كتب رانيا قناوي

لم يقف الفشل على عدم وجود الجدوى من العاصمة الإدارية الجديدة، في إهدار المال العام عليها وإغراق مصر بالديون من أجلها، ولكن تستمر الفضائح من خلال اكتشاف سرقة فكرة بناء العاصمة الإدارية، التي حولها نظام السيسي من بناء مدينة ضخمة لإسكان الفقراء وأصحاب الدخول المتوسطة، إلى مدينة للرفاه وأصحاب المال والسلطة، على حساب الجوعى والمحرومين.

هذا ما كشفه مقال نشر مصادفة في صحيفة "الأهرام" الحكومية، لتضيف فضيحة جديدة، إلي سجل نظام العسكر بقيادة عبدالفتاح السيسي.

وكشف مقال صحيفة "الأهرام"، أن العاصمة الجديدة حسب صاحب الفكرة الذي أنتجها منذ عشر سنوات، هي إسكان ضخم للمواطنين المصريين بجميع فئاتهم، وليس لأصحاب رأس المال المقربين من العسكر فقط.

وأوضح المقال أن فكرة المشروع ترجع إلى ما قبل 10سنوات حين أعدت الحكومة في عام 2007، مشروعًا يهدف إلى نقل مباني الهيئات والوزارات والمصالح الحكومية في منطقة مربع الوزارات وسط القاهرة إلى أطراف العاصمة، وتحديدًا شرق الطريق الدائري في الجهة المقابلة للقاهرة الجديدة.

وقال المقال إنه في عام 2009، شكلت حكومة أحمد نظيف لجنة لدراسة نقل المباني الحكومية من وسط القاهرة إلى أطرافها، حيث تم تخصيص 1500 فدان لنقل 13 وزارة كمرحلة أولى، بالإضافة إلى مقر جديد لمبنى رئاسة الوزراء وحي للسفارات ومنطقة إدارية للشركات والبنوك والمنظمات الدولية بجانب حديقة كبيرة على مساحة 220 فدانًا ومناطق سكنية وترفيهية.

وهو الأمر الذي يفسر السرعة التي أنتجت بها حكومة الانقلاب الفكرة، حينما استسخها وزير إسكان الانقلاب مصطفى مدبولي دون سابق حديث عنها، لاسيما أن السيسي وافق عليها دون عرضها على النقاش المجتمعي رغم تحذيرات خبراء الاقتصاد من جدواها.

وقال المقال المنشور إن المشروع لم يدخل مرحلة التنفيذ، مضيفا أنه عقب ثورة 25 يناير 2011، أعاد الدكتور أحمد يحيى، مدير مركز التنمية المستدامة ودراسات المستقبل بالجامعة البريطانية في مصر، طرح المشروع بآلية مختلفة، بحيث لا تقتصر على التخطيط العمراني للشوارع والميادين، وإنما يخطط فيها للوضع الصحي والتنموي.

ونشرت جريدة "الأهرام" مبادرة يحيى باعتبارها من "ثمار ثورة يناير.. مشروع متكامل لإنشاء عاصمة بديلة"، ودعا فيها إلى جمع كل الأطروحات التي طرحها خبراء وعلماء مصريون كمسودات، ومنهم الدكتور فاروق الباز، والدكتور ممدوح حمزة، لتخيل كيف ستكون مصر بعد 50سنة، والتخطيط لنقل مصر من الوادي لوضع تصور لاستخدام الصحاري في مصر، لإنقاذ مصر من الغرق في مشكلات العشوائيات والمياه وضيق الوادي وفرص العمل.

وفي عام 2015، وقعت مصر مذكرة التفاهم لبناء العاصمة الجديدة، في مؤتمر شرم الشيخ لدعم الاقتصادي مع رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية الإماراتية، إلا أن خلافات اندلعت بعد شهور من التوقيع قامت الحكومة على إثرها بإلغاء مذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين العبار، بشأن المشروع.

