كتب: يونس حمزاوي
رغم تحذيرات مدير المركز المصري للحق في الدواء، محمود فؤاد، بأن هناك مخاوف من حدوث أزمة شديدة، الشهر المقبل، بسبب وجود نقص في 1420 صنف دواءٍ، إلا أن وزير الصحة بحكومة الانقلاب يبدو أنه يستمتع بافتعال المشاكل دون تحقيق أي نتيجة لصالح المواطنين والمرضى.

وأشار «فؤاد»- خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «رأي عام»، المذاع على فضائية «ten»، الأحد الماضي- إلى وجود 13 ألف صنف دواء بوزارة الصحة، مشيرا إلى أنه من المفترض أن أي دواء مسجل في وزارة الصحة يكون متوفرا. وتابع أن هناك ارتفاعا في أسعار 55 صنفا من الدواء الحيوي لأول مرة.

وبحسب مراقبين، فإن هناك "5" ملاحظات جوهرية على المشاكل المفتعلة من جانب وزير الصحة بحكومة الانقلاب، الدكتور أحمد عماد، مع أركان منظومة الدواء، والتي يبدي فيها انحيازه للمواطن، ولكنه في الحقيقة يحمي "بيزنس الكبار"، ويحافظ على مصالحهم، على حساب الشعب والمهمشين والفقراء.

5 ملاحظات جوهرية

وبحسب الدكتور محمد صلاح البدري، الخبير في صناعة الدواء، في مقاله بعنوان «أزمات الدواء.. ومعارك السيد الوزير!»، فإن الملاحظة الأولى هي رد فعل الوزير على ما ذكره تقرير المركز المصرى للحق فى الدواء، بأن عدد نواقص الأدوية فى السوق المصرية قد بلغ ألفا وثلاثمائة «صنف»!! بينما كذب السيد وزير الصحة ذلك الرقم، وهو يعلن «بفخر» أن الرقم لا يتجاوز 25 «مادة فعالة»!.

الرد كان تاريخيا حقا وفقا للبدري.. «فالمادة الفعالة» تختلف جذريا عن «الصنف» الدوائى.. أى طبيب حديث التخرج يعرف ذلك جيدا.. إلا أن التصريح جيد فى شكله العام.. ويمكن استخدامه للدفاع عن النفس.. مستغلا جهل المواطن بالفرق بينهما!.

ويشير إلى أنه من الجيد أن الوزير رد على الهيئة، قبل أن يتهمها بانعدام الشكل القانونى ويرفض الاعتراف بها.. ولكن بعض الردود تصبح أقبح من الصمت!.

والملاحظة الثانية أنه فى تأمل دقيق للعلاقة بين السيد وزير الصحة الحالى وملف الدواء بأكمله والعاملين به، ربما سنجد الكثير من الطرائف التى يمكن تسجيلها.. فلقد حرص الوزير منذ أن تولى منصبه أن يفتعل الكثير من الصدامات غير المطلوبة مع أركان منظومة الدواء، فكانت معركته الشهيرة مع نقابة الصيادلة أكبر مثال لها.. وتلتها الكثير من النزاعات وتراشق التصريحات بينهم.. واتهاماته للصيادلة بالتربح والإضرار المتعمد بالمريض، بل وامتد الأمر إلى صدام مع الشركة المصرية لتجارة الأدوية، المؤسسة الحكومية الأولى للأدوية فى مصر!،
الصورة تبدو وكأنه يخوض معارك مرتبة ضد أشخاص بأعينهم، معارك يستمتع بها شخصيا دون النظر إلى كيانات.. ودون الأخذ فى الاعتبار أن هناك مريضا يدفع الثمن فى النهاية!.

الملاحظة الثالثة أن قطاع الدواء يعاني منذ عقود، وتعانى الشركات الوطنية من إهمال وترهل إدارى وفنى، أدى إلى أن إنتاجها قد انخفض لأكثر من ١٠٪‏ من قدرتها الفعلية طبقا لتقارير الوزارة نفسها، وتحولت صناعة الدواء المصرية من مصدر للعملة الصعبة إلى عبء ثقيل على الوزارة، التى تركت الساحة لشركات القطاع الخاص لتتلاعب بالأسواق كيفما تشاء!.

الأمر قد بدا واضحا فى أزمات تسعير الأدوية التى ضربت السوق المصرية خلال العام الماضى، والتى جعلت الوزير يتراجع عن تصريحاته ووعوده بعدم زيادة الأسعار، ليرضخ فى النهاية ويقبل بالزيادة التى حددتها تلك الشركات فى موقف محرج له وللوزارة، بل وللحكومة كلها!.

الأمر يبدو وكأن سيادة الوزير قد استمتع بالمعركة معهم، قبل أن يعلن عن ملله من الصراع، وينسحب تاركا الساحة لهم ليحققوا كل ما يريدونه من جيوب المواطنين!.

أما الملاحظة الرابعة فهي اعتراف كارثى من وزارة الصحة بأن هناك أكثر من 25 مادة فعالة غير موجودة بالسوق المصرية، وهو أمر كارثى؛ لأنه يعنى أن الرقم الذى أعلنته مؤسسة الحق فى الدواء صحيح إلى حد كبير، فالمادة الفعالة الواحدة يتم إنتاجها فى الأسواق بأكثر من خمسين اسما تجاريا.

لا أعتقد أن هناك تذبذبا فى سعر الصرف فى هذه الأيام ليبرر نقص هذه المواد، أو أن دولة بحجم مصر يمكن أن تقبل أن يتعامل مرضاها بمبدأ «المتاح» من المواد الفعالة لتؤدى الغرض!.

يمكنك الآن بحسبة بسيطة أن تدرك عدد المرضى الذين يبحثون عن أدويتهم المزمنة فلا يجدونها، بل وعدد الذين اضطروا للتعامل مع السوق السوداء للحصول على دواء حيوى بالنسبة لهم بأسعار خيالية!.

فمن يتحمل المسئولية عن هذا التخبط؟ من يحمل ذنب تدمير سوق الدواء فى مصر بأكملها؟!
والملاحظة الخامسة والأخيرة أن الوزير- كالعادة- يحاول أن يغالط فى تصريحاته بأن يذكر رقماً لا يثير الفزع، ولكنه يفشل فى إقناع من يعرفون الفارق بين الأمرين، كل هذا قبل أن يحاول إدارة دفة المعركة- كالعادة- إلى أرض جديدة، فيرفض الاعتراف بمؤسسة الحق فى الدواء التى تتم دعوتها داخل أروقة مجلس النواب نفسه للمشاركة بالرأى فى تسعير الأدوية، والتى لا أعتقد أنها تنتظر اعتراف السيد الوزير بوجودها من الأساس!.

الأسئلة التى تدور فى الأذهان الآن: إلى متى ستظل أزمات نقص الدواء تضرب الأمن القومى المصرى كل فترة؟ وإلى متى سيظل العسكر والحكومة يستمتعون بمعارك وهمية مفتعلة بعيدا عن مصلحة الوطن والمواطن، ولا تصب إلا في مصلحة بيزنس الكبار؟.

Facebook Comments