كتب مجدي عزت:

استغلت الإمارات أزمات دول العرب والمنطقة الإفريقية في فرض وجودها العسكري عبر قواعد عسكرية، تخالف أبسط القواعد القانونية الدولية، مستخدمة سلاح المال في إسكات الجميع.

التوسع الإماراتي يأتي كثمن لدماء الشعوب التي تدعم الإمارات أطرافا منها ضد أطراف متقاتلة، كما يجري في ليبيا والصومال، وهو ما يعد استثمارا حراما وتجارة في دماء الشعوب.

واصلت دولة الإمارات نشر قواعد عسكرية تابعة لها على أراضي عدد من الدول العربية محل الصراعات، فعلى بعد 100 كيلومتر جنوب غربي حقل السرير النفطي، تحديدًا في مطار الخروبة العسكري في ليبيا، قررت الإمارات إقامة قاعدة عسكرية جديدة لها في الأراضي الليبية الواقعة تحت سيطرة خليفة حفتر قائد القوات التابعة لمجلس النواب المنعقد في طبرق. بمساعدة حليفها في مصر عبدالفتاح السيسي، عبر قيام طائرات البلدين، من وقت لآخر بضرب أهداف داخل الأراضي الليبية خاضعة لمجموعات مناوئة لحفتر.

وكشفت تقارير إعلامية قيام الإمارات بإعادة بناء مطار الخروبة العسكري، الواقع على بعد نحو 1300 كيلومتر جنوب شرقي العاصمة طرابلس.

وتستهدف الإمارات فور الانتهاء من بناء المطار من جديد ودعم البنية التحتية الخاصة به، ليتناسب مع استخدامه الجديد كقاعدة عسكرية مزودة بمعدات حديثة، لبدء عمليات عسكرية لدعم حفتر على الأرض، من بين هذه المعدات طائرات شيبيل كامكوبتر أس 100، وهي طائرات من دون طيار توجه قذائفها بالليزر، وكان لها دور كبير في معارك بنغازي.

نوايا خبيثة
وأكدت المصادر أن "الطريقة التي تتبعها الإمارات من إقامة قواعد عسكرية ليبية توحي بنوايا خبيثة ليست قاصرة على مساعي أبوظبي لمواجهة أطراف إقليمية تعتبرهم أعداء على الأراضي الليبية"، متابعة أن "الأمر بات أشبه باحتلال وزراعة نفوذ دائم لها على الأراضي الليبية، على غرار المستعمرين الأجانب لإفريقيا في مراحل زمنية سابقة".

بالمخالفة للقرار الأممي الصادر بحظر التسليح، حيث شهدت ساحات القتال في ليبيا أنواعًا متطورة من الأسلحة والمدرّعات، بعضها سقط في أيدي عناصر من تنظيم داعش، واجهوا قوات تابعة لحفتر في بعض المناطق واستطاعوا اغتنامها منهم".

وأكدت المصادر أن "ناقلات جنود ومدرعات متطورة إماراتية كانت تدخل الأراضي الليبية عبر الحدود مع مصر".

وكان موقع «IHS Jane» المتخصص في الشئون العسكرية قد ذكر نهاية العام الماضي أن الإمارات أقامت قاعدة عسكرية في مدينة المرج شرقي ليبيا، الحديث هنا عن قاعدة «الكاظم» التي كانت ذات بنية تحتية متواضعة، قبل أن تحل بها مبانٍ جديدة وإنشاءات في حظيرة الطائرات التي استقبلت طائرات هجوم خفيفة وأخرى من دون طيار، فيما يبدو تكثيفًا لجهود الإمارات لدعم حليفها في ليبيا «خليفة حفتر»، بحسب الموقع البريطاني.

قواعد بالصومال واليمن
الأسلوب الذي اتبعته الإمارات في ليبيا ليس الأول من نوعه ولا الأخير، فقد كشفت مؤسسة جاينز للبحوث العسكرية ومقرها لندن، العام الماضي، أن "الإمارات قطعت شوطًا كبيرًا في بناء قاعدة عسكرية لها في جزيرة ميون القريبة من مضيق باب المندب".

