كتب أحمدي البنهاوي:

خلص الكاتب والناشط الاشتراكي تامر وجيه إلى أن العقلية التي تسيطر على الانقلاب، وليس على السيسي فقط، هي الاهتمام بفئات ضئيلة، حجما وكيفا، من الشعب وتلميعها وترك بقية الجماهير أو أغلبية الشعب المقهورة خارج الإطار يتعفنون ببطء.

وكتب وجيه -في منشور عبر حسابه على "فيس بوك"- "هو ده المخ اللي شغال ومسيطر، مش على السيسي بس، لا على المنظومة كلها.. الفكرة مش بس إننا نعمل معرض شيك -لأغراض سياحية- يضم حفنة ضئيلة فخمة ومستحمية (بس أخلاقها في الحضيض طبعا)، والباقي برة الكادر، يتعفنون ببطء، لكن كمان إن نمط "التنمية" عندنا يكون قائم على اللاتنمية، على زيادة نهب الأفقر، وعمل مناظر وهمية".

واستعرض "وجيه" نمط تلك "التنمية" المزعومة التي تتمثل في "مهرجان القاهرة السينمائي 39" فيقول: "شاهدت جزءًا من افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي ٣٩، وعاينت البهرجة والفخفخة، وسمعت النجوم وهم يشيدون، جميعًا، بالتنظيم الرائع والفخامة التي لا تضاهى، ومنهم مثلًا ليلى علوي التي أشادت بـ"التحدر" (تقصد التحضر) ووصفت الحدث بأنه classy.

وأضاف "النغمة الرئيسية في هذا اليوم كانت إن "هي دي مصر اللي احنا عايزينها".. أيوه هي دي مصر: المكان الفخم، الناس النضيفة، البدل السموكن، السواريهات، الستات الحلوة، الرجالة الشيك، و ..DMC".

كتلة الغاطس
وحذر تامر وجيه من أن تلك ليست مصر قائلا: "لكن طبعًا كلنا عارفين إن فيه مصر تانية خالص، سماها رشدي سعيد (أستاذ الجيولوجيا الشهير) بالـ"كتلة الغاطسة"، يعني الكتلة اللي مبتطلعش في DMC مصر التانية دي بتنعزل تمامًا، وبشكل متزايد، عن مصر اللي كانت في افتتاح المهرجان (تقول الإحصاءات إن مصر بقت من أكثر الدول في العالم من حيث معدلات اللامساواة)".

وأشار إلى أن ما يتم التعامل به من قبل الانقلاب هو "فكرة "المعرض" -يعني التعامل مع العالم بوصفه معرض- فكرة قديمة ولصيقة بالحداثة.. مثلًا الفكرة دي كانت خيط مهم وأساسي في كتاب تيموثي ميتشيل "استعمار مصر"، اللي اتكلم فيها عن تحول مصر إلى "بلد حديثة"، وإزاي ده ارتبط بالسيطرة على الأجساد وقولبة البشر والمكان والزمان، لكنه كمان ارتبط بعرض مصر في المعرض، كما لو إننا مش عايشين الحياة بشكل عضوي، وإنما بنعرض نفسنا لـ"آخر ما" بشياكة وحلاوة.

فكرة "المعرض"
وأوضح "وجيه" أنه "انطلاقًا من الفكرة دي نقدر نقول إن "المعرض" اللي حصل في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، وقبل كده في مؤتمر الشباب العالمي، وقبل كده في مليون حدث وحدث، شيء طبيعي وجزء من الحداثة: إنك تعزل حتة من المنظومة المعفنة وتلمعها وتعرضها وتكون هي دي مصر".

وتابع "لكن لا مش هو ده اللي حاصل عندنا.. اللي حاصل عندنا أعمق من كده.. من شهر واحد بس صرح عبد الفتاح السيسي في الاحتفال بخريجي "مبادرة الرئيس لتكنولوجيا المستقبل" بأنه: "يمكن منقدرش نهتم بـ100 مليون كويس لكن نقدر نهتم بالمتميزين".

وأضاف "الفكرة في العاصمة الإدارية الجديدة مش ممكن تتفهم إلا كده.. اللي معتبرين العاصمة دي بتتعمل لسبب أمني شايفين ربع الحقيقة، يمكن ده هو الحال بالنسبة لبعض الحتت فيها.. لكن الفكرة على بعضها هي إننا نترك القديم يتعفن ونعمل حاجة جديدة على نضافة للربع في المية المعزولين".

وألمح إلى أن ما يقوم به الانقلاب هو استعادة لـ"عقلية ارستقراطية العصور الوسطى القائمة التي تقوم على عزل النبلاء عن الرعاع.. ما يعبر بفجاجة عن مرحلة وحالة من حالات الرأسمالية".

وأن "عقلية العصور الوسطى اللي بنشوفها بترجع تاني بعد زمن طويل من انتهائها تمثل في رأيي تحول مهم في تاريخ الرأسمالية: التحول من مرحلة "المواطن" إلى مرحلة "الزبون"، موضحا أن هناك "تقارب أكبر وأكبر -مظهري- بين الطبقات"، وأن عملية إنتاج العزلة -المادية والأخلاقية- بين الأقلية والأغلبية، على أرضية فكرة الزبون: معاك فلوس يبقى ينفع تخش النادي بتاع الأغنيا، مش معاك يا تيجي كخدام، يا تقعد في مستنقعات الزبالة والفقر اللي بره".

معركة فاصلة
واستغرب "وجيه" ختاما مواقف بعض "الثوريين" وقال: "..بيحزنني إن تقدميين وثوريين تبقى مشكلتهم مع النظام هي عدم شياكته وعدم كفاءته، يعني عدم قدرته على تحقيق منظومة العزلة بشكل كويس، كما لو أنه لو كان قادر يعمل مؤتمر شيك ولا مهرجان ناجح تبقى مشاكل مصر اتحلت.. فشل الحكام في عمل حاجة شيك دليل طبعا على رداءة فوق رداءة، لكن مش هو أساس الأزمة.. الأزمة هي في قهر الأغلبية وإخراجها بره الأسوار".

وأوضح أن "الأغلبية مش شبه أقنان وفلاحي زمان، مع الاحترام الكبير لهؤلاء.. دول ناس تانية، وضع موضوعي تاني، وأخلاق تانية، ومن ثم فإن ما سنشهده جراء هذا التوحش وهذه العنجهية، على خلفية أزمات اقتصادية كبرى جاية، هو معركة مهولة وطويلة، يا إما تنتهي بالخراب، يا إما تنتهي بتأسيس عصر جديد، عصر إنساني حقًّا".

Facebook Comments