كتب: جميل نظمي

بدلا من الحض على وقف الفساد ودعم محاربيه وليس حبسهم كما فعل بهشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بالأمس، وبدلا من تحصيل رسوم وضرائب من الأنشطة التجارية والاقتصادية للمؤسسات العسكرية التي طردت المستثمرين وابتلعت أراضي وموارد البلاد دون تقديم حتى ضريبة أو رسوم لخزينة الدولة، تنطلق أبواق السيسي التي تتقرب إلى السيسي من أجل البقاء على سلم وظيفتها المهددة بالفساد، انطلق صبري عبادة مستشار وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب إلى تخصيص زكاة أموالهم وصدقاتهم لصالح صندوق "تحيا مصر"، زاعما أن الأموال التى تضع في صندوق دعم مصر، والصناديق الرسمية للدولة من أجل بناء الوطن تصل إلى الله عز وجل.

وقال "عبادة" -فى مداخلة هاتفية مع الإعلامية إنجي أنور، ببرنامج "مساء القاهرة" على قناة "ten" مساء الأربعاء-: إن "التضامن والوحدة الوطنية من أهم مقومات الإسلام".

وأضاف: "يجب على كل مصري في رمضان أن يشارك مشاركة إيجابية.. ولازم كل مواطن يعلم أن صدقة إفطار رمضان التى يخصصها لصندوق دعم مصر ستصل إلى الله".

وشدد على أنه: "لا بد أن يفهم الوطن كله، بمسلميه ومسيحييه، أنه لو أخرج أحد زكاة إفطار رمضان بعشرة جنيهات، ووضعها في صندوق "تحيا مصر"، فهو يقدم الزكاة لإله يعلم نوايا الإنسان"، متابعًا: "يلا نبني مصر في رمضان، ونشارك مشاركة إيجابية".

وتابع مستشار وزير الأوقاف، قائلًا: "صندوق تحيا مصر بمثابة وعاء زكاة، بل ربما يكون أعلى وأعظم؛ لأنه يراعي ويعالج القضايا المهمة"، مضيفًا: "التاريخ سيذكر أن هذا الصندوق هو من أهم مقومات وملامح المرحلة الحالية".

ومن ضمن فتاوى الانبطاح والتزلف لقائد الانقلاب، ما زعمه عبادة، في مداخلة هاتفية مع الإعلامي المعتز بالله عبد الفتاح، في برنامج "90 دقيقة"، في وقت سابق، بأنّ "الأمر استقرّ، وتمّت البيعة لولي الأمر، وهو عبدالفتاح السيسي، والخروج عليه يعتبر خروجاً على ثوابت الإسلام"، مضيفاً أن "الصلاة دليل إيمان ولي الأمر، وبالتالي لا يجوز الخروج عليه بعدما استقرت له البيعة الإسلامية من خلال الانتخابات، وبيعة أهل الحل والعقد من كبار المشايخ، كما لا يجب الخروج عليه بأي عدوان، ومنها التظاهرات"، متناسيا دعمه التظاهرات والانقلاب على الرئيس الذي انتخبته الجماهير في أول انتخابات حرة تشهدها مصر في 2012.

دعم صندوق نهب السيسي
في نوفمبر  2015م، أجازت دار الإفتاء المصرية، التبرع لصالح "صندوق تحيا مصر"، من الناحية الشرعية، وكذلك دفع أموال الزكاة والصدقات.

وفي 9 نوفمبر الماضي، أجازت دار الإفتاء المصرية، دفع أموال الزكاة لإصلاح شبكات الصرف التي تعمل على تصريف مياه الأمطار المتراكمة، وكذلك دفعها لإنشاء مخيمات إيواء للمصابين في أحداث السيول التي أوْدت بمساكنهم، الشتاء الماضي. وأضافت الدار، أن دفع الزكاة لإصلاح شبكات الصرف التي تعمل على تصريف مياه الأمطار جائز شرعاً تقليداً لمن وسّع من مفهوم مصرف في سبيل الله وجعله شاملا لكل المصالح العمومية للمسلمين.

وقبيل الانتخابات البرلمانية الماضية، أفتى شيخ الأزهر أحمد الطيب، بتشبيه مُقاطِع الانتخابات البرلمانية في مصر، بـ"العاق لوالديه".

