كتب – جميل نظمي

تفتقت عقلية الانقلاب العسكري عن حلول لأزمة الدولار التي تعبر عن مدى تراجع الاقتصاد المصري وانهياره، وبعيدًا عن تقديم حلول منجزة للنهوض بالاقتصاد، سواء بدعم الصادرات أو تنمية الصناعات والبحث عن الميزات النسبية لقتصاد المصري، وزيادة الاستثمارات التي هربت من مصر مع هروب الديمقراطية.. بدأت أذرع الانقلاب الإعلامية تروج لفكرة "الصفقات المتبادلة" لحل أزمة الدولار، وأفردت صحف اليوم السابع والأهرام.. وغيرهما من المواقع، للحديث عن فكرة المقايضة.

وهي فكرة قديمة تعود لعهود الجاهلية الأولى؛ حيث كان العرب يستخدمونها في ظل غياب النظام النقدي.. وكانوا يتبادلون القماش مثلا والحرير بالحبوب والتمر والزبيب.. وهو نظام انتهى تمامًا مع ظهود النقود.

ومنذ عهد الجاهلية مرورًا بصدر الإسلام، مثلت المقايضة نظامًا في التعاملات التجارية بين العرب، وهو نظام يعتمد على مبادلة سلعة بسلعة أخرى وكل شيء بمثيله، وما لا تحتاجه يمكنك أيضًا يمكنك مقايضته بما يتساوى مع قيمته.

لم تظهر النقود نتيجة الاختراعات الفردية ولم يتم تبادلها وفقًا لعقد اجتماعي وإنما الحاجة الملحة إليها هي التي فرضت وجودها؛ حيث لم تعد المقايضة تناسب التطور الحضاري الذي عم المجتمعات، لما لها من عيوب اغتالت كل مميزات فيها.

واتسم التعامل بالمقايضة بعدم المرونة، ما أدى لكثير من الخلافات بين الشخصين المتعاملين بالمقايضة؛ إذ قد يكون أحدهما لا يرغب بما عند الآخر ولكن من أجل إتمام العملية التبادلية.

كما افتقدت إمكانية تجزئة بعض السلع، فلا مجال للاختيار بين أجزاء الشيء الواحد، أيضا عدم وجود وسيلة عادلة للمساواة بين قيمة السلع المتبادلة وهذا تبادل لا عدل فيه ولا تساوي.

لم يشتمل نظام المقايضة على وسيلة للدفع بالآجل، الأمر الذي يجعل حاجات كثيرة صعبة المنال لعدم وجود ما يمثلها قيمة لمقايضتها به.

الانقلاب يطيح بمِصْر خارج التاريخ
وتقوم فكرة "الصفقات المتبادلة" على تجفيف منابع العملات الأجنبية في أيدي المواطنين، والعودة مرة أخرى إلى نظام الاستيراد من خلال الصفقات المتكافئة، أو شبه المتكافئة لضعف الصناعات المحلية وعدم وجود منتجات تنافس المنتجات العالمية.

ونظرا لعدم وجود منتجات صناعية أو زراعية لدى الاقتصاد المصرى، فيجب إدخال منتجات جديدة إلى تلك الصفقات مثل المنتج السياحى، عندما نقول إن الدولة ممثلة فى هيئة السلع التموينة تقوم باستيراد القمح من روسيا أو فرنسا يمكن عقد صفقة بين الدولتين مصر وروسيا مثلا بالتبادل بينهما تتم مبادلة القمح بمنتجات زراعية مصرية مثل البطاطس، وفى حالة عجز الجانب المصرى عن الالتزام بإرسال المنتجات المصرية يكون هناك بديل عن تلك المنتجات الصناعية بمنتجات أخرى، مثل استضافة عدد معين من السائحين الروس أو الفرنسيين يتم دفع قيمة الاستضافة إلى الفنادق المصرية بالجنيه.

كما يجب الحد من استيراد السلع الكمالية التى لها فى الصناعات المصرية، وذلك ما تفتق عنه أحد الخبراء المقربين من العسكر وهو الدكتور أيمن إبراهيم.

وتضمن المقترح كذلك القضاء على تجارة السوق السوداء من العملات الأجنبية، فى ظل أن القانون المصرى عالج تلك المشكلة، حيث نص قانون البنوك رقم 88 المادة 111 أن يكون التعامل داخل مصر بالعملة المحلية؛ حيث أكد رئيس مجلس الوزراء عدم تحصيل قيمة أى خدمة أو سلعة، داخل جمهورية مصر العربية، بغير الجنيه المصرى، وفقًا للمادة «111» من قانون البنوك رقم «88» التى تنص على ما يلى: «يكون التعامل داخل جمهورية مصر العربية شراء وبيعا فى مجال السلع والخدمات بالجنيه المصرى، وفقا للقواعد التى تحددها اللائحة التنفيذية، ما لم ينص على خلاف ذلك فى اتفاقية دولية أو فى قانون آخر»، مشددا على أنه سيتم تطبيق الجزاءات الواردة على أى مخالف.

وبتحليل موارد مصر من العملات الصعبة وطريقة دخولها إلى الاقتصاد المصرى نجد على سبيل الحصر أنها تدخل، إما من خلال البنوك من حصيلة الصادرات والاتفاق مع الشركات السياحية وتحويلات العاملين بالخارج، وإما من خلال السائحين ومصروفاتهم خلال فترة وجودهم فى مصر، وبذلك يمكن السيطرة على الدولار الأمريكى المتداول بالسوق السوداء.

ولذلك بجب على السلطات النقدية بمصر أن تمنع تداول العملات الأجنبية الصعبة بين الأفراد، لتحجيم حجم السوق السوداء وعدد العملات المتداولة فيها. ويجب أن تكون هناك النية لمعالجة هذه المشكلة من جانب جميع أركان الحكومة ممثلة فى وزارة الداخلية والمالية والتجارة والصناعة والاستثمار والسياحة والبنك المركزى والغرف التجارية والصناعية.

تلك الأفكار والرؤى الأقرب للخيال العلمي تنم عن مدى الانهيار الاقتصادي والسياسي الذي وصلت إليه مصر، في ظل الانقلاب العسكري العاجز عن إدارة شئون البلاد وفق مقتضيات العلم والتطور البشري والحضاري.

Facebook Comments