كتب: أسامة حمدان

في يوم الاثنين 15 يناير 1990، حاصر آلاف الشباب في ألمانيا مقر وزارة أمن الدولة، واقتحموه الساعة 5 مساء، ووجدوا ما كانوا يبحثوا عنه.. قرابة ربع مليون وثيقة ومستند، 27 ألف تسجيل لمكالمات بين أفراد، وألوف الفيديوهات الملتقطة لأفراد عاديين.. والأهم أسماء الجواسيس الذين تعاونوا لصالح الجهاز على مدى 40 سنة!

الأمر نفسه حدث في مصر في أثناء ثورة 25 يناير 2011، فبعد الرابعة عصرا بقليل 5 /3/2011، كان نحو أقل من مائة متظاهر أمام مقر أمن الدولة بمدينة نصر، يحدقون في مبانيه الضخمة المهيبة ذات الشكل الهرمي المقلوب، باستثناء بعض الرهبة التي تجاوزها الثوار سريعا كان المشهد لوحة كاملة للنظام القمعي العسكري مقلوبا.

كان الثوار في الطريق يتصلون ببعضهم ويتضاحكون، من أنهم للمرة الأولى يتجهون هم بأنفسهم إلى مقر أمن الدولة الذي تم اقتيادهم واستدعاؤهم إليه قبلا، يذهبون هذه المرة لحصاره،  الأعداد القليلة تتجمع أمام الناصية التي تلتقي فيها زاوية سور المقر بمبنى قسم الشرطة، الضباط على أبواب القسم لا يتجاوزونه، أعداد من الشباب السلفيين تتوافد، حواجبهم معقودة وبداخلهم غضب مكتوم، واحد منهم يقول: "كنت أمر من هنا وأضع عيني في الأرض قهرا، اليوم لن أمشي إلا عندما نخرج ومعنا كل إخواننا المتعقلين بالداخل!".

موروث احتلال
في عام 1913 وفي ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر تم إنشاء جهاز للأمن السياسي، لتتبع الوطنيين والقضاء على مقاومتهم للاحتلال، سمي "قسم المخصوص"، ويعد أقدم جهاز من نوعه في الشرق الأوسط، وقد استعان الإنجليز في إنشائه ببعض ضباط البوليس المصري، وتولى إدارته لأول مرة اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة، الذي كان مقربًا من المحتل.

وبعد رحيل الاحتلال عن مصر ظل كثيرًا من آليات عمل "القلم المخصوص" مستمرة، واعتنقها الجهاز النظير الذي أقامته حكومة عبد الناصر في أغسطس 1952 تحت اسم "المباحث العامة"، ثم أعاد أنور السادات بعد انفراده بالحكم تسميته "بمباحث أمن الدولة"، ثم تغيرت لافتته إلى "قطاع مباحث أمن الدولة"، وأخيرًا سمى "جهاز أمن الدولة"، وظلت وظيفة ومهام رجل أمن الدولة من دون تغيير يذكر، في كل العصور واستمرت آليات عمله من دون تغيير.

وصار تقليدًا معتمدًا في الدولة المِصْرية أن قيادات "أمن الدولة" عندما تنهي عملها، تنتقل لتولى مناصب سياسية مهمة كوزراء ومحافظين ورؤساء هيئات ومصالح حكومية، فقد تولى وزارة الداخلية من أبناء جهاز أمن الدولة اللواء عبد العظيم فهمي، وممدوح سالم ،وسيد فهمي، وحسن أبو باشا، وأحمد رشدي، وقبل ثورة 25 يناير "حبيب العادلي".

ويعمل جهاز "أمن الدولة" -الذي تحول إلى "الأمن الوطني" بعد الثورة- على قمع ووأد أى تحرك شعبي ضد الانقلاب العسكري، ويعمل على إلهاء الشعب عن الحياة السياسية منذ عهد المخلوع مبارك، وكذلك كان من مهامه حماية شخصيات النظام من الاغتيالات، مع وضع الأولوية لتنفيذ ما سبق دون الاهتمام بحقوق المواطنين وحرياتهم وخصوصياتهم!

