(Anthropic): “حرباً رقمية” يقودها مسؤولون إماراتيون لاستهداف السودان والإخوان

- ‎فيعربي ودولي

 كشفت شركة Anthropic، المطوّرة لنظام الذكاء الاصطناعي Claude، عن عملية تأثير معلوماتي رقمية واسعة النطاق قالت: "إن تحقيقها خلص، بدرجة ثقة عالية، إلى ارتباطها بمسؤولين في الحكومة الإماراتية، واستهدفت جماعة الإخوان المسلمين، والصراع في السودان، وآليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة".

 

 ووفق التقرير، لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لصياغة منشورات، بل استُخدم كجزء من بنية تشغيلية متكاملة لإدارة حملة تأثير شملت إنشاء مئات الحسابات غير الأصيلة، وانتحال هويات منظمات حقوقية، وإعداد إفادات موجهة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وبناء ملفات عن سياسيين وصحفيين، وإعداد ملفات مضادة للمساءلة ضد مقررين أمميين انتقدوا سلوك الإمارات في السودان.

 

 وأصدرت Anthropic تقريرها في سبتمبر 2026 تحت عنوان Detecting and Countering Misuse of AI، وخصصت جزءاً من التقرير لدراسة حالة تحمل الرمز GTG-84002، بعنوان: «تفكيك عملية تأثير موجّهة من الإمارات تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، والصراع في السودان، وآليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة».

 

https://www.anthropic.com/threat-intelligence-report-september-2026

واللافت أن العملية، وفق التقرير، لم تكتف بإنتاج المحتوى الدعائي، وإنما حاولت إنشاء منظومة كاملة حوله: حسابات وهمية لتضخيم الرسائل، منظمات بواجهات منتحلة، إفادات موجهة إلى الأمم المتحدة، ملفات عن سياسيين وصحفيين، وملفات مضادة لجهات أممية تنتقد الإمارات.

 

 ويضع الكشف استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب المعلوماتية أمام اختبار جديد، خصوصاً عندما يصبح النموذج جزءاً من عملية منظمة قادرة على إنتاج روايات ووثائق وملفات واستهدافات سياسية على نطاق واسع.

الذكاء الاصطناعي في قلب العملية

وبحسب Anthropic، تمكنت الشركة من تحديد وإزالة حساب استخدمه شخص واحد لإدارة عملية تأثير مستمرة، واستخدم القائم على العملية نموذج Claude لإدارة شخصية تعمل بالذكاء الاصطناعي حملت اسم «Deadshot»، واستضافها على منصته الخاصة.

 

 وكانت الشخصية مرتبطة بملف توجيهات مركزي تضمن تعليمات ثابتة لإعادة تنفيذ المهمة عبر مئات الجلسات، وتصف Anthropic الهدف العام للعملية بأنه كان عبارة عن حملة «منسقة عبر الأطلسي وعلى المستوى الإقليمي» تهدف إلى تفكيك جماعة الإخوان المسلمين عالمياً.

 

 وبحسب الشركة، جرى تنظيم العملية عبر خمسة مسارات مترابطة، بحيث تعمل صناعة الروايات السياسية بالتوازي مع إخفاء المصدر الحقيقي للمحتوى، واختيار الأهداف، وإعداد مواد مخصصة للاستخدام السياسي والدبلوماسي.

300 حساب مزيف

 

 أحد أبرز مكونات العملية كان إنشاء وإدارة شبكة تضم نحو 300 حساب مزيف لمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

 وكانت هذه الحسابات جزءاً من منظومة تهدف إلى تضخيم الرسائل التي تنتجها العملية وإظهارها كما لو أنها صادرة عن أصوات مستقلة ومتعددة.

 

 وتقول Anthropic "إن القائم على العملية موّل شبكة الحسابات المستخدمة في التضخيم، وإن تعليمات داخلية شددت على ضرورة الحفاظ على مظهر الاستقلالية والحياد لهذه الحسابات، باعتبار أن إخفاء مصدرها الحقيقي يمثل عنصراً أساسياً في نجاح العملية".

بواجهة منتحلة

كشف التحقيق أيضاً عن إنشاء منظمة غير حكومية واجهة، انتحلت هوية منظمة سويسرية حقيقية، واستخدمت لنشر تقارير في مجال حقوق الإنسان.

كما يشير التقرير إلى استخدام هوية منظمة سودانية حقيقية لحقوق الإنسان في محاولة لإضفاء مظهر مستقل ومحلي على مواد تخدم الرواية التي أرادت الحملة نشرها.

وهنا تتجاوز العملية مفهوم «التضليل الإلكتروني» التقليدي، إذ يتعلق الأمر بإنشاء مصادر تبدو مستقلة أمام الجمهور والمؤسسات الدولية، بينما يجري إنتاج المحتوى وتوجيهه ضمن حملة مركزية.

مجلس حقوق الإنسان

من أخطر جوانب العملية، بحسب Anthropic، إعداد إفادات رسمية كاملة بالنيابة عن شخصين بهدف تقديمها خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وصيغت الإفادات وفق تعليمات محددة، من بينها عدم تضمين أي من النصين إشارة إلى الإمارات.

وهذا يعني، وفق وصف الشركة، أن العملية لم تكن تستهدف الفضاء الإلكتروني والرأي العام فقط، بل سعت أيضاً إلى التأثير في إحدى المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والمساءلة، لكن Anthropic تؤكد أنها لا تستطيع تأكيد ما إذا كانت هذه الإفادات وصلت فعلياً إلى الجهات أو الأشخاص المستهدفين.

استهداف أعضاء بالبرلمان الأوروبي

 كما أجرى القائم على العملية، وفق التقرير، أبحاثاً معمقة وأعد ملفات تعريفية عن 18 عضواً في البرلمان الأوروبي، إلى جانب عدد من الصحفيين البارزين، وتضمنت الملفات معلومات تفصيلية عن الشخصيات المستهدفة، بما يسمح بتصميم حملات ورسائل مخصصة تجاه كل شخص.

 

 ويكشف ذلك عن انتقال العملية من محاولة التأثير في الجمهور بصورة عامة إلى استهداف سياسي وشخصي محدد.

وضد مقررين أمميين

 

 ومن بين أكثر عناصر العملية حساسية إعداد ما وصفته Anthropic بـ Counter-accountability dossiers، أي «ملفات مضادة للمساءلة»، واستهدفت هذه الملفات مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة كانوا قد انتقدوا سلوك الإمارات في السودان.

 

 وبذلك، لم تقتصر العملية، بحسب التقرير، على محاولة تشكيل الرواية المتعلقة بالحرب السودانية، وإنما شملت أيضاً استهداف الآليات والأشخاص الذين يقومون بدور رقابي أو حقوقي على المستوى الدولي.

دور الحكومة الإماراتية

 

 تقول الشركة: "إن منفذي العملية صمموها بطريقة تجعل تتبعها إلى الجهة التي تقف وراءها أمراً بالغ الصعوبة، لكن تحقيق Anthropic خلص، بدرجة ثقة عالية، إلى ارتباط العملية بمسؤولين في الحكومة الإماراتية".

 

 وتضيف الشركة أن ملف التوجيهات المركزي المستخدم لإدارة العملية سمّى مسؤولين إماراتيين كباراً باعتبارهم الجهات التي كان من المقرر أن تتلقى نتائج العمل، كما خلص التحقيق إلى أن القائم على العملية موّل شبكة الحسابات التي استخدمت لتضخيم المحتوى ونشره على نطاق أوسع.

السودان والحرب العسكرية والإعلامية

 

 تأتي هذه النتائج في ظل صراع سوداني تحوّل بصورة متزايدة إلى مواجهة على الرواية والمعلومات، إلى جانب الحرب على الأرض،  وبحسب Anthropic، كان الصراع السوداني أحد المحاور الأساسية للعملية، إلى جانب استهداف جماعة الإخوان المسلمين وآليات المساءلة الدولية.

 

 وتشير النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي مكّن القائمين على الحملة من إنتاج كميات كبيرة من المحتوى والوثائق والملفات المخصصة، وربط ذلك بشبكة من الحسابات التي تعمل على تضخيم الرسائل وإظهارها أمام الجمهور بصورة تبدو عضوية.

إخوان السودان

استهداف "الإخوان": الهدف المركزي للعملية

 

بحسب تحقيق شركة Anthropic، لم تكن جماعة الإخوان المسلمين هدفاً ثانوياً ضمن الحملة، بل كانت أحد الأهداف الرئيسية المعلنة للعملية، فقد تضمن ملف التوجيهات المركزي المستخدم لإدارة شخصية الذكاء الاصطناعي "Deadshot" توجيهاً بتكرار مهمة وُصفت بأنها "عملية منسقة عبر الأطلسي وعلى المستوى الإقليمي لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين عالمياً".

 

وتقول Anthropic "إن الحملة قسمت نشاطها إلى مسارات مترابطة، بحيث يجري في الوقت نفسه إنتاج الروايات السياسية، وإدارة شبكة الحسابات غير الأصيلة، وإجراء الأبحاث عن الشخصيات المستهدفة، وإعداد المواد التي يمكن استخدامها في المجال السياسي والدبلوماسي".

 

كما رصدت الشركة نشاطاً على منصات التواصل الاجتماعي استهدف تشكيل رواية تربط جماعة الإخوان المسلمين في السودان بعدم الاستقرار الإقليمي. وتورد في تقريرها مثالاً على حملة استخدمت وسم #SudanIslamists ونشرت محتوى بصرياً يربط الإسلاميين والإخوان المسلمين بالأزمة وعدم الاستقرار.

 

والأهم أن استهداف الإخوان لم يكن منفصلاً عن الملف السوداني؛ إذ تكشف بنية العملية، وفق التقرير، عن ربط متعمد بين ثلاثة مسارات سياسية وإعلامية: تشويه أو تفكيك نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، تشكيل الرواية المتعلقة بالحرب في السودان، والتأثير على آليات المساءلة الدولية التي تناولت الدور الإماراتي في النزاع.

كاميرون هدسون: إنها حرب الإمارات ضد السودان

 

 وتزامناً مع الكشف عن تقرير Anthropic، نشر الباحث والمحلل الأمريكي المتخصص في السودان والقرن الأفريقي كاميرون هدسون تعليقاً شديد اللهجة حول التطورات.

وقال هدسون: "إن التطورات الأخيرة تجعل من الصعب الاستمرار في تقديم الحرب السودانية باعتبارها مجرد صراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وذهب إلى وصفها بأنها «حرب الإمارات ضد السودان»".

 

 كما تحدث عن وجود، بحسب تقييمه، أدلة على تدفق إمدادات عسكرية إماراتية إلى قوات الدعم السريع، إلى جانب حملات تضليل رقمية تتضمن حسابات وهمية ومنظمات غير حكومية مزيفة وشهادات ملفقة.

 

 وخلص هدسون إلى أن ما يراه أمامه هو حملة متعددة الأوجه مدفوعة ومدارة من الإمارات، وانتقد ما اعتبره تغاضياً أمريكياً عن هذا الدور.

 https://x.com/\_hudsonc/status/2098387653225791584

يثبت تقرير Anthropic  وفق ما أعلنته الشركة:

 – عملية تأثير منظمة استخدمت الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

– شخصية ذكاء اصطناعي حملت اسم «Deadshot».

– ملف توجيهات مركزي أعاد تنفيذ المهام عبر مئات الجلسات.

– شبكة تضم نحو 300 حساب غير أصيل.

– إنشاء واجهات ومنظمات بهويات منتحلة.

– إعداد إفادات موجهة إلى مجلس حقوق الإنسان.

– إعداد ملفات عن 18 عضواً في البرلمان الأوروبي وعدد من الصحفيين.

– إعداد ملفات مضادة للمساءلة ضد مقررين أمميين.

– ربط العملية، بدرجة ثقة عالية، بمسؤولين في الحكومة الإماراتية.

– وجود أسماء مسؤولين إماراتيين كبار في ملف التوجيهات باعتبارهم من المستفيدين المقصودين من نتائج العملية.

 

تطور خطير

 

والذكاء الاصطناعي، وفق ما تصفه Anthropic، لم يستخدم هنا لتوفير الوقت في كتابة منشور أو تقرير فحسب، وإنما أصبح جزءاً من سلسلة متكاملة تشمل البحث، والتحليل، وبناء الملفات الشخصية، وصياغة الإفادات، وإنتاج الروايات، وتنسيق النشاط عبر شبكات من الحسابات غير الأصيلة.

 

 وهذا يفتح الباب أمام نوع جديد من عمليات التأثير التي تستطيع فيها جهة واحدة إنتاج محتوى متنوع وعلى نطاق واسع، ثم نشره عبر شخصيات ومنظمات وحسابات تبدو ظاهرياً مستقلة.