كتب: حسين علام

قال الكاتب الصحفي وائل قنديل: إن الحياة العسكرية داهمت الناس في مساكنهم، وشوارعهم، ووسائل تنقلهم، على نحو يذكّرك بالمقولة الشهيرة في ليبيا القذافية" اللجان في كل مكان"، حتى تعسكرت مصر من رأسها حتى قدميها، اقتصادها وسياستها، وحتى نخبتها الثقافية ونظامها التعليمي، إذ تعلو أصواتٌ، الآن، تطالب بإسناد امتحانات الثانوية العامة للقوات المسلحة، في الوقت الذي كان عضو المجلس العسكري، اللواء محمود نصر، يستعرض في ندوة بعنوان "رؤية للإصلاح الاقتصادي" عام 2012، مليارات المؤسسة العسكرية التي هي بنص كلماته  "ليست أموال الدولة، وإنما عرق وزارة الدفاع من عائد مشروعاتها".

وأشار قنديل خلال مقاله بصحيفة "العربي الجديد" اليوم الاثنين، إلى قول الجنرال أعلنها صريحة: "سنقاتل على مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها. العرق الذي ظللنا 30 سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح للغير، أياً كان، بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة"، موضحا أنه لم يجرؤ أحد على الحديث عن صيحة الحرب الاقتصادية التي أطلقها العسكر في ذلك الوقت، إلا القسم الاقتصادي في صحيفة "الشروق"، حينما علق عليها برغبة العسكريين في اعتبار أنفسهم دولةً داخل الدولة، وتساءل "ماذا، مثلاً، لو اتجهت وزارة الداخلية إلى الدخول إلى ملعب البيزنس والاستثمارات الخاصة بها، بعيداً، هي الأخرى، عن رقابة ومحاسبة أجهزة الدولة المختصة بهذه الأمور؟"، ثم ماذا لو اصطدمت المصالح الاقتصادية والاستثمارية لوزارةٍ ما بمصالح وزارةٍ أخرى؟ من سيفصل فى النزاع، إذا كانت إحداهما تعتبر نفسها فوق الرقابة والمحاسبة؟.

وقال قنديل: "الآن، تأتي الإجابة: "بدأت وزارة الداخلية، منذ سبعه أشهر، المشاركة في حملة محاربة غلاء الأسعار، من خلال افتتاح منافذ بيع السلع الأساسية (أمان) بأسعار مخفضة، على غرار منافذ القوات المسلحة والمخابرات العامة، لبيع اللحوم والفراخ والبقوليات بأقل من أسعارها في السوق المحلي"، قائلا: "وهكذا يجد المواطن المصري نفسه محاصراً بين" وطنية" و"أمان". فالأولى هي سلسلة محطات وقود و"سوبر ماركت" تتبع الجيش، وتنتشر في كل مكان على أرض مصر، وسوف تتوسع قريباً، بموجب فرمان زعيم طائفة الجند عبد الفتاح السيسي، بانتزاع أراض بعمق كيلومترين وبامتداد الطرق الطويلة على أرض مصر، وتخصيصها للقوات المسلحة.. والثانية تتبع وزارة الداخلية، بعد أن سمح لها العسكر بما يتساقط من الكعكة".

وأضح أن السيسي هو الرئيس القادم من "حزب الجيش"، ومن ثم فولاؤه للحزب صاحب الفضل في وصوله إلى الحكم يسبق أي اعتبار آخر، ليتغير تعريف مصر من "جمهورية مصر العربية" إلى "جمهورية الهيئة الهندسية"، بالنظر إلى الحضور  الطاغي للمؤسسة العسكرية في كل شيء على أرض البلاد، من أعمال "الباديكير والمانيكير" في الأندية التابعة لها، إلى تشغيل الطرق السريعة، لحسابها، بطول البلاد وعرضها، مروراً بأسواق الخضر واللحوم المستوردة، موضحا أنه لم تعد القوات المسلحة تزاحم القطاعين، العام والخاص، وتنازعهما في عملهما، بل صارت الكيان المخيف الذي يحتكر السوق، ويوزّع الفتات على الآخرين، أو إن شئت الدقة، باتت "الهيئة الهندسية" المقاول الكبير الذي يهيمن، ويمنح الآخرين فرصة المشاركة، بالقدر الذي يحدّده.

وكشف قنديل أن 1737 مشروعاً استثمارياً حصلت عليها القوات المسلحة منذ الثلاثين من يونيو 2014، موضحا أن كل هذه الغابة الكثيفة من المشروعات، بخلاف المشروعات السرية المخبأة من عيون "أهل الشر" والحصيلة: احتفالات قومية بحصول الدولة على حق الانتفاع بالحلق الذهبي للحاجة زينب، وتضخم مخيف قفز بالأسعار 40% وفق أقل التقديرات تشاؤما، فضلا عن اعتراف السيسي، في حواره التلفزيوني مع نفسه، بإنفاق ترليونات الجنيهات على مشاريع، أضخمها لا تهمه الجدوى الاقتصادية منها، بقدر ما يستهدف رفع الحالة المعنوية للشعب.

Facebook Comments