كتب: أسامة حمدان

فجأة قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سحب قوات الاحتلال الروسية من سوريا، ويرى مراقبون أن ثمة علاقة بين هذا القرار، وبدء مفاوضات تسوية الأزمة السورية في جنيف، والتقارير التي تتحدث عن توافقات بين القوى الكبرى، بهذا الشأن.

 

من جهته وصف مدير مكتب الجزيرة في موسكو، "زاور شوج" قرار بوتين بالخطوة المفاجئة، باعتبار أن الروس وضعوا سقفا زمنيا مفتوحا لتدخلهم العسكري، يتراوح بين 12 و18 شهرا.

 

وكان بوتين وجّه وزير دفاعه مساء الاثنين لبدء سحب الجيش من سوريا، اعتبارا من اليوم الثلاثاء؛ نظرا "لإنهائها تنفيذ مهماتها"، وشدد

خلال اجتماع مع وزيري الدفاع والخارجية في الكرملين على ضرورة تكثيف الدور الروسي، في العملية السياسية لإنهاء الصراع في سوريا، وقال متحدث باسم الكرملين "ديمتري بوسكوف"، إن :"بوتين أبلغ بشار الأسد هاتفيا بالقرار الروسي".

 

فهل تخلّى بوتين عن حليفه بشّار أم في الامر صفقة غير واضحة المعالم؟

 

انهيار اقتصادي

تقول التقارير الواردة من موسكو أن الاقتصاد الروسي لا يمكنه تحمل المزيد من تكلفة الحرب في سوريا و هذه حقيقة لا ينكرها الخبراء الروس أنفسهم، فمع انهيار اسعار النفط، مصدر الدخل الرئيسي للبلاد،لا يمكن للروس تحمّل أعباء القتال في معركة غير مضمونة النتائج،ولكن من غير المعقول أن يكون الاقتصاد وحده العامل الذي جعل من بوتين يتخذ قرار الانسحاب، و ترك حليفه بشار يصارع ثورة شعبية عارمة تطالب برأسه حيا أو ميتا.

 

وقبل أيام قليلة، زار رئيس الوزراء التركي ايران والتقى بالرئيس الايراني روحاني في طهران، و من المرجح أن يكونا قد توصّلا لتفاهمات، تمهّد لقرار انسحاب روسيا من سوريا، وإن لم يكشف الاتراك ولا الايرانيين عن فحوى تلك التفاهمات، فإنّ مصادر مطّلعة و جديرة بالثقة تؤكد توافقا ما بين القوتين الابرز في المنطقة، على تفادي الاسوء في سوريا، خاصّة مع تلويح المملكة السعودية بالتدخل في الصراع المستمرّ، منذ اربع سنوات، والذي راح ضحيته مئات الالاف من الابرياء، بين شهيد و لاجئين في شتى اصقاع الارض.

و من المؤكد أن حكومة الرئيس أردوغان عملت مع الايرانيين، على ضرورة اقناع الروس بالمغادرة، حتى لا يتطور الامر الى حرب واسعة النطاق، في المنطقة وهو ما يخشاه الجميع.

 

مصير بشار

وربط مراقبون بين قرار الانسحاب من سوريا بالتصعيد العسكري، في شرق أوكرانيا خلال الفترة الأخيرة، وبخطر تنظيم الدولة الإسلامية والتنظيمات الجهادية في منطقة آسيا الوسطى، إضافة إلى الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد، حيث يسعى بوتين إلى الخروج من اللعبة بأقل الخسائر.

 

غير أن التساؤل الكبير يتعلق بمصير الأسد، وهل سيتركه بوتين وحيدا ويتخلى عنه، وهو الذي دعمه وأسهم إلى حد ما في تغيير موازين القوى على الأرض، وما مصير مفاوضات جنيف بين النظام والمعارضة السورية في ضوء قرار بوتين؟

 

يتحدث البعض و لو بشئ من الهمس عن تقسيم سورية الى دويلات صغيرة، على أساس طائفي و عرقي،و رغم انكار كلّ من المعارضة والنظام لهذا السيناريو، فإنّ شبح التقسيم يبدو حاضرا بقوّة في المشهد السوري، و لا يمكن لأحد أن ينكره أو يغضّ الطرف عن واقع ميداني قد تشكّل.

