بكار النوبي
شهدت مصر خلال الأسبوع الماضي حادثين كبيرين، الأول في مدينة أبو قرقاص بالمنيا، حيث تم الاعتداء على امرأة قبطية وتعريتها، بحسب شائعات لم يتم التأكد منها، والثاني تمثل في قتل مواطن "مسلم" نتيجة التعذيب على يد ضباط قسم الوايلي بالعباسية بمحافظة القاهرة.

في ميزان الجرائم، فإن مقتل مواطن "الوايلي" أشد بمراحل من حادثة الاعتداء على سيدة قبطية؛ لأن القتل هو أعلى الجرائم على الإطلاق في كل القوانين والشرائع السماوية والوضعية، إلا أن تعامل سلطات الانقلاب وأذرعه الإعلامية جاءت على النقيض تماما من ذلك، وضخمت من الجريمة الصغرى رغم إنكار الجميع لها، وتم تقزيم وتجاهل الحادث الأبشع، وهو مقتل مواطن جراء التعذيب على يد ضباط قسم الوايلي.

تمييز وعنصرية في التناول الإعلامي

وبدا التناول الإعلامي في حالة السيدة القبطية فجًّا، وتم تضخيم الحدث بصورة مبالغ فيها إلى حد بعيد، رغم إنكار ما حدث إذا ثبت؛ لأن هناك روايات من شهود عيان تنفي تعرية السيدة بالصورة التي يتناولها الإعلام، وأن ما جرى ما هو إلا شجار أسفر عن تمزيق بعض ملابس السيدة، وتم سترها في الحال لأسباب جنائية لا طائفية، تتعلق بشائعات حول علاقة ابنها بزوجة صديقه المسلم، فلماذا أخذ الحادث هذا البعد الطائفي رغم أنه جنائي بالأساس؟.

ورغم أن حادث السيدة القبطية تم يوم 20 مايو 2016، إلا أن معرفة الإعلام بالحادث وبعض الشائعات التي تناثرت حوله بدأت يوم الخميس 26 مايو، وأبرزتها مانشيتات صحف الجمعة، 27 مايو، على نحو ضخم ومبالغ فيه إلى حد بعيد.

أما في حالة المواطن المسلم، فرغم حالة الغضب التي انتشرت بين أهالي العباسية جراء مقتل المواطن حسين فرغلي، صاحب ورشة، جراء التعذيب على يد ضباط قسم الوايلي، حيث تم احتجازه دون إذن من النيابة؛ بسبب خلافات على قطعة أرض مع أحد أصدقاء والد ضابط مباحث بالقسم، وفي ذات الوقت هو عضو ببرلمان العسكر عن دائرة باب الشعرية. وبحسب الأهالي فإن الواقعة بدأت فجر الأربعاء 25 مايو، بعدما داهمت قوات الأمن الورشة الخاصة بالقتيل؛ بزعم اختطافه صاحب قطعة أرض ملاصقة لورشة الضحية.

ويلخص أحد أهالي المنطقة القصة بقوله: «الشرطة تعدت بالضرب المبرح على القتيل وزوجته وابنه الشاب، على مرأى ومسمع من أهالى الحى، وبعد كام ساعة جالنا خبر الحاج حسين»، وأبدى المواطن غضبه الشديد من هذه الممارسات الإجرامية، من شرطة أدمنت سفك دماء المصريين دون مساءلة أو حساب. ولم تكتف ميليشيات السيسي من عناصر الشرطة بقتل صاحب الورشة، بل قامت أيضا باحتجاز زوجة الضحية وابنه وابنته بتهمة مقاومة السلطات والتعدي على رجال الأمن".

ورغم بشاعة الحادث، إلا أن التناول الإعلامي كان هامشيا، وتجاهلته معظم وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، ويمكن ببساطة قراءة عشرات المانشيتات في الصحف عن تعرية السيدة القبطية، رغم أنها شائعة ولن تجد أي "مانشيت" عن جريمة مقتل المواطن المسلم حسين فرغلي، ابن حي العباسية، رغم أنها حقيقة وموثقة بالصوت والصورة!.

السيسي من جانبه قدم اعتذارا للسيدة القبطية، اليوم، خلال افتتاحه مشروع الأسمرات، وقال: "نكن لكم كل التقدير والاحترام، ولا نقبل أن يكشف سترنا لأي سبب من الأسباب، مؤكدًا أن القانون سيأخذ مجراه، على أي مخطئ مهما كان عدده".

ووصفت الكنيسة الأرثوذكسية اعتذار السيسي لـ"سيدة المنيا" بأنه "تعزيز" للمواطنة"، ومؤشر جيد باتجاه حل الأزمة، على أرضية القانون.

وقال الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا: إن تصريحات السيسي تحمل ردا على كل من حاول الاستخفاف بالأمر. ورأى- في تصريحات صحفية- أن تصريحات السيسي بشأن إعلاء سيادة القانون أثلجت الصدور وردت الاعتبار.

واعتبر القس بولس حليم، المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية، خطاب السيسي بشأن واقعة الاعتداء على سيدة "قرية الكرم"- سعاد ثابت- بأنه يدعم المساواة بين المصريين جميعًا على أساس "المواطنة"، دون تمييز ديني.

وأضاف- في تصريحات صحفية اليوم- أن الخطاب الذي تضمن رسائل واضحة بشأن إعلاء سيادة القانون يقطع الطريق على المزايدين، ويعد مؤشرًا جيدًا لحل الأزمة.

لماذا لم يعتذر السيسي لقتيل الوايلي؟

وبحسب مراقبين، فإن هناك حالة من التفرقة والتمييز في تعامل السيسي ونظامه وإعلامه، حيث اعتذر السيسي للسيدة القبطية وتجاهل تماما مواطن "الوايلي"، وتحدث عن دولة القانون في حالة السيدة، وغابت تماما هذه التصريحات في حالة مقتل مواطن "الوايلي"، وهو ما يعكس حالة الشيزوفرينيا التي يعاني منها السيسي ونظامه وإعلامه.

هذه المقارنة كشفت عن أننا أمام موازين مختلة ومعايير ليست واحدة، وأن التمييز والعنصرية يوجهان سياسات النظام وطريقة تعامله مع كل حالة على حدة، فبينما يتم الاعتذار للسيدة القبطية وتضخيم الشائعات التي تناولت تعريتها، في ذات الوقت يتم تجاهل المواطن الآخر، ويشير إليه الإعلام على استحياء وبصورة هامشية لا ترقى إلى مستوى الجريمة البشعة، وهي قتل نفس بغير حق.

وبحسب مراقبين، فإن سبب اهتمام السيسي وإعلامه بحالة السيدة القبطية أن وراءها كنيسة لها الكثير من "الجمايل" على نظام السيسي؛ منها أن الأقباط كانوا الأكثرية في مظاهرات 30 يونيو التي مهدت لانقلاب السيسي، في 3 يوليو، عبر تفاهمات تمت بين الكنيسة وأجهزة سيادية بالدولة، وتم "تستيف" المؤامرة على أول رئيس مدني منتخب، ولذلك لا يستطيع السيسي أن ينسى هذه "الجمايل".

ويرى آخرون أن جريمة قتيل الوايلي تمت على يد ضباط الشرطة، والسيسي يخشى من مواجهة هؤلاء رغم كثرة جرائمهم بحق الشعب؛ خوفا من تمردهم عليه في ظل أجواء تعكس حالة من الفلتان، وعدم قدرة السيسي على ضبط إيقاع صراع الأجهزة على السيطرة والنفوذ.

Facebook Comments