كما أن العاملين في جهاز "الأمن الوطني"، يرشح بعضهم للمناصب الأمنية كرئاسة وزارة الداخلية، إضافة إلى أن ضباطه يتمتعون بمميزات مادية ومعنوية عن غيرهم من ضباط الشرطة.

ذكرى في ألمانيا
أتم الشباب الألماني الغاضب 15 يناير 1990، مهمته بتحطيم "أمن الدولة" آلة القمع البوليسي، والدولة استلمت الخيط منهم..لم تتهم عبر أبواقها الإعلامية الشباب المقتحم لأمن الدولة بالخيانة، ولا سربت مكالمات النشطاء على لسان المذيع "هانز فون شتاخر" علي قناة Berlin&Die leute.

كما فعل الإعلامي "عبد الرحيم علي" في مصر، ولا قالت: "عيال عايزين يخربوا البلد ويسربوا وثائق الأمن القومي" لأن المانيا تحولت بعد إزاحة هتلر إلى دولة وليست عزبة سيادة البيه الظابط.

ظباط أمن الدولة الألمان "الشرقين" كانوا في إجرام نظرائهم المصريين، فرموا الوثائق.. لكن الدولة الألمانية الجديدة لم تكن متواطئة مثل نظيرتها المصرية ضد ضحايا التجسس، قامت في 14 نوفمبر 1991 بإصدار قانون وثائق شتازي Stasi-Unterlagen Gesetz الذي يحدد آليات التعامل مع الوثائق، ومن يحق له الاطلاع عليها لمعرفة ما دُبر له.

الوثائق المفرومة؟
في ألمانيا، على عكس ما حدث في مصر، شُكلت لجنة كاملة من 200 فرد مهمتهم الوحيدة في الحياة تجميع قصاصات الورق وإعادة ترميمها، أشرف عليها الكاهن والرئيس الحالي للجمهورية يؤاخيم جاوك، وتوفيرا للوقت والجهد صمم معهد "فراونهوفر" برنامج يُسهل عملية جمع القصاصات، يدعى Stasi-Schnipselmaschine.

حجم الصدمة كان مهول قياسًا على مئات ألوف الوثائق وحجم المخبرين لدى الجهاز، واحد من كل 3 ألمان شرقيين تجسس على دائرته القريبة مرة واحدة على الأقل لصالح أمن الدولة، وتم الكشف عن مدرسة لتعليم الأطفال التجسس بصفة نظامية في "بوتسدام"، وفككت الدولة الألمانية الجديدة الجهاز القمعي من الألف إلى الياء، وبدأت تأمين وصول المعلومات للمتضررين والرأي العام.

واستكمالًا لجعل أمن الدولة عبرة تاريخية بعد حله وتفكيكه، حولت ألمانيا مقره المُقتحم في 15 يناير إلى متحف للزوار في نورمانن شتراسه، وعملت موقعا إلكترونيا توثيقيا عظيما يعرض نماذج لـ 329 وثيقة و84 فيديو، بمناسبة الذكرى الـ 26 لاقتحام الجهاز، التي ستحل بعد 3 أيام.

ورثت ألمانيا عن نظام هتلر العسكري، جهازًا أمنيًّا متعفنًا، كما ورثت مصر عن الاحتلال الإنجليزي ذات الجهاز بنفس العفانة، قامت ألمانيا لاحقا بتفكيكه وجعله مجرد ذكرى تليق بنظام ديكتاتوري بائس دخل مرحاض التاريخ، كان يحارب الناس على ردود أفعالهم في حفلة موسيقية، ويكافح الشباب الذي لم يمنح "هتلر" تفويضًا بالقتل ولم يرقص له ويهلل "كمل جميلك .. وتسلم الأيادي".

