كتب- رانيا قناوي:

 

قال الكاتب الصحفي فهمي هويدي: إنه حين انفجرت الأزمة الخليجية وصارت مصر طرفا فيها وصعد الإعلام لهجة التحريض والهجاء، نشرت صحف الصباح الخبر التالى: قررت مديرية الأوقاف فى محافظة البحيرة شطب أسماء القطريين الذين تبرعوا ببناء ٢٤ مسجدا فى قرى مركز أبوحماد، واستبدالها بأسماء الله الحسنى، موضحا أنه لم يكن لذلك من تفسير سوى أن الحملة الإعلامية اعتبرت دعوة للنفير العام من جانب السلطة، الأمر الذى دفع موظفى الأوقاف إلى محاولة تسجيل أسمائهم فى دفتر الولاء للسلطة والتجاوب معها.

 

وأكد هويدي خلال مقاله المنشور بصحيفة "الشروق" في عددها الصادر صباح اليوم الثلاثاء، أن إزالة أسماء من تبرع ببناء المساجد من القطريين إجراء عبثى لا قيمة له. لأن من أقام مسجدا لوجه الله لا يهمه ولا يعنيه أن يكتب اسمه على قطعة من الرخام معلقة فى مدخله، ولا ينتقص منه أن يمحى الاسم، لأن ثوابه رفع إلى حيث يستعصى المحو ولا تطوله معاول البشر. وإنما فيه إدانة للفاعل وليس للمفعول به، مع ذلك فإن للأمر دلالاته التى تستحق الإثبات.

 

وقال هويدي إننا بإزاء ظاهرة فى مصر ولسنا بصدد حادثة فردية. وهذه الظاهرة تتمثل فى أن السلطة السياسية حين تتبنى موقفا أو تتخذ إجراء بحق أى طرف مخالف لها حتى نفاجأ بأمرين، أولهما مسارعة أجهزة الدولة ومؤسساتها والحلقات المرتبطة بها إلى التضامن معها فى ذلك من خلال تبنى الموقف والتفاعل معه والمزايدة عليه، والأمر الثانى يتمثل فى استباحة الآخر والذهاب إلى أبعد مدى فى الاشتباك معه. وهى المهمة التى تتولاها المنابر والأبواق الإعلامية، التى أصبحت ضمن أسلحة «الدمار الشامل» التى تستخدمها السلطة ضد خصومها. 

 

وندد هويدي بإعلان الازهر تأييد مقاطعة قطر وحصارها. "رغم أننا نعتبر الأزهر منارة وحصنا معرفيا للعالم الإسلامى غير مرتبط بالسياسة المصرية، موضحا أن واجبه كمؤسسة دينية أن يظل داعيا إلى التواصل بين مكونات الجسم الإسلامى، وليس التنابز وتشجيع الخصومة والقطيعة بينها. ناهيك عن أن الأزهر لو التزم الصمت ونأى بنفسه عن المشاركة فى الخصومة، فإنه لن يحاسب على سكوته ولن يسأل أحد عن موقفه، وأنه سيظل محتفظا بهيبته وقامته. لكن الذين أصدروا بيان تأييد المقاطعة والحصار قبلوا بأن يعد ذلك خصما من رصيد الأزهر، مقابل أن يسجل ذلك نقطة لحسابهم فى دفتر السلطة".

 

وأعرب هويدي عن دهشته أن الصحف المصرية نشرت أن حزبا مجهولا شكل وفدا من أعضائه للسفر إلى ميونيخ فى سويسرا حيث مقر «الفيفا» (الاتحاد الدولى لكرة القدم)، لكى يقدم طلبا عاجلا لسحب قرار تنظيم مونديال كأس العالم لسنة ٢٠٢٢ من قطر، رغم أن الحزب لا علاقة له بالرياضة فضلا عن أنه لا حضور له فى السياسة، مشيرا إلى حادثة تاريخية تؤكد عمق ظاهرة الانتقام في زمن العسكر، وهي حكاية أجهزة السلطة مع فؤاد سراج الدين (باشا) إذ معلوم أنه بعد ثورة عام ١٩٥٢ انقلبت السلطة على أحزاب المرحلة الملكية وفى مقدمتها حزب الوفد الذى كان فؤاد باشا من قادته. وكان مفهوما أن تطوى صفحة قادة تلك الأحزاب وأن يصبحوا ضمن المنبوذين سياسيا، ولأن فؤاد باشا كان وزيرا للمواصلات يوما ما، فقد منحته هيئة السكك الحديدية بطاقة تخوله حق ركوب القطارات مجانا، وهو عرف كان متبعا مع كل من يشغل ذلك المنصب. وحين أصبح الرجل منبوذا سياسيا ألغيت البطاقة فى صمت، رغم أنها لم تكن تمثل أية أهمية له، وبعد أكثر من عشر سنوات، حين تولى الرئيس السادات السلطة وفتح الباب لشكل من أشكال التعددية السياسية سمح القضاء بعودة حزب الوفد مرة أخرى برئاسة فؤاد باشا، حينذاك فوجئ الرجل ذات صباح بأن بطاقة الركوب المجانى للقطارات أعيدت إليه فى صمت. ما يعنى أن هيئة السكك الحديدية ضبطت نفسها على مؤشر السلطة.

 

وأكد هويدي أنه بحكم التاريخ وأمر الجغرافيا ظلت قوة السلطة المركزية حقيقة ثابتة وراسخة. إذ منذ فجر التاريخ مارس الفرعون سلطته فى ضبط النهر وضبط الناس، وهو من «استخف قومه فأطاعوه» كما يذكر القرآن الكريم، ولأن الدولة المركزية كانت ضرورة حتمية للبيئة الفيضية التى تعتمد فى مياهها ــ وفى استمرار حياتها ــ على مياه النيل، فقد كان الطغيان الفرعونى بدوره نتيجة حتمية للدولة المركزية. وبسبب وضعها الجغرافى صارت مصر أول وحدة سياسية وأول دولة موحدة فى التاريخ، لذلك فإنها على الأرجح مثلت أول طغيان فى الأرض، تضاءل فى ظله حجم الشعب بقدر ما تضخم وزن الحكم.

 

وأضاف أن إحدى النتائج المهمة التى أفرزتها تلك الخلفية تمثلت فى انسحاق جهاز الإدارة وذوبانه فى تضاريس القيادة السياسية، بحيث لم يعد خادما للمجتمع وإنما صار خادما للسلطان. وهو ما يفسر لنا المثل الذى ذاع ذات يوم الذى يقول: إن فاتك الميرى (عربة السلطة أو قطارها) تمرغ فى ترابه. بمعنى أنك إذا لم تصبح جزءا من السلطة، فعليك أن تنتسب إليها بأى شكل من الأشكال، حتى إذا تم ذلك من خلال التمرغ فى ترابها.

Facebook Comments