كتب – رانيا قناوي:

أصبحت كلمة "فالكون" كإعلان "الفنكوش" الذي ظهر في فيلم "واحدة بواحدة" للممثل عادل إمام، حينما ملأ الدنيا ضجيجًا بإعلانات لمنتج وهمي وغير معلوم، من أجل السيطرة على السوق، وابتزاز رجال الأعمال، بعملية نصب خفية، تسعى لتحصيل ملايين الجنيهات من خلال التدليس على الناس في مثال حي أشبه بلعبة الثلاث ورقات، التي يوهمك فيها اللاعب بشيء ويقوم فيها بعمل شيء مختلف عن طريق خفة اليد.

إلا أن "فنكوش" عبد الفتاح السيسي الذي سيطر به على كل شيء، بدءًا من شراء قنوات إعلامية ومرورًا بتأمين الجامعات والمصالح الحكومية، وانتهاءً بتحصيل فواتير الكهرباء والمياه، وإجراء استطلاعات الرأي وتحديث بيانات الأسر المصرية، والتعامل مع المواطن في سويداء القلب من خلال الاحتكاك به في عقر داره والاطلاع على شئون حياته ومعلوماته وتفاصيل معيشته بشكل ربما تعجز عنه الأجهزة الأمنية والمخابرات مع عظم إمكاناتها؛ أثار ريبة الكثير من المتابعين حول هوية هذه الشركة، وهدفها الحقيقي، واستثماراتها ومموليها والجهة التي تعمل لحسابها.

من هي "فالكون"؟

يوهم نظام عبد الفتاح السيسي الغلابة في مصر بأن شركة "فالكون" هي ذراع للمخابرات الحربية التي سيسيطر من خلالها الجيش على ثروات مصر، وبالتزامن مع هذا الوهم يشن الساذجون من المحللين والنشطاء المعارضين للسيسي، حملاتهم الإعلامية ضد ذراع الجيش الذي يسيطر به السيسي على الأخضر واليابس، ويسير في ركابهم خبراء ورجال نظام العسكر أنفسهم في الرد على هذه الاتهامات من خلال حيلة خبيثة يمررون من خلالها أن الشركة بالفعل ذراع مخابراتي للجيش، خاصة وأن مدير "فالكون" هو خالد شريف الوكيل السابق في المخابرات الحربية، ومن هنا يتجرع الغلابة السم، دون معرفة حقيقة هوية الشركة التي أصبحت مثل "الأخطبوط".

تأسست شركة "فالكون جروب" عام 2006، وتمكنت منذ التأسيس من تحقيق نسب نمو قياسية حتي أصبحت إحدى كبرى الشركات التي تقدم خدمات أمنية متكاملة، حيث أنها تقوم بتغطية 28 محافظة في مصر عبر 13 فرعًا في جميع أنحاء جمهورية مصر العربية.

وتقدم الشركة أنشطتها الرئيسية من خلال عدة كيانات قانونية منفصلة في مجالات: الأمن، نقل الأموال، الخدمات الفنية، والخدمات العامة وإدارة العقارات.

ولكن مع هذه المعلومات المذكورة واتساع رقعة الاستثمارات للشركة المريبة، ما زلنا نبحث عن الإجابة.. من هي فالكون؟ وما هي الجهة التي تتبعها هذه الشركة؟.

ومن خلال البحث والتحري، اكتشفنا أن شركة "فالكون" هي شركة تابعة للبنك التجاري الدولي، ولكن ما هي الخطورة في أن تتبع الشركة بنك مصري ضمن البنوك الخاصة المصرية الكبرى على مستوى العالم بقيمة استثمارات 6.3 مليار دولار (ما يعادل 115 مليار جنيه مصري)، وفقا لتصنيف مجلة "فوربس" الأمريكية التي تهتم بتصنيفات البنوك على مستوى العالم؟.

