بكار النوبي
أرجع المحلل السياسي والأكاديمي الدكتور خليل العناني حالة الفشل والوهن الراهنة، إلى حالة النهب والاستنزاف التي تعرضت لها البلاد في العقود الثلاثة الماضية، بعدما وضع العسكر أيديهم على كل مؤسسات الدولة وأرضها واقتصادها بشكل مباشر وغير مباشر، وفي ظل عدم وجود أية قوة أو مؤسسة يمكنها إحداث قدر من التوازن مع المؤسسة العسكرية.

جاء ذلك في مقال للكاتب بعنوان «إعادة صياغة النفوذ في مصر» في عدد اليوم من صحيفة "العربي الجديد".

يقول العناني: «استمر الحضور العسكري في مؤسسات الدولة، طوال العقود التي تلت الفترة الناصرية، من خلال منطق الصفقات السيادية التي نسجتها، وحدّدت أطرها العلاقة الزبائنية بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسات السلطة والنفوذ، كالجيش والمخابرات والشرطة، وإنْ بدرجة أقل. كما جرت عملية إعادة تدوير للقيادات العسكرية والأمنية، بمختلف مكوناتها، داخل مؤسسات الدولة المدنية، فانتقل الحضور العسكري من الثكنات إلى الوزارات والمحافظات والإدارات المدنية المختلفة. وهو ما قام الرئيس المخلوع حسني مبارك بـ"مأسسته"، وتوسيع نطاقه، ليشمل فئات أخرى، كالقضاة ورجال الأعمال الذين تحولوا إلى فئات ذات امتيازات خاصة مقابل الصمت على توحش السلطة وبطشها بالمجتمع».

وحول دور ثورة يناير وتصديها لهذا النفود يضيف العناني «ولئن كانت ثورة 25 يناير بمثابة المحاولة الحقيقية الأولى لتفكيك هذه الأوضاع والعلاقات والصفقات، من خلال إشراك المجتمع والشعب في صياغة أو إعادة صياغة معادلةٍ جديدةٍ للحكم تصب في تحقيق مصالحه كمصدر للسلطة والشرعية، فإن انقلاب الثالث من يوليو/ تموز 2013 قد أدى ليس فقط إلى ترسيخ الوضع القديم لعلاقات القوة والنفوذ، وإنما أيضا لإكسابها بعدا شعبويا، ومحاولة شرعنتها تحت الشعار البائس "تحيا مصر"، ومصر هنا قطعا ليست مصر "الشعب"، وإنما مصر "الدولة"، وإن كانت دولة باطشة وطائشة وعاجزة».
وحول خطة السيسي لإعادة توزيع دوائر النفوذ يقول العناني: «لم يكن أمام عبد الفتاح السيسي، وهو الذي لا يحمل أي نوع من الشرعية، سواء المكتسبة مهنيا أو المنجَزة سياسيا أو تاريخيا، إلا أن يحاول استرضاء واستمالة الطوائف والفئات التي تمتلك النفوذ والتأثير، إما لكسب ولائها ودعمها، أو محاولة تحييدها مؤقتا، قبل السيطرة عليها. فكان أن بسط يد المتنفذين داخل المؤسسة العسكرية، لكي يسيطروا ويهيمنوا على الاقتصاد والمجتمع والناس والمؤسسات، بل وأن يعتبروها حقا مكتسبا، لا يمكن لأحد مساءلتهم عليه، وذلك نتيجة دورهم المزعوم في "إنقاذ مصر من حكم الإخوان"».

ويتابع المقال موضحا «بكلمات أخرى، ما حدث بعد انقلاب يوليو نوع من الصفقة، أو العقد «السيواقتصادي» بين السيسي وبقية الجنرالات والباشوات، حول تقسيم الكعكة التي ورثوها من مبارك، ولو على حساب فئات أخرى، كانت تمثل يوما أحد الداعمين الأساسيين لنظام الحكم، كرجال الأعمال والبيروقراطية، الذين يبدون الآن تذمرا واضحا (وإن لم يكن تمردا) من هيمنة العسكر، وحيازتهم على كل شيء، المال والنفوذ والوجاهة الاجتماعية».

ويتابع «اللافت أيضا، حسبما هو متداول في بعض الدوائر القريبة من السيسي، أن الرجل يعيد بشكل حثيث هيكلة دائرة نفوذه، من خلال بناء "مركز قوة" جديد داخل مؤسسة الرئاسة من الموالين والتابعين له الذين عملوا معه في جهاز المخابرات الحربية ووزارة الدفاع عندما تولى قيادتها، على حساب مؤسساتٍ أخرى، كالمخابرات العامة والجيش والشرطة، وهو ما قد يفسر حالة الصراع المكتوم بين هذه الأطراف، ويظهر بجلاء في الدوائر الإعلامية المحسوبة على كل منها».

ويبدى العناني اندهاشه من هذه المخططات في ظل تتابع الكوارث اليومية «يحدث هذا بينما يتعاطى النظام العسكري الحالي بقدر عالٍ من الاستخفاف والرعونة في التعاطي مع هذه الأزمات والكوارث، ولا يتوقف إعلامه ومؤيدوه عن ترويج خزعبلات وترهات "المؤامرات" الخارجية على مصر، كما حدث أخيرا مع البيان الذي أصدره الاتحاد الأوروبي، تعليقا على حادثة مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني الذي تم اختطافه وتعذيبه وقتله وإلقاؤه على الطريق في حالةٍ بائسة، وقد أدان البيان هذا الفعل البشع، ووجّه انتقادات لاذعة للحكومة المصرية على ما حدث، مطالبا حكومات الاتحاد الأوروبي بوقف مساعداتها لمصر».

ويسرد العناني نماذج من الأزمات المتعددة التي يقف أمامها السيسي عاجزا قائلا: «يسري ذلك أيضا على أزماتٍ أخرى، ليس أقلها الأزمة المالية الخانقة التي يمر بها الاقتصاد المصري، وأدت إلى تراجع سعر الجنيه في مقابل الدولار بشكل غير مسبوق خلال أكثر من نصف قرن، وأزمة انحسار مياه النيل، نتيجة بناء سد النهضة الإثيوبي، وأزمة تراجع السياحة، نتيجة فشل السياسات الحكومية في جذب السياح، خصوصا بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية في شرم الشيخ أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والتي لا يزال الخروج منها لغزا كبيرا؛ نظرا للثمن الذي قد تدفعه مصر، نتيجة رعونة الحكم العسكري في التعاطي معها».

ويضيف الكاتب «هذا ناهيك عن الأزمات الأخرى التي قد لا تحظى بالاهتمام الإعلامي، لكنها تؤثر على حياة المواطنين العاديين، مثل الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وانهيار الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والبنية التحتية».

ويرى الكاتب أن «حجم السخرية التي يتعاطى بها الشعب مع مشكلاته وكوارثه، والتي عادة ما تمثل مؤشرا مهما على سخونة الأوضاع في قاع المجتمع، وتزايد احتمالات الانفجار المجتمعي والغضب الشعبي، كما كانت هي الحال قبل هزيمة 1967،»، ويختم بتساؤل مثير«هل نحن على وشك أن نشهد ذلك؟!» في إشارة إلى انفجار شعبي عظيم لا يبقى ولا يذر.
 

Facebook Comments