وذكرت المؤسسة في تقرير لها أن "صور الأقمار الصناعية أشارت وقتها إلى أن الإمارات تنشئ مَدرجا كبيرًا على الجزيرة الواقعة بين اليمن وجيبوتي".

وأشارت إلى أن "أبوظبي تبني قاعدة لدعم عملياتها العسكرية في جنوب اليمن ولتعزيز سيطرتها على مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية". وكانت قوات التحالف العربي قد استعادت جزيرة ميون من الحوثيين.

كما تقيم الإمارات قاعدة عسكرية في أرض الصومال، التي تدعمها أبوظبي، بل وصل الأمر لتدبير انفجارات ضخمة بمقديشو لزعزعة استقرار الصومال، لصالح المشروع الإماراتي التوسعي على حساب الشعوب التي تتناحر. واستغلت الإمارات المال السياسي والاعتراف بأرض الصومال في الجزء الشمالي من الصومال، لإقامة قواعدها العسكرية، حيث أعلن الإقليم انفصاله عن الصومال بعد انهيار الحكومة المركزية عام 1991، لديه شرطة وجيش وحكومة وبرلمان ودستور، لكنه يعاني من مشكلة كبرى وحيدة: لا أحد يودّ الاعتراف به باعتباره دولة على الإطلاق.

لكن يبدو أن الجغرافيا قد أهدت إلى الإقليم مفتاح فك العقدة أخيرًا، إذ تلقى حكام الإقليم خلال العام الماضي عرضًا مغريًا من الإماراتيين، سرعان ما تُرجم إلى اتفاقات متعددة الجوانب وحيدة الهدف، إذ وقّعت شركة «موانئ دبي العالمية» اتفاقًا بقيمة 442 مليون دولار، يقضي بالاستغلال الحصري لميناء «بربرة» أكبر موانئ البلاد وأهمها، الميناء الذي وصفه يومًا سفير بريطاني سابق بأنه «مفتاح السيطرة على البحر الأحمر».

عوضًا عن الأموال التي ستتدفق على الإقليم الفقير، وبدأ الإماراتيون يجرون مفاوضاتهم مع «صومالي لاند» مباشرةً، غير عابئين بالاعتراضات الصومالية والإثيوبية، الأمر الذي كان يعني لـ«صومالي لاند» أكثر من مجرد صفقة تجارية، فها هو أخيرًا اعتراف دولي بسيادة الإقليم وحكومته.

وما هي إلا أسابيع قليلة حتى كُشف الستار عن الأوجه الأخطر من الصفقة، حين وافق برلمان الإقليم بشبه إجماع على إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية -بحرية وجوية- قريبة من الميناء، ووفق ما تسرب من بنود الاتفاق، فإن القوات الإماراتية لها أن تستخدم تلك القواعد ذات الموقع الاستراتيجي المتميز دون أي قيود على مهامها.

إرتيريا ضمن الخطة
ووضع محمد بن زايد خطة استراتيجية «لتوسيع الانتشار العسكري في مضيق هرمز وساحل اليمن وباب المندب وحتى سواحل القرن الإفريقي، مؤخرا.. لتدعيم نفوذ الإمارات العسكري على الجانب الغربي لمضيق باب المندب، يتمحور الحديث هنا حول ميناء «عصب» الإريتري، الذي حولته الإمارات من صحراء قاحلة إلى قاعدة جوية حديثة وميناء عميق المياه ومنشأة تدريب عسكري متطورة.

في أعقاب خلافات دبلوماسية أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وجيبوتي، البلد الذي كانت تطمح أبوظبي إلى الاستفادة منه عسكريًا واقتصاديًا لتأمين طموحاتها في القرن الإفريقي، توجهت الأنظار إلى جارتها اللدود إريتريا، عقدت الإمارات اتفاق شراكة مع أسمرة قامت بموجبه بالاستفادة من عقد إيجار مدته 30 عامًا، استلمت بموجبه ميناء عصب العميق ذا الموقع الاستراتيجي، ومطار عصب المجاور، حتى تنشئ هناك قاعدتها العسكرية.