 

العلويون في الساحل السوري،وهم الخاسر الاكبر من انسحاب القوات الروسية،لن يتخلُّوا بأي حالٍ من الأحوال عن مناطق نفوذهم و سيطرتهم أو أن يرضخوا لحكم أهل السنة في المستقبل القريب.

 

والأكراد بدورهم ليس لهم نية التخلي عن مواقعهم التي سيطروا عليها بقوة السلاح، و دفعوا من أجلها الاف القتلى، و لا أحد منهم سينسى ملحمة كوباني ضدّ تنظيم الدولة، و لا حلما قديما في تأسيس دولة، و كذا بالنسبة لبقية الطوائف سيدافع كلّ منها عن ارض معركته الاخيرة.

 

ولا أحد الآن يمكنه الحديث بثقة عن حلّ سياسي يرضي جميع الاطراف المتصارعة في سورية ،رغم تأييد المجتمع الدولي لذلك خوفا من

تفاقم الوضع و خروجه عن السيطرة، و لن يكون هذا الحلّ إلاّ بجلوس جميع الاطراف على نفس الطاولة ،واقناع بعضها بعضا بأهمية وقف نزيف دمشق و حلب و بقية المدن السورية ،التي تعب أهلها من صوت الرصاص و البراميل المتفجرة و هجمات "داعش" التي لا ترحم.

 

ومن المستبعد اقناع زعماء المعارضة السورية ببقاء بشار الاسد رئيسا للبلاد، خلال مرحلة انتقالية، فالهوة بين الطرفين صارت عميقة، الى حدود لا يمكن لاحد ردم و لو جزء يسير منها.

 

المستنقع السوري

الكاتب والباحث السياسي محمد زاهد غل وصف من جهته الخطوة "بالشجاعة" التي ربما قد تكون مدخلا لإعادة تطبيع العلاقات بين موسكو وأنقرة، بعد التوتر الذي شهدته في المدة الأخيرة، ورجح أن تسهم الخطوة أيضا في خلق توازنات جديدة في المنطقة تسهم في إيجاد حل سياسي للأزمة السورية.

 

وأثار غل بدوره تساؤلات حول التوافقات التي تكون قد حصلت ودفعت بوتين إلى اتخاذ هذا القرار، وقال إن الروس الذين دفعوا دفعا لدخول المستنقع السوري، يريدون تحقيق أهدافهم بالمفاوضات بعد أن فشلوا في تحقيقها على الأرض، حيث إنهم لم يتمكنوا من دحر المعارضة السورية وتقوية حليفهم الأسد.

 

ورأى أن الروس أدركوا أن بقاءهم العسكري في سوريا لم يعد مهما، ولم يستبعد حصول توافق بينهم وبين الأميركيين بهذا الشأن، وأن الإيرانيين أيضا أدركوا عجزهم عن تحقيق أي نصر على حساب المعارضة والشعب السوري، وحذر الكاتب والباحث السياسي السوريين من محاولات الالتفاف عليهم، وهذه المرة عن طريق المفاوضات.

 

أما الخبير في العلاقات الدولية جوشوا واكر فاستبعد أن يكون هناك أي تنسيق بين موسكو وواشنطن بشأن قرار الانسحاب الروسي من سوريا، وقال إن الخطوة جاءت في توقيت مهم جدا، لكنه ربطها بحسابات روسية في القرم وأوكرانيا، إضافة إلى الوضع الاقتصادي في البلاد.

 

وبشأن مدى تأثير الخطوة الروسية على مفاوضات جنيف، أوضح واكر أن موسكو تأمل أن تكون لها توافقات حتى تظهر كأنها انتصرت في سوريا، وأن حليفها الأسد انتصر، وأشار إلى أن الروس يدركون أن الأسد انتهى، وتساءل في السياق نفسه عن قدرة الإيرانيين على تأمين الأسد بعد انسحاب روسيا من سوريا.

 

وشكك واكر -وهو مستشار سابق لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الأميركية- في نوايا روسيا، وحذر واشنطن من أن موسكو ستواصل التنافس مع القوى الكبرى.

Facebook Comments