ومنذ انقلاب السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي، حرص على استدعاء الدين الإسلامي والمسيحي، في محاولة للتأثير على قناعات الشعب المصري، الذي يتّجه بغالبيته إلى القيم الدينية، بوصفه شعباً يميل إلى أن يكون محافظاً.

كما ركّز السيسي في خطاباته على دور المؤسسة الدينية، مطالباً إياها بتجديد الخطاب الديني، وتحريره من قيود الظلامية، التي يلتحف بها معارضوه، كما يصوّرهم السيسي وإعلامه.

ومنذ تلك اللحظة، فهمت المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية الرسالة السرية، فتسارعت وتيرة المساندة الدينية بالفتاوى والآراء المواكبة لأزمات النظام وقائده، بشكل يؤكد أن المؤسسات الإسلامية في مصر في عهد السيسي باتت أكثر من مجرد أدوات دعم للنظام، بل أضحت جزءاً من الطغيان نفسه.

وانتعشت بورصة الفتاوى السياسية في مصر ووُجهت بالأساس ضد معارضي النظام، للتغطية على السياسات الخاطئة وقمع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحرية.. واستبقت الفتاوى القرارات السياسية في تناغم غير مسبوق.

ودأبت مشيخة الأزهر على الدفع بأعضائها للإشادة بالسيسي، ووصلت المبالغة في الثناء عليه إلى تشبيه السيسي بالأنبياء، وإصدار فتاوى تُجيز فقء عيون معارضيه، في توظيف للدين لخدمة السلطة.

وتعددت تصريحات المشايخ المشيدة بالسيسي والمهاجمة لمعارضيه، كإجازة أستاذ الشريعة في الأزهر، الدكتور عطية عبد الموجود، للسيسي أن يفقأ عيون المصريين إن كان ينفّذ في ذلك شرع الله. وإلى جانب ذلك، أفتى أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة بتجريم ترديد شعار "يسقط حكم العسكر".

وذهب أستاذ الفقه في جامعة الأزهر، الدكتور سعد الدين الهلالي، إلى وصف السيسي ووزير الداخلية السابق، محمد إبراهيم، بأنهما "رسولان بعثهما الله لحماية الدين". وقال الهلالي، إن "الله بعث رجلين هما السيسي وإبراهيم، كما أرسل من قبل موسى وهارون.

كما وصف وكيل وزارة الأوقاف، الشيخ سالم عبدالجليل، معارضي السيسي بأنهم "بغاة يجب قتلهم". وحرّض المفتي السابق، علي جمعة، علناً، على قتل المعتصمين في ميدانَي رابعة والنهضة، قائلاً، "طوبى لمن قتلهم وقتلوه". ثم لاحقاً، قال جمعة، خلال برنامجه "والله أعلم"، على قناة "سي. بي. سي"، إنّ "الأمير الآن يمثّله الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويجب طاعته وعدم عصيانه"، مسترشداً بأحاديث نبوية.

كما تخطى الأمر كل ما سبق ذكره، ليصبح الطلاق على الهوية في عهد السيسي، بنص فتوى إمام وخطيب مسجد عمر مكرم، مظهر شاهين، قائلاً، "كل زوج يجد زوجته تابعة للإخوان عليه أن يطلقها"، وذلك على غير دليل من الكتاب والسنة بإباحة تطليق "الزوجة الإخوانية"، مكرّساً بذلك القطيعة المجتمعية التي يسعى إلى بثّها النظام الحالي ضد معارضيه.

وأضاف، أنّه "من غير المعقول أن تكتشف أن زوجتك التي تنام جوارك هي خلية نائمة تابعة للجماعة الإرهابية وأنت لا تعلم"، متابعاً، "لا مانع أن يضحّي الرجل بزوجته إذا كان هذا في مصلحة الوطن، فالتضحية بالأشخاص واجب في سبيل الوطن".

وفي اليوم التالي لهذه الفتوى التي أثارت عاصفة من ردود الأفعال المستهجنة، خرجت عضو لجنة السياسات في الحزب "الوطني"، عميدة كلية الدراسات الإسلامية بنات في جامعة الأزهر سابقاً، الدكتورة سعاد صالح، الملقبة بـ"مفتية النساء"، بفتوى تبيح، "فسخ خطبة الشاب من خطيبته إذا كانت تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، بدعوى الحفاظ على الأسرة والدين ومصلحة العائلة والوطن.