وفي المقابل، مُنحت حزمة مساعدات اقتصادية للبلد الإفريقي، وتعهّدت بتحديث «مطار أسمرة الدولي»، وإنشاء بنيةٍ تحتية جديدة، وزيادة إمدادات الوقود إلى إريتريا.

اليمن
وفضلًا عن جنودها المنتشرين في شتى أرجاء اليمن لأغراض التدريب والقتال ضد قوات الحوثيين، عمدت اليمن إلى انتقاء مناطق ذات طبيعة استراتيجية لتستوطن فيها قواتها العسكرية، وفق ما اعتبره البعض «خطة مدروسة ومحددة سلفًا» لإحكام السيطرة على الضفة الشرقية من مضيق باب المندب وبحر اليمن.

أبرز الأهداف الإماراتية في اليمن كانت جزيرة سقطرى، وهي عبارة عن أرخبيل من أربع جزر صغيرة تتمتع بأهمية استراتيجية كبرى بسبب موقعها على المحيط الهندي بالقرب من خليج عدن، في 2016 وقع رئيس الحكومة المقال «خالد بحاح» اتفاقًا مع الإمارات لإعمار وتنمية سقطرى، ولم تتوقف زيارات وفود الهلال الأحمر الإماراتي عن الجزيرة، المستثمرون الإماراتيون صاروا ضيوفًا دائمين على أراضي سقطرى، وأعادت الإمارات تأهيل كافة مدارس الجزيرة، وبنت المستشفى الوحيد عليها هو «مستشفى خليفة».

أكثر خطورة
لكن العمليات الإماراتية على الجزيرة قد دخلت منحًى أكثر خطورة مع الأنباء عن خطط طيران «الاتحاد» لتسيير ثلاث رحلات يوميًّا بين أبوظبي وسقطرى، مع تحضيرات لربط الجزيرة بشبكة اتصالات إماراتية، نقلت الطيور والحيوانات النادرة في الجزيرة -التي تصنّف بوصفها محميةً طبيعية- إلى حدائق أبوظبي، وبموازاة ذلك دُفع بعشرات الآليات العسكرية الإماراتية إلى الجزيرة، كما دُرّبت دفعة من أبناء سقطرى على يد القوات الإماراتية، وقد دفعت كل تلك الإجراءات حول تأكيد الشكوك بخصوص نية الإمارات إحكام سيطرتها على الجزيرة تمامًا، بعيدًا عن سلطة الحكومة الشرعية في اليمن.

لم تكتفِ أبوظبي بسُقطرى فقط، بل توجهت أنظارها إلى جزيرة ميون التي تقع في قلب مضيق باب المندب وتعد مفتاحًا للسيطرة على المضيق، وكانت تسريبات أمريكية أشارت إلى أن الإمارات قد حولت الجزيرة -التي استعادت الحكومة الشرعية السيطرة عليها قبل عامين- إلى قاعدة عسكرية، بدأت ببناء مدرج طائرات بدون علم الحكومة الشرعية برئاسة هادي.

كما تواترت الأنباء مؤخرًا عن قيام القوات الإماراتية بتفريغ ميناء «المخا» ذي الأهمية الاستراتيجية من كل شيء، لتقوم ببناء وحدات عسكرية لقواتها داخل الميناء الذي تحول لثكنة عسكرية إماراتية، وهو السيناريو نفسه الذي اتبعته قوات أبوظبي في مطار الريان بمدينة المكلا.

وهكذا الاستثمار الحرام الذي تمارسه ابوظبي في مواقع الاضطرابات في المنطقة، ليصب وابل النيران والزيت على النار وتقتل الشعوب وتباد المدن من أحل قواعد عسكرية تنشر الخراب والدمار!! 

Facebook Comments