كتب رانيا قناوي:

في ظل فشل نظام الانقلاب على جميع المستويات السياسية والاقتصادية يثبت كل يوم نظام عبد الفتاح السيسي نجاحه وتفوقه في الاستثمار بالدم، ما بين التحريض على المعارضة، وقتل المعتقلين، والقبض على المتعاطفين مع المظلومين، وما بين حملات فضائيات الانقلاب في المطالبة بتفويض جديد للسيسي للمزيد من القتل والخراب، وحبس صوت الغلابة والمحرومين من الصراخ على أوجاعهم وتجويعهم، في ظل نظام المقايضة الذي يقايضهم بالأمن أو الفقر.

ومع تمخض نظام الانقلاب للتعامل مع ضحايا التفجير الإرهابي الخسيس الذي قتل 330 شهيدا من الساجدين في مسجد قرية الروضة ببئر العبد في شمال سيناء، أمر نظام السيسي على لسان محافظ شمال سيناء عبد الفتاح حرحور بصرف 10 آلاف جنيه لكل أسرة من أسر الشهداء، و5 آلاف جنيه للمصابين، في حين زعمت سلطات الانقلاب بأن السيسي صدق على صرف إعانات تقدر بمائتي ألف جنيه ولم يتسلمها أهالي الضحايا حتى الآن، ليؤكد السيسي أن المصريين لا يمثلون له سوى أرقام يعلن قتلها كل يوم بدم بارد سواء كان بالإهمال أو بالفشل.

ثمن الدم
وفي مقابل الدم، يبتز النظام المصريين، ليفاوضهم على أمنهم ومعيشتهم مقابل استمرارهم على قيد الحياة، ليضعهم بين مطرقة الفقر وسندان الدماء.

ومع أول تعليق لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي على الحادث، الذي لم تتوصل فيه أجهزته الأمنية للجاني الحقيقي، سارع السيسي بإعلان الحرب على المصريين، وقال إن رده سيكون غاشما، كما عود المصريين في كل حادث يذيقهم فيه الرعب والاعتقال والخراب.

وسارت على أجندته كل اجهزته الإعلامية والنيابية، في التحريض على المصريين، ومن بينهم النائب مليجى فتوح عضو لجنة الدفاع والأمن القومي ببرلمان العسكر، الذي طالب بمشروع قانون تخصيص أموال جماعة الإخوان المسلمين لأسر الشهداء والمصابين.

كما قدم النائب محمد عبد الله زين الدين وكيل لجنة النقل والمواصلات ببرلمان العسكر، مشروع قانون يقضى بتخصيص جميع الأموال والممتلكات الخاصة بعدد من المصريين المعارضين للسيسي والمنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وجميع رموز المعارضة، لأسر شهداء ومصابى العمليات الإرهابية.

فضلا عن أنه في كل كارثةٍ من كوارثه التي تعدّدت في تعاقبٍ، بات يستعصي على الإحصاء والحصر، يخرج عبد الفتاح السيسي ليقول في غضب: ليس مسموحاً بالحديث عن تقصير أمني، أو فشل، ثم يبدأ في الاستثمار بالدم، ليعلن عن إنجاز جديد في الخراب الاقتصادي واستغلال الحادث في تجويع المصريين وإذلالهم.

من المسئول؟
ومع هذا الفشل الذي يسير فيه نظام السيسي بقدم وساق، يتأكد أن ثمن بقاء السيسي على كرسي الحكم هو الاستثمار في الدم.

ولعل المتابع لتصريحات السيسي منذ بداية الانقلاب العسكري يجد أن السيسي لا يستطيع أن يبقى علىا لكرسي دقيقة واحدة إلا من خلال الولوج في دماء المصريين، حيث اعتمدت أول تصريحاته بعد وصوله للحكم على مطالبة المصريين بتفويض عام لمحاربة الإرهاب المحتمل

وعلى الرغم من ندرة الأعمال الإرهابية وقت حكم الرئيس محمد مرسي، إلا أن السيسي وجد أن سر استمراره على كرسي الحكم عهو المتاجرة بدماء المصريين، وهي المعادلة التي يستثمر بها في فشله على مدار أربعة سنوات كاملة.

فمع أول تفويض من مؤيدي السيسي باستخدام القوى الغاشمة والمفرطة ضد الرافضين للانقلاب العسكري، انتشرت العمليات الإرهابية، في عهد السيسي، ودفع ثمنها الآلاف من الأبرياء الذين راحوا ضحية مؤمرات السسي وفشله الأمني.

ومع كل حادث إرهابي يروح ضحيته العشرات من المصريين، يظهر السيسي ليعلن أنه بدأ في تضييق الخناق على الإرهابيين، وأن مسألة القضاء على الإرهاب بشكل نهائي لا تحتاج سوى وقت قليل، حصره عام 2015 في ستة شهور فقط، إلأا أنه ومنذ انقلابه عام 2013 يدفع المصريون الثمن يوميا من دمائهم، مقابل مقايضة السيسي ضدهم عن طريق "استمرار الدم أو ترك الحكم"، وبالرغم من ذلك مازال الدم يسيل بشكل يومي رغم مقايضة السيسي الخبيثة.

أرصدة في وعاء الادخار
وعلق الكاتب الصحفي وائل قنديل على متاجرة السيسي بالدماء قائلا: "هذا شخصٌ لا يهمه الدم، وإنما شغله الشاغل كيف يستثمر في الدم، ويحول قطراته إلى أرصدة في وعاء السلطة الإدخاري، وخصماً من مشروع معارضته ومقاومته، على اعتبار أنه، وبمفهوم علم النفس الاجتماعي، كما صاغه المفكر الفرنسي فيليب برو، لا يرى في السلطة سوى ملكية خاصة، يستطيع تكبير السلطة أو تبديدها، ويجني منها فوائد وأرباحا".

وأضاف خلال مقاله بصحيفة "العربي الجديد" اليوم الاثنين، أن ما يفعله السيسي، سيراً على خطى سابقيه من الطغاة الذين يحكمون وفق المنظومة الشمولية التي تمارس إرهاباً أيديولوجياً وبوليسيا على المجتمع، ليس لصالح الدولة ومؤسساتها الرسمية، وإنما لصالح القائد، عبر عدد كبير من المراكز السلطوية المتنافسة، من برلمانٍ صنعه على عينه، إعلام يديره مكتبه الخاص، ورجال دين ومثقفون، يقتاتون من الخدمة في مشروع تأليه القائد، وتكفير كل من يخالفه.

وتابع: "هل كانت زلّة لسان أن "القائد المعصوم" استخدم تعبير القوة الغاشمة، وهو يتحدث عن الانتقام من منفذي الجريمة الإرهابية؟ موضحا أن ذلك كشف عما يدور في رأس القائل، وبما يفضح رغبةً مجنونةً في توظيف الفاجعة، للحصول على مكاسب سلطوية إضافية، وتوفير ملاذاتٍ آمنةٍ للاختباء من وقائع فشلٍ تدور على رؤوس الأشهاد، من السياسة إلى الاقتصاد، ناهيك عن تصاعد الانتهاكات ضد حقوق الإنسان، فضلاً عن تهيئة المناخ لمزيد من سياسات التخريب المتعمد والتدمير المنهجي للمجتمع، بحيث لا يبقى فيه إلا جحافل الإرهاب الإلكتروني وفرق التوحش الإعلامي، تنهض بمهمات النهش في كل من يبدي اختلافاً، كلياً أو جزئياً، مع السلطة الحاكمة". 

Facebook Comments