أرقام متضاربة
يشار إلى أنه في 25 فبراير الماضي، كشف السيسي، عن حصيلة صندوق "تحيا مصر"، والذي ظل لغزا للمصريين طيلة العامين الماضيين، فقد كشف السيسي ولأول مرة عن أن الأموال التي تلقاها الصندوق تبلغ 4.7 مليارات جنيه (600 مليون دولار).

ويقول مراقبون إن حجم الأموال التي تم الإعلان عن تلقيها لصالح الصندوق منذ إنشائه تفوق بكثير الرقم الذي أعلن عنه السيسي، متسائلين عن مصير بقية الأموال التي تلقاها.

ودشنت الرئاسة المصرية في يوليو 2014 صندوق "تحيا مصر" تفعيلا للمبادرة التي أعلنها السيسي بإنشاء صندوق لدعم الاقتصاد، وقال السيسي حينها إنه يستهدف جمع ما يصل إلى مائة مليار جنيه (12.7 مليار دولار).

واستجاب رجال أعمال ومواطنون لدعوة السيسي حينها للتبرع، كما قرر الجيش المصري في يونيو الماضي التبرع بمليار جنيه للصندوق، إضافة إلى تبرع شركة أوراسكوم وعائلة ساويرس بنحو 3 مليارات جنيه.

وإضافة إلى تبرعات الجيش المصري وعائلة ساويرس، أعلن حينها محمد الأمين عن التبرع بمبلغ 1.2 مليار جنيه، وكذلك عامر جروب بمبلغ 500 مليون جنيه، إضافة إلى تبرع المصارف المصرية بمبلغ 300 مليون جنيه، ومحمد فريد خميس بمبلغ 30 مليون جنيه، وكذلك أحمد أبو هشيمة بمبلغ 100 مليون جنيه، وأحمد بهجت أعلن عن التبرع بـ30% من الأسهم المملوكة له بشركاته.

كما أعلن أيمن الجميل عن التبرع بمبلغ 150 مليون جنيه، وكذا محمد أبوالعينين بمبلغ 250 مليون جنيه، إضافة إلى حسن راتب بمبلغ 100 مليون جنيه، وصلاح دياب بمبلغ 6.5 ملايين دولار، وكذلك شركة جهينة بمبلغ 50 مليون جنيه.

وأعلن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عن التبرع بمبلغ 5 ملايين جنيه، كما أعلنت الدكتورة نوال الدجوي عن التبرع بمبلغ 20 مليون جنيه، إضافة إلى إعلان البنك العربي الإفريقي الدولي عن التبرع بمبلغ 20 مليون جنيه، كما أعلنت شركة مصر القابضة للتأمين عن التبرع بمبلغ 25 مليون جنيه.

وطالب السيسي المصريين بالتبرع للصندوق، في كلمة له في فبراير الماضي، قائلا: "لو كل يوم 10 مليون من 90 مليون مواطن معاهم موبايل يصبّحوا على مصر بجنيه هانجمع 10 مليون جنيه في اليوم.. يعني 300 مليون في الشهر يعني 4 مليار في السنة".

وأضاف: "هقول تعبير صعب جدا جدا.. والله العظيم أنا لو ينفع أتباع لاتباع".

وكان الصندوق قد أعلن خلال الفترة الماضية عن تمويل مجموعة من المشروعات لتطوير العشوائيات وعلاج المرضى بفيروس سي، بالإضافة إلى توفير سيارات تاكسي وعربات نقل مبرد للشباب، إلا أن مراقبين يشككون في حقيقة تلك المشروعات.

والغريب في الفتاوى الداعمة للطغيان انها لم تتعرض مطلقا لسياسات الانقلاب الفاشلة من عينة زيادة ميزانية اللداخلية والقضاء على حساب ميزانية الصحة والتعليم!! وغيرها من مكافآت ومزايا مالية للقضاة ومد خدمة لواءات الجيش 4 سنوات، دون أن يلفظ أحد بكلمة عن مخاطر هذه السياسات!!

Facebook Comments