كتب- سيد توكل:

 

مع رياح الثورة المضادة التي تقودها الإمارات وتسير خلفها الرياض، تجددت العداوة تجاه جماعة الإخوان المسلمين التي تتصدر مشاهد الربيع العربي، وعادت هيئة كبار العلماء اللسان الشرعي الرسمي في المملكة من جديد لترى أن الجماعة ليست من أهل المناهج الصحيحة، ومنهجهم قائم على الخروج على الدولة!

 

وتمثل هيئة كبار العلماء اللسان دور المحلل الشرعي للنظام في السعودية بكل دقة، ظهر ذلك في تصنيفها للإخوان حيث كانوا في مرحلة أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق وأحرصها على تطبيقه، وفق ترتيب أهل الحديث أولاً ثم جماعة أنصار السنة ثم الإخوان المسلمون.

 

ثم مع إخفاق الانقلاب الذي تقوده الإمارات في تركيا وقطر، رأت الهيئة عيوب الإخوان، وتناقضت مع نفسها بالقول عن الجماعة :"ليس لهم عناية بالعقيدة ولا بالسنة، ومنهجهم قائم على الخروج على الدولة إن لم يكن في البدايات ففي النهايات" وفق بيان للهيئة.


شد وجذب

وتعتبر العلاقات بين السعودية وجماعة الإخوان المسلمين من أكثر العلاقات التي تربط بين الدول والحركات السياسية تعقيدا واضطرابا، وقد تدرجت هذه العلاقة التي تعود بداياتها إلى ثلاثينيات القرن الماضي من "التحالف" ابتداء إلى المواجهة الشاملة في سنوات الانقلاب.

 

ولم يكن الموقف الذي أعلنته هيئة كبار العلماء في السعودية مؤخرا بشأن الجماعة الأول وربما لن يكون الأخير تبعا لمواقف أخرى وفتاوى أصدرتها الهيئة أو صدرت عن أفراد من كبار العلماء في السعودية كان الإخوان دائما محورها وفي الأغلب لم تكن بالغة السلبية تجاههم.

 

وقد بدأت العلاقات بين المؤسسيْن خلال لقاء تاريخي بين الملك عبد العزيز آل سعود ومؤسس الجماعة الإمام حسن البنا سنة 1936 واستمرت تنمو بهدوء واطراد، وقد أسلمت هذه المرحلة زمام العلاقة إلى مرحلة التحالف بين الإخوان والسعودية حيث:

 

– وجد الإخوان في السعودية حمى وملجأ من قمع الانقلاب الناصري عام 1954.

 

– وجدت السعودية في الإخوان حليفا قويا لمواجهة المد القومي الذي نشره عسكر الانقلاب في مختلف الأقطار العربية حاملا بذور الصراع مع المملكة سياسيا ودينيا.

 

ولم يبخل الإخوان على الدولة الناشئة التي تنام على أنهار من الثروة، بالأيدي العاملة والأقلام المنتجة لتصوغ رؤيتها للتعاطي مع العالم الجديد، خصوصا في مجال وضع الإستراتيجيات التعليمية وصياغة المناهج، وتجديد الخطاب الديني الذي كان وقتها بحاجة إلى تحديث وتطوير.


نحمل الخير للناس

هذه العبارة حققها الإخوان واقعاً في عدة أقطار عربية في هذه الفترة، عندما قادوا قطار التحديث والبناء في عدة مؤسسات سعودية، خصوصا في مجال التعليم الذي كان مجال البصمة الإخوانية المتناغمة مع الأرض السلفية، وهنا تكامل الطرفان: الباحث عن مأوى ومستقر والباحث عن عقول وكوادر، وقد استمر هذا المسار طوال الفترتين الناصرية والساداتية.

 

وساهمت السعودية بعد رحيل عبد الناصر في الإفراج عن قياديي الإخوان المسجونين في مصر، واستضافت بعضهم بكثير من الحفاوة والترحاب.

 

ومثلت مرحلة ما بعد احتلال السوفيات لأفغانستان محطة أخرى من محطات تعزيز العلاقة بين الطرفين، حيث بادرت السعودية بالشراكة مع باكستان والولايات المتحدة لتأسيس وإنشاء كتائب المجاهدين من "الأفغان العرب"، وكان للإخوان دور بارز في التعبئة القوية وإدارة البنى التنظيمية للتجنيد وجمع التبرعات ليس من منطلق التحالف مع السعودية فحسب وإنما وفاء للأخوة الدينية كما يقول عدد من رموزهم.


بداية الصدام

 

ويعتقد أستاذ الإعلام محمد الحضيف أن "حملة ممنهجة" تستهدف الإخوان المسلمين "هدفها شيطنة الفكرة الإسلامية بعمومها، والتي لقيت قبولا في الشارع العربي بعد الربيع العربي".

 

وقال الحضيف إن تنامي تأثير الإسلاميين في الشارع العربي "يقلق الأنظمة التقليدية والدولة العميقة التي استفادت من السيطرة على معظم الدول العربية، فكرست تبعيتها للخارج، وأشاعت ثقافة فساد مكنت مجموعة من التلاعب بمقدرات شعوب بأكملها".

 

استشعر الإخوان بداية الصدام بعد وفاة الملك فيصل، حيث بدأ الحكام ينظرون بعين الريبة إلى مخرجات المناهج التعليمية التي صاغها الإخوان، ورأوا فيها بوادر قوة معارضة في بلد حسم وجهته السياسية بالولاء التام للملك والعائلة المالكة، وقد أضيفت عناصر أخرى إلى مائدة الخلاف الممتد بين الطرفين تتمثل من بين أمور أخرى في:

 

– التباين في الرؤية للموقف من حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.

– رفض الإخوان الاستعانة بالقوى الغربية في تحرير الكويت من الغزو العراقي.

 

وترجمة لذلك جاءت تصريحات وزير الداخلية السابق الأمير نايف بن عبد العزيز في مقابلة مع جريدة السياسة الكويتية في العام 2002، حيث حمل بشدة على جماعة الإخوان، ووصفها بأنها "أصل البلاء"، وقال إنها سبب المشاكل في العالم العربي وربما الإسلامي.

 

ومع قدوم الربيع العربي وقبل اندلاع الثورات لم تكن السعودية مرتاحة للصعود السياسي لقوى محسوبة على الإخوان في السودان وتركيا وفلسطين، ولكنه ازداد بشدة مع أزمة الربيع العربي حيث وقفت السعودية بوضوح في مواجهة هذا الربيع، وسعت للحيلولة دون سقوط بعض الأنظمة مثل مصر واليمن، ثم شاركت في الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

 

وبعد مجيء الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز تبادل الطرفان إشارات إيجابية، من بينها تصريح لوزير الخارجية السابق سعود الفيصل قال فيه إنه لا مشكلة لديهم مع الإخوان وإنما مع فئة قليلة تنتمي لهذه الجماعة هي من في رقبتها بيعة للمرشد، ثم استقبلت المملكة لاحقا شخصيات إسلامية محسوبة على الإخوان، في مقدمتهم الشيخ القرضاوي وراشد الغنوشي وخالد مشعل.

 

ثم التعاطي الإيجابي مع حزب الإصلاح النسخة اليمنية من الإخوان، غير أن كل تلك الاتصالات

كانت استثناء منقطعا من المشهد السياسي الرسمي الغاضب على الإخوان.

 

Facebook Comments