في مثل هذه الأيام منذ 53 عامًا كانت هزيمة نكراء وجهتها تل أبيب خلال 6 أيام لجيوش 3 دول عربية مجتمعة: مصر وسوريا والأردن، كان من نتائجها خسائر بشرية ومادية كبيرة، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي العربية، وتدمير أغلبية العتاد العسكري العربي.

في 5 يونيو 1967، لم يكن هناك “إنترنت” ولا “فيسبوك” ولا “تويتر” حتى يعرف العالم حقائق وتفاصيل الفضيحة الكبرى التي أطلق عليها العرب ساعتها “نكسة”؛ تلطيفًا وتخفيفًا من وقع الكارثة المروعة التي حلت بهم جيوشا وشعوبا وقادة.

فعلى غير الحقيقة، وفي صبيحة 5 يونيو 1967 تصدر مانشيت “الجيش العربي يزحف إلى تل أبيب” عناوين الصحف المصرية، وسيطرت أخبار تحطيم طائرات الخصم والتنكيل بقواته، على المشهد في الميادين والبيوت بالقاهرة وسائر العواصم العربية.

مانشيتات الصحف والبيانات التي كان يلقيها أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب كانت تبشر العرب بنهاية “إسرائيل”، فالطائرات تسقط والقوات العربية تتوغل داخل إسرائيل، حتى استيقظ العرب على توسع الاحتلال وهزيمة الجيوش العربية على عدة جبهات، فمن أين أتت “شجاعة” الكذب الإعلامي؟.

مثلما اهتم الطاغية جمال عبد الناصر بالقضاء على الحياة السياسية اهتم أيضا بالسيطرة على الإعلام وجعله صوتًا واحدًا، وبعد انتهاء صراع مجلس قيادة الثورة مع اللواء محمد نجيب حل عبد الناصر نقابة الصحفيين عام 1954 بدعوى تقاضي الصحفيين مصروفات سرية، ثم أغلق عددا كبيرا من الصحف لأنها تنتمي لأحزاب سياسية، فتقلص عدد الصحف اليومية إلى ثلاث فقط هي “الأهرام” و”الأخبار” و”الجمهورية”، ومجلات أسبوعية منها “روز اليوسف” و”المصور” و”الكواكب” و”آخر ساعة”.

ورغم أن عبد الناصر اعتقل عددا من الصحفيين على مدار عهده، إلا أنه كان يقرب منه آخرين للترويج للجمهورية، كان أبرزهم محمد حسنين هيكل، كما كان يشرف على اختيار رؤساء التحرير.

وفي عام 1960 أصدر جمال عبد الناصر قانون “تنظيم” الصحافة، والذي نقل بموجبه ملكية المؤسسات الصحفية إلى الدولة، كما نص القانون على أنه لا يجوز إصدار صحيفة إلا بترخيص من الاتحاد القومي، كما لا يجوز لأي شخص أن يعمل في الصحافة إلا بترخيص من الاتحاد، كما أعاد عبد الناصر الرقابة على الصحف.

إعلام أحمد سعيد!

“انشروا الإنجازات”.. “لازم الإعلام يبقى تعبوي”، تصريحان للسفيه السيسي يكشفان عن الإعلام الذي يريد، إعلام أشبه بإعلام ما قبل “النكسة” الذي كلما زاد كذبه اقتربت كارثة جديدة، فبعد نصف قرن من النكسة لم يتعلم النظام أو الإعلام أن نشر الإنجازات فقط هو جزء من بيع الوهم للشعب لتدعيم السلطة ولن يؤدي إلا إلى كارثة وفضائح.

في أغسطس 2014، وقف جنرال إسرائيل السفيه السيسي مشيدا بالإعلام في عهد الطاغية الراحل جمال عبد الناصر، وكيف أنه كان مساندا له، قائلا “عبد الناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه”.

تصريحات السفيه السيسي اعتبرها البعض آنذاك إيذانا بتدشين عصر الأذرع الإعلامية المساندة للسلطة، التي قال السفيه السيسي إنها تحتاج إلى وقت لبنائها، وذلك عندما كان وزيرا للدفاع.

مرت الأيام، وجرت في نهر السياسة المصرية مياه كثيرة، ويبدو أن السفيه السيسي أصابه أخيرا بعض حظ عبد الناصر وربما أكثر، حيث باتت وسائل الإعلام المصرية لا تنطق إلا بلسان السفيه السيسي، ولا تخطب إلا ودّ ورضا “الرئيس المحظوظ”.

لكن الذكرى 53 لهزيمة يونيو 1967 تأتي اليوم لتثير التساؤل عما إذا كان عبد الناصر محظوظا حقا بإعلامه؟ وهل يغبط السفيه السيسي أيضا عبد الناصر في “حظه العسكري”؟ وما علاقة الإعلام بالهزيمة التي تحولت إلى مجرد نكسة؟ بتعبير الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، الذي قاد إعلام عبد الناصر سنوات طويلة.