رابط البنك التجاري الدولي وقائمة الشركات التي يمتلكها 

من خلال السيرة الذاتية للبنك التجاري الدولي، اكتشفنا أن البنك الذي تأسس عام 1975 كمشروع مشترك بين البنك الأهلي المصري وبنك تشيس مانهاتن بنسبة 51% للأول و49% للثاني تحت اسم بنك تشيس الأهلي المصري، وقام بنك تشيس مانهاتن بتقليل حصته في رأس المال سنة 1987 وزادت حصة البنك الأهلي المصري إلى 99.9% وقام الثاني بتغيير الاسم إلى البنك التجاري الدولي.

إلا أن حصة البنك الأهلي المصري ظلت تنخفض عبر عدة عروض عامة لتصل إلى 18.7%، في عام 2006، و قام شركة "كونسورتيوم" للاتصالات الدولية بقيادة ريبلوود القابضة بالاستحواذ على حصة البنك الأهلي المصري، وفي يوليو 2009 قامت شركة "أكتيس" البريطانية بشراء حصة من أسهم البنك التجاري الدولي بلغت 9.1% لتصبح بذلك أكبر مساهم منفرد في رأسمال البنك.

وفي مارس 2014 قامت أكتيس ببيع جزء من حصتها في البنك بلغت 2.6% وقد تمت عملية البيع من خلال البورصة المصرية لمجموعة متعددة من مديري المحافظ وصناديق الاستثمار الدولية التي تتداخل مع أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وفى مايو من نفس العام قامت "أكتيس" ببيع حصتها المتبقية في رأس مال البنك والتي تبلغ 6.5% إلي شركة "فيرفاكس القابضة للخدمات المالية"، وفي أواخر عام 2015 قام البنك التجاري الدولي بالاستحواذ على أسهم سيتي بنك – مصر من خلال البورصة المصرية و ضم كل فروع إلى إدارته.

حتى أصبح الملاك الحقيقيون للبنك التجاري الدولي هم بنك نيويورك ميلون الأمريكي بنسبة 60.76 مليون سهم 6.69 % ، وجهاز ابو ظبى للاستثمار بنسبة 45.95 مليون سهم 5.06 % وفيرفاكس القابضة للخدمات المالية 61.35 مليون سهم 6.76 %.
ويضم البنك التجاري الدولي مجموعة من الشركات وهي: سي آي كابيتال. و فالكون للخدمات الأمنية. وإيجيبت فاكتورز، وشركة كوربليس.

الأخطبوط الجديد

ومع اعتراف وزير الكهرباء في نظام السيسي بالتعاقد مع شركة فالكون لتحصيل فواتير الكهرباء، ثم التعاقد معها أيضا لتحديث بيانات الأسر المصرية، وإجراء استطلاعات الرأي، والسيطرة على عدد من القنوات الفضائية، والامتداد لحماية مؤسسات الدولة وجامعاتها، يتبين الدور الحقيقي للشركة المصرية، والتي ستعتبر الوحيدة التي ستصل للبيوت المصرية، والاطلاع على بياناتهم، والدخول في تفاصيل حياتهم، من خلال هذا النفوذ الذي وصل للبيت والمدرسة والجامعة والوظيفة، وبذلك يكون "فالكون" هو الإخطبوط الجديد الذي يحاصر المصريين في كل مكان أينما كانوا.

لماذا فلكون؟

ولعل تمدد هذه الشركة بشكل سريع ونافذ للسيطرة على كل مفاصل الدولة المصرية يطرح هذه التساؤلات:

لماذا قامت "فالكون" بشراء شبكة قنوات "الحياة"، التي كانت مملوكة لرجل الأعمال ورئيس حزب الوفد السيد البدوي وفضائية "العاصمة" من عضو برلمان العسكر سعيد حساسين بعد تعثرهما ماليا؟

لماذا أعلنت وزارة الكهرباء تعاقدها مع شركة فالكون للقيام بأدوار لصالحها مقابل مليار جنيه سنويا، مقابل تحصيل فواتير الكهرباء من المواطنين؟

لماذا كانت فالكون هي الشركة الوحيدة التي قامت بتأمين حملة المرشح الانقلابي عبد الفتاح السيسي في انتخابات الرئاسة 2014، كما أنها قامت بتأمين حملة المرشح الرئاسي أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة 2012؟

لماذا يرأس مجلس إدارة الشركة اللواء خالد شريف، وهو وكيل سابق لجهاز المخابرات الحربية ورئيس قطاع الأمن الأسبق باتحاد الإذاعة والتلفزيون؟

لماذا تغطي فالكون محافظات مصر من خلال 14 فرعًا، ويزيد عدد موظفيها عن 22 ألفا بينهم لواءات شرطة وجيش سابقون، ومن أبرز مهامها تأمين الجامعات والشخصيات العامة والمكاتب الأممية والسفارات الأجنبية والمباريات الدولية؟.