لتدير مشروع إنشاء المدينة شركة مساهمة خاضعة لقانون الاستثمار تتقاسمها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وتولى اللواء أحمد زكي عابدين، وزير التنمية المحلية، محافظ بني سويف الأسبق، رئاسة مجلس إدارتها.

بلد فقير
ويقول الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، أنه منذ الإعلان عما يسمى إنشاء عاصمة إدارية جديدة، بتكلفة مبدئية 45 مليار دولار، أخذت الأصوات ترتفع، ودائرة الرفض تتسع بين المواطنين والخبراء الاقتصاديين، حول جدوى وأولوية هذا المشروع، خاصة بعد أن انسحبت منه الشركات العالمية واحدة بعد الأخرى، ليقع المشروع على عاتق شركات مقاولات مصرية، سوف تحصل على مستحقاتها أولا بأول من الخزينة العامة بأي صورة من الصور.

وأضاف أنه مع انسحاب الشركات العالمية وقع المحظور، فاضطر كبار المسئولين وعلى رأسهم السيسي إلى التصريح عدة مرات في الأسابيع الأخيرة بأن هذه العاصمة لا تمول من الموازنة العامة للدولة، وإنما من مصادر أخرى، في محاولة لطمأنة الرأي العام المصري، الذى ارتفعت أصواته مطالبة باستثمار هذه الأموال في بناء المصانع وتشغيل المصانع المتوقفة، إلا أن السيسي فاجأ الرأي العام بأن أصدر القرار رقم 57 لسنة 2016 بتخصيص الأراضي الواقعة جنوب طريق القاهرة السويس واللازمة لإنشاء العاصمة الإدارية للقوات المسلحة. ونص القرار على إنشاء شركة مساهمة مصرية تتولى تنمية وإنشاء وتخطيط العاصمة الإدارية الجديدة، وتكون قيمة الأراضي التي تبلغ مساحتها 16 ألفا و645 فدانا من حصة القوات المسلحة في رأسمالها (أي ما يعادل 68.2 مليون متر مربع بقيمة 68.3مليار جنيه بافتراض قيمة المتر المربع ألف جنيه فقط).

وأوضح أن هذا القرار يعنى أن عائد بيع أو استثمارات العاصمة الإدارية الجديدة يعود إلى خزانة القوات المسلحة وليس إلى خزانة العامة للدولة. ليكشف بعدها المهندس علاء عبد العزيز نائب وزير الإسكان في لقاء تليفزيوني أن تمويل العاصمة الإدارية الجديدة ليست من الموازنة العامة للدولة، وإنما من أموال هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التي تعتمد في تمويلها على بيع أراضي الدولة، وهو الأامر الذي يكشف أن السيسي سيعتمد على بناء هذه العاصمة التي خصصها لأغنياء من قيمة الأأراضي التي يقوم ببيعها ويطرد من أهلها، مثل مثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق والحبل على الجرار.

يكر أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أنشئت وفقا للقانون رقم (59) لسنة 1979، كهيئة اقتصادية عامة، ونصت المادة (33) من قانونها على أن مصادر إيراداتها ثلاثة هي: ما يخصص لها من الموازنة العامة للدولة (وهي عدة مليارات سنوية عادة). مصادرها الذاتية وأهمها على الإطلاق مبيعات الأراضي، بعد أن أصبحت مهيمنة على معظم الأراضي الصحراوية في البلاد عدا تلك الموضوعة تحت سيطرة القوات المسلحة والشرطة.

وهذه المبالغ الضخمة في هيئة المجتمعات لا تدخل إلى الخزانة العامة، وإنما توضع في صناديق وحسابات خاصة يديرها الوزير المختص –وزير الإسكان–

ليتبقى السؤال: "هل تساوى هذه المشروعات ومعظمها في مجال التشييد والمقاولات كل هذه الدراسات والبحوث بهذه المبالغ الضخمة؟ وهل بعد ذلك نتحدث عن أن مصر بلد فقير؟".
 

Facebook Comments