يبدو أن هذه الأسئلة، خاصة دور الإعلام في الهزيمة، هي أهم ما تبقى من ذكرى “نكسة 5 يونيو”، حيث شهدت مواقع التواصل الاجتماعي مشاركة واسعة من قبل النشطاء والمغردين.

الملفت للنظر أن العامل المشترك بين المغردين هو مشاركة عناوين الصحف المصرية الصادرة صبيحة الهزيمة، التي كانت تروّج لانتصار عسكري كبير، واكتشف المصريون لاحقا أنه أكبر هزيمة لحقت بهم، ليس عسكريا فقط بل سياسا أيضا، وفقدوا ثقتهم ليس فقط في الإعلام بل في الرئيس أيضا.

فمن جهته، يقول أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية في القاهرة خالد فهمي: إن حرب 67 لم تنل ما تستحقه من الدراسة، موضحا أن اهتمامه بدراسة تلك الفترة نابع من اقتناعه بأن مصر ما زالت تعيش آثارها وعواقبها حتى اليوم.

وشارك فهمي رسما نُشر بعد يومين من الهزيمة، يصور الجيش وهو يسقط الطائرات الإسرائيلية مثل الذباب، حيث كانت الرواية الرسمية وقتها أن الجيش نجح في إسقاط سبعين طائرة إسرائيلية، بل إن بعض الصحف تحدثت عن أرقام أكبر، في حين اتضح أن الواقع كان عكس ذلك، حيث حققت إسرائيل الصغيرة نصرا ساحقا على مصر الكبيرة.

بدوره شارك الباحث والكاتب الصحفي خالد منصور دراسته حول أسباب الهزيمة، مؤكدا أنه “لو كان هناك شركاء آخرون في ميدان السياسة في البلاد، مثل البرلمان أو الإعلام أو الأحزاب السياسية، لكان المشير عبد الحكيم عامر بالتأكيد قد اختفى بمصائبه من على مسرح السياسة بعد أخطائه الفادحة”.

وأكد أن الهزيمة التي تعرضت لها مصر كانت قدرا محتوما، في ظل حكم مؤسسة أخرجت الشعب بأكمله من مجال السياسة، وقررت الحديث باسمه وتمثيله، خاصة عندما تنتقل هذه المؤسسة- القائمة على الاعتبارات الأمنية والولاء والطاعة- من إدارة ميادين القتال إلى التحكم المنفرد في ميادين السياسة”.

عقلية الهزيمة

ونشر مدير معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بهي الدين حسن سلسلة من التغريدات حول ذكرى الهزيمة، مؤكدا أن “العقلية التي قادت شعب مصر إلى أبشع هزيمة في تاريخه الحديث ما زالت تحكم”.

واعتبر أن “هزيمة يونيو” لم تكن في القتال العسكري فقط، بل أيضا في “الفكر والعلم والاقتصاد والصحة والتعليم والديمقراطية”. من جانبه قال الكاتب الصحفي سليم عزوز: “إن الجيش المصري لم يكن مؤهلا لخوض الحرب، لكن الزعيم العسكري الملهم دق طبول الحرب، لنظل ندفع فاتورة جنونه من لحم الحي إلى الآن”.

أما الإعلامي والناشط الحقوقي هيثم أبو خليل، فاختار التركيز على السخرية من وسائل إعلام نظام السيسي، وطرح السيناريو الساخر الذي يتخيل فيه ما كان سيقوله هؤلاء لو كانوا موجدين أيام “هزيمة يونيو”.

وقال مغردون: إن “التضليل الإعلامي” كان من أهم أسباب الهزيمة، وأدى بعدها إلى فقدان الشعب المصري ثقته في الجيش والقيادة السياسية، التي لم ترجع إلا بعد حرب أكتوبر 1973، في ظل الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

وأكد نشطاء أن حرية الرأي والتعبير وفتح وسائل الإعلام للنقد والنقاش السياسي هي أكبر ضمانة لعدم تكرار هزائم الماضي، وحذر آخرون السفيه السيسي من الزهو بسيطرته على الإعلام، والاستماع إلى الصوت الواحد فقط، مؤكدين أن عواقب ذلك وخيمة كما حدث في إعلام عبد الناصر.

واستخدم البعض مصطلح “إعلام أحمد سعيد”، في إشارة إلى المذيع المصري الذي كان يذيع أنباء الانتصار، لكن سعيد نفسه أكد قبل وفاته أنه كان ضحية، ومن غير المنطقي تحميله نتيجة الهزيمة، حيث كان مجرد موظف كل مهمته أن يذيع ما يرد إليه من بيانات الجيش.

ومن الطريف في هذا السياق، سخرية بعض المغردين من الإعلامي القريب من الأجهزة الأمنية مصطفى بكري، وتذكيره بإعلام النكسة، حيث نشط بكري خلال الساعات الماضية في تأكيد انتصارات قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في حين كان الجيش الليبي يسيطر على مدينة ترهونة، وهي أهم مواقع حفتر في الغرب الليبي.

Facebook Comments