لماذا تعتمد الشركة في حراساتها الأمنية على موظفين متعددي الجنسيات؟، وتقوم على أفراد هم أقرب للمرتزقة؟، "وبالتالي من السهل اختراقها إن لم تكن قائمة في الأساس على مصالح خارجية، الأمر الذي يتيح لأي طرف أجنبي الاطلاع على كافة تفاصيل النواحي الأمنية والاستراتيجية بمصر؟".

لماذا فرضت شركة "فالكون " نفسها على الساحة الأمنية خلال السنوات الأربعة الأخيرة، ورغم أنها تأسست عام 2006 فإن الأضواء لم تسلط عليها إلا بعد 2013 حتى إنها باتت الشركة الأكثر شهرة وحضورًا في مضمار الحراسات الأمنية وذلك بعدما احتلت 65% من حصة السوق الأمنية في مصر؟

لماذا حلت الشركة محل وزارة الداخلية في كثير من المواقف؟، حيث تؤمن 9 جامعات مصرية على رأسهم القاهرة وعين شمس، إضافة إلى العشرات من الشخصيات العامة من دبلوماسيين وكبار رجال الدولة، وبعض مكاتب الأمم المتحدة والسفارات الدولية في القاهرة؟

لماذا تنفرد فالكون وحدها دون غيرها بامتلاك رخصة استخدام "البندقية الخرطوش" من قبل أعضائها؟

مع توغل فالكون في شتى قطاعات الدولة من يقف وراء هذه الشركة ويقدم لها كل تلك التسهيلات والعقود والامتيازات التي لا تتوفر لأي شركة أخرى في مصر؟

ما هي علاقة "فالكون" المتخصصة في المجالات الأمنية بالإعلام، وما الدور المنوط بها القيام به من خلال هذه المنصات الفضائية التي تقوم بشرائها، خاصة أن من يديرها ضباط ورجال أمن وجيش سابقون؟

ما هي علاقة شركة فالكون بتحصيل الفواتير من المنازل وإجراء الاستطلاعات، وتحديث بيانات المواطنين؟

وما هو دور وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في الفترة القادمة، مع انحسار دورها في عملية الاعتقالات والتعذيب الممنهجة في سجون الانقلاب، وانسحابها من الشارع ليحل محلها شركة فالكون؟

معلومات تكشف الإجابة

ومع سهولة تداول المعلومات عن طريق شبكة الانترنت والصحف المحلية والدولية، التي تكشف سياسة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في بيع أراضي الدولة وقطاعها العام، وخصخصة بنوكها وشركاته، وعلى رأسها شركات الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي، وخصخصة المستشفيات والمدارس والجامعات، ورفع الدعم عن الغلابة، وخروج الدولة من كافة المجالات التي تربطها بالمواطن بدءا من رغيف الخبز وانتهاءً بقرص العلاج، والاعتماد على الديون الخارجية التي زادت في عهد السيسي لأكثر من 75 مليار دولار خارجيا، وأكثر من 2 تريليون جنيه داخليا.

نجد سهولة الإجابة على هذه الأسئلة المطروحة، من خلال هذه الحقيقة التي تكشف ماذا يفعل نظام الانقلاب حال عدم القدرة على سداد هذه الديون المتراكمة، في الوقت الذي باع فيه شركات ومصانع وثروات المصريين، غير أن أصحاب هذه الشركات الذين قاموا بشرائها سيبدأون في السيطرة عليها، على اعتبار أنهم الملاك الجدد، بعد أن باع لهم السيسي المياه والكهرباء والأرض.
 

Facebook Comments