقات الرسمية: عدم سرقة السيارات والثمينات، والسيناريو غير المعقول لتصرفات شقيق الضحية، والتناقض في صفة المتهم.

وتساءل مراقبون عن كيف يكون الدافع الأساسي هو السرقة، ومع ذلك يترك المتهم سيارة أسامة نصيف التي تبلغ قيمتها عدة ملايين من الجنيهات، ولا يستولي على سيارة زوجته أو مصوغاتها الذهبية والسبائك المزعومة بالطريقة التي تفترضها جرائم اللصوص العاديين؟

وأضافوا أن الرواية التي أدلى بها شقيق الضحية خلال مداخلته مع لميس الحديدي، واحتوت على تفاصيل مثيرة للشكوك -مثل دخوله شارعين بالخطأ، ورؤيته لآثار الدماء ورصاصات السيارة دون أن يلمسها، ثم عدم إبلاغه الفوري للشرطة ولجوئه لجروب الماميز- تم تفسيرها من قبل المتابعين على أنها روايات قد تكون "ملقنة" أو معدة لتوجيه الرأي العام نحو مسار محدد يبعد الأنظار عن الدافع الحقيقي الكامن وراء التصفية.

وكشفوا عن أن التناقض المستمر بين ما يتداوله الشارع عن كون المتهم "عقيد شرطة متقاعد" أو "له صلة برئاسة الجمهورية"، وبين النفي القاطع لوزارة الداخلية، يجعل المتابع في حيرة من أمره، خصوصاً مع وجود شبكة علاقات معقدة للمتهم تشمل قرابات لشخصيات عامة وأصولاً عسكرية سابقة، مثل الإشارة إلى أن أباه لواء جيش سابق، وقرابته لشقيق الفنانة فاتن حمامة، كما أشار موسى (@Silence81965).

ومجموع هذه المعطيات يؤكد أن قضية التجمع الخامس ليست مجرد جريمة جنائية تقليدية ارتكبها شخص مر بضائقة مالية، بل هي عقدة معقدة تتداخل فيها خيوط النفوذ الوهمي أو الحقيقي المرتبط بمؤسسات كبرى، وتبرز فيها تساؤلات مشروعة حول حقيقة ترخيص السلاح، والصفة الحقيقية لوليد جاد، والأسباب الحقيقية وراء إحاطة الملف بسياج حديد من حظر النشر والتكتم الرسمي، لتظل التساؤلات قائمة حول ما تخفيه الأروقة المغلقة خلف الستار الرسمي لهذه القضية المفجعة.