عبد الناصر سعد عجاج.. أول شهداء مذبحة رابعة حكاية شاب ترك أثرًا لا يُنسى في حياة رفاقه

- ‎فيتقارير

لم يكن عبد الناصر سعد عجاج، في ذاكرة أصدقائه وزملائه، مجرد طالب جامعي عابر؛ بل ترك خلال سنوات دراسته أثرًا استمر معهم بعد تفرق الطرق، وظل اسمه حاضرًا في ذاكرتهم بوصفه شابًا جمع بين الدراسة والعمل الدعوي وخدمة زملائه، قبل أن تنتهي حياته خلال أحداث فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013، وفقًا لشهادة أحد رفاقه.

تعود تفاصيل الحكاية إلى سنوات الدراسة الجامعية، عندما كان عبد الناصر طالبًا في كلية التجارة الخارجية، ويقيم في المدينة الجامعية التي جمعت عددًا من الطلاب المنتمين إلى التيار الإسلامي، وكان من بين المقيمين فيها صاحب هذه الشهادة، الذي كان يدرس في أكاديمية السادات للعلوم الإدارية.

 

نشاط دعوي داخل المدينة الجامعية

بحسب الرواية، كان عبد الناصر من أبرز الطلاب المشاركين في النشاط الإسلامي داخل المدينة الجامعية، إلى جانب مجموعة من زملائه. وكان هؤلاء الطلاب يحرصون على تشجيع زملائهم على أداء الصلوات في جماعة، وخاصة صلاة الفجر، إلى جانب المشاركة في قيام الليل وصيام بعض النوافل وحضور مجالس العلم.

وكان من بين ممارساتهم، وفق الشهادة، الاتفاق مسبقًا مع بعض الطلاب على إيقاظهم لصلاة الفجر، ثم المرور على غرفهم قبل موعد الصلاة بوقت كافٍ. ويصف صاحب الشهادة تلك المواقف بأنها كانت تتم، في معظم الأحيان، بروح من المودة والأخوة، بعيدًا عن أسلوب الإكراه أو الإجبار.

 

موقف بقي في الذاكرة

ومن أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرة الراوي، واقعة إيقاظ عبد الناصر له ذات فجر، في وقت كان فيه يشعر بالإرهاق بسبب السهر في المذاكرة وبرودة الطقس.

ويقول إن عبد الناصر ظل إلى جوار رأسه يحاول إيقاظه للصلاة، مستخدمًا أسلوبًا هادئًا ومليئًا بالمودة، حتى استجاب وذهب لأداء الصلاة.

وبعد عودته إلى غرفته، يقول الراوي إنه شعر بحالة مختلفة من الهدوء والصفاء، وهو ما دفعه لاحقًا إلى التساؤل عن السبب الذي جعل عبد الناصر يصر على إيقاظه، رغم أن بإمكانه الاكتفاء بالنداء مرة أو مرتين.

ويخلص في شهادته إلى أن الدافع، من وجهة نظره، كان حرص عبد الناصر على مساعدة زملائه على الالتزام بما كان يراه طريقًا للخير والاستقامة.

 

نحن والناس كالطبيب والمريض

ومن المواقف التي يستعيدها الراوي أيضًا حوار دار بينه وبين عبد الناصر حول النشاط الذي كان يقوم به هو ورفاقه داخل المدينة الجامعية.

فقد سأله ذات مرة عن سبب استمرارهم في بذل هذا الجهد، رغم أن عددًا محدودًا من الطلاب كان يستجيب لدعواتهم، معتبرًا أن بإمكانهم الاكتفاء بإصلاح أنفسهم والانشغال بدراستهم.

وبحسب الشهادة، أجابه عبد الناصر قائلًا إن العلاقة بينهم وبين من يحاولون مساعدتهم تشبه علاقة الطبيب بالمريض، متسائلًا: من يرعى المريض إذا تخلى عنه الطبيب؟

وكان يرى أن الصبر على الناس ومساعدتهم جزء من الطريق الذي اختاره لنفسه، وأن هداية شخص واحد إلى ما يراه خيرًا أفضل من متاع الدنيا كله.

ويقول الراوي إن هذا الموقف ترك لديه انطباعًا قويًا، خصوصًا أن عبد الناصر كان في ذلك الوقت شابًا في التاسعة عشرة من عمره، لكنه كان يتعامل مع العمل الدعوي وخدمة الآخرين باعتبارهما مسئولية تتطلب الصبر والاستمرار.

 

الدراسة إلى جانب النشاط

لم يكن النشاط الديني، بحسب الرواية، على حساب الدراسة، إذ يشير صاحب الشهادة إلى أن عددًا من هؤلاء الطلاب كانوا من المتفوقين دراسيًا، وكانوا يحاولون التوفيق بين دراستهم الجامعية والنشاط الذي شاركوا فيه داخل المدينة.

وبمرور السنوات، تفرّق أصدقاء المدينة الجامعية، واتجه كل منهم إلى محافظته وحياته الخاصة، قبل أن تُعيد الأحداث السياسية التي شهدتها مصر بعد عام 2011 جمع عدد منهم في ساحات الاحتجاج والاعتصامات.

 

من المدينة الجامعية إلى رابعة

بعد أحداث عام 2013، شارك عدد من أنصار جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي في اعتصام ميدان رابعة العدوية بالقاهرة.

ويقول صاحب الشهادة إنه بعد فض الاعتصام وما صاحبه من سقوط قتلى، تذكر أصدقاءه القدامى في المدينة الجامعية، وكان عبد الناصر في مقدمتهم.

وفي ذلك الوقت، لم يكن يعرف على وجه الدقة أين كان عبد الناصر، لكنه يقول إنه توقع أن يكون ضمن المعتصمين في رابعة، وأن مصيره ربما انتهى إلى الاعتقال أو الملاحقة أو القتل.

وبحسب الرواية، علم لاحقًا أن عبد الناصر سعد عجاج كان من بين الذين قُتلوا خلال أحداث فض اعتصام رابعة، وأنه كان من أوائل الضحايا، وفق ما نقله إليه أصدقاء ومعارف في رسائل تلقاها بعد ذلك.

 

ذكرى لم تنتهِ

بعد مرور سنوات على تلك الأحداث، بقيت ذكرى عبد الناصر حاضرة في شهادة رفيقه، ليس فقط باعتباره شخصًا فقد حياته في أحداث سياسية دامية، وإنما بوصفه شابًا ترك أثرًا في حياة من عرفوه خلال سنوات الدراسة.

وتكشف الرواية جانبًا إنسانيًا من حياة أحد الشباب الذين عاشوا مرحلة شديدة الاضطراب في تاريخ مصر الحديث؛ بدءًا من سنوات الدراسة والنشاط الطلابي، مرورًا بالأحداث السياسية التي أعقبت عام 2011، وصولًا إلى أحداث رابعة عام 2013.

وبينما تبقى ملابسات مقتل عبد الناصر وتفاصيل أحداث رابعة جزءًا من سياق سياسي وقانوني واسع ومحل خلاف، فإن شهادة رفيقه تركز بصورة أساسية على الجانب الشخصي من حياته، وعلى الذكريات التي تركها لدى من عاشوا معه سنوات الدراسة.

وفي النهاية، تبقى قصة عبد الناصر سعد عجاج، كما يرويها أحد رفاقه، شهادة شخصية على جيل من الشباب عاش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وترك بعض أفراده خلفهم ذكريات لا تزال حاضرة لدى أصدقائهم ورفاقهم بعد سنوات من رحيلهم.