اليوم يمر 26 عامًا على إسقاط جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي، 26 عامًا على ميلاد داخلية كفء لخدمة الوطن والمواطن بدلًا من التجسس عليهم وابتزازهم، 26 سنة ستحتفل بهم ألمانيا، كادت مصر أن تحتفل بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي، بذكرى مشابهة، وتحول مقرات الجهاز في "مدينة نصر" وفروعه المنتشرة في كل حي ومحافظة، ومقراته السرية الأخرى والمعتقلات لمتاحف تشهد على حقبة ولت إلى غير رجعة، بس إرادة الدولة كانت ملايين أضعاف إرادة الشباب للإبقاء على أداة القمع!

رفض عسكر "عبد الناصر" تفكيك الجهاز العتيد الذي ورثوه عن الاحتلال الانجليزي، واكتفوا بتغيير اسمه دون مهمته، وتسارعت عجلة الانقلاب تشعل البلد من تحت أقدام الرئيس، وقام الجهاز بدوره قبل وبعد الانقلاب، من التشهير بكل شخص أسهم في جعل البلد مكانا أفضل، ونشر حياتهم الخاصة على لسان المخبرين، الذين أصبحوا أعضاء في برلمان "الدم" بالتسريبات، وبعضهم مثل "توفيق عكاشة" يظن حتى هذه اللحظة أنه يحمي الأمن القومي!

بعد الرابعة عصرا بقليل في أحد أيام شهر مارس 2011، وأمام مقر جهاز أمن الدولة في مدينة نصر سيظل التاريخ يذكر أن الثوار في مِصْر تفاوضوا مع بعض ظباط الجيش، الذين حاولوا تهدئة المتظاهرين بأن العمل داخل "قلعة التعذيب" مجمد والمقر خال، ظل المتظاهرون يطلبون التأكد بأنفسهم، وضباط الجيش ينظرون إليهم في دهشة!

شاب اعتلى أكتاف الشباب وبدأ يهتف بحرقة ويقسم: "مش هانمشي إلا لما ندخل!".

سريعا يشكل المقتحمون مجموعة لاستلام الملفات وتجميعها قرب المدخل، شباب سلفيون ينخرطون في بكاء وهم جالسون على مكاتب الضباط يقلبون في الأوراق، بين حين وآخر يدوي هتاف: ملف كنيسة القديسين! ملف عبارة السلام! ملفات الإخوان هنا!

جنود الجيش والشرطة العسكرية يتجولون في الممرات غير مصدقين، ويحاولون إقناع الشباب بالخروج، شاب سلفي يصرخ فيهم: أنا اتعذبت هنا! مش خارجين!  يقترح البعض: مش هانمشي إلا لما النيابة تيجي وتستلم المبنى والملفات! ينتشر الاقتراح ويتحول إلى إجماع: لن نسلم الأوراق إلى الجيش، نريد لجنة من النيابة والقضاء لتستلم الملفات والمبنى، شاب يصرخ بجانب كومة مفرومة: الجيش اتأخر ليه؟ فرموا الملفات المهمة!

يحضر مستشار يعرف نفسه للشباب بأنه المستشار "وليد شرابي"، يطلب ظابط الجيش من الثوار الرحيل، فيرفض المستشار، ويطلب اختيار عشرين شابا يبقون معه للمساعدة في نقل الملفات ويختارهم بنفسه.

يصل النائب العام إلى المبنى، يشاهد الثوار المستشار "زكريا عبد العزيز" يدخل "قلعة التعذيب"، يطمئن الثوار ويبدءون بالخروج بعد خضوعهم للتفتيش، في الخارج حشود كبيرة تتجمهر أمام المداخل وتشير بعلامة النصر للخارجين والكل يهتف: أمن الدولة بره! مصر هاتفضل حرة!

 

 

Facebook Comments