– الثورات فشلت لعدم تحمل الشعوب التضحيات وشراسة الدولة العميقة لاستعادة مصالحها

 

– الخيار "البوتيني" الروسي عبر انقلاب ناعم هو المسار الأسوأ الذي اتبعه مصر

 

قال تقرير رصدي لمجلة "إيكونوميست" البريطانية الرصينة، لحالة الربيع العربي بعد مرور خمسة أعوام على ذكراها في تونس ومصر، إنه بعد موجة الانتفاضات عاد العالم العربي أسوأ حالاً مما كان في أي وقت مضى، ولم يجلب إلا الأحزان، ولكن المكسب الوحيد هو أن "الشعوب فهمت محنتهم بشكل أفضل".

 

ونعت المجلة "انهيار" أحلام الربيع العربي، في الوصول لـ"سياسات عادلة تشمل الجميع وحكومات تتجاوب مع مشاكل سكانها، ونهاية المحسوبية السياسية"، مؤكدة أنه حل محل هذه الأحلام "اليأس"، و"آبار اليأس طفحت".

 

لماذا فشل الربيع؟

 

وتطرح "إيكونوميست" سببين مهمين ترى أن الشارع العربي والغربي أساءا تقديرهما وكانا وراء فشل وانهيار الربيع العربي:

 

(الأول): هشاشة الأوضاع الداخلية في عدد من الدول العربية وعدم قدرتها على تحمل ثورة شعبية (اقتصاديًا وأمنيًا) بالطريقة نفسها التي تحملت فيها جنوب إفريقيا الوضع عندما انهار نظام التمييز العنصري.

 

(الثاني): التصميم الشرس من مؤسسات النظام (الدولة العميقة) على الحفاظ أو استعادة السيطرة، فضلاً عن التدخلات الخارجية الخليجية والدولية، مؤكدة أن "الثورات المضادة" كانت مسألة دولية.

 

كيف وصل الحال بدول الربيع؟

 

ويسرد تقرير الصحيفة البريطانية كيف وصل الحال بدول الربيع العربي، والتي انتهت كما تقول بدول فاشلة ومدمرة وعودة الديكتاتوريات، مشددًا على أن يد الأمن أصبحت أشد مما كانت عليه في الماضي، كما تعمقت الانقسامات الطائفية والخلافات الطبقية في كل مكان بالعالم العربي، ما منح أرضية خصبة للراديكاليين لتقديم رؤيتهم "اليوتيوبية" عن الحل الإسلامي.

 

بالنسبة لمصر، فقد اعتبرها تقرير "ايكونوميست"، هي المثال الأبرز على مآلات الربيع العربي، حيث "عادت الديكتاتورية من جديد"، وأنها قدمت النموذج "الأكثر فشلا" للربيع العربي في البحث عن الحرية والديمقراطية في العالم العربي، بينما لو نجحت لكانت انتصارا مهما للعالم العربي نظرا للثقل السياسي والتاريخي الثقافي لمصر في العالم العربي.

 

أما تونس، فهي "حالة شاذة" من بين ست دول عربية انتفضت عام 2011 وطالبت سلميًّا برحيل حكامها المعمرين طول الحياة، وكانت أكثر حظًّا بينما لم يحقق أي منها نهاية سعيدة.

 

وفي اليمن وليبيا، انفجر الوضع هناك بعد الربيع العربي، وكيف جاءت ميليشيات متناحرة لتحكم البلاد بدلاً من الحكومات.

 

وجاءت النتائج في سوريا والبحرين على غير ما اشتهت المعارضة في الربيع العربي؛ حيث ترسخ النظام في البحرين وانحدرت سوريا نحو الهاوية، وتحولت معظم مدنها إلى أنقاض، وأهملت أرضها الخصبة، وأصبح نصف سكانها نازحين في بلادهم وهاجر الملايين إلى الخارج وقتل مئات الألوف.

 

وفي العراق أصبح جنوبه الشيعي وشماله الكردي منفصلاً عن بقية البلاد ويخضع وسطه لسيطرة "تنظيم الدولة".

 

وفي الجزائر والسودان الخارجون من حروب أهلية، أصبح أهلهما تحت رحمة أنظمة عسكرية "مفترسة وغامضة".

 

وفي فلسطين والأردن، انقسم الفلسطينيون إلى "كانتونين" وصاروا أضعف من السابق، أما الأردن، فرغم الهدوء هناك مخاوف من الفوضى المنتشرة على حدوده.

 

أيضًا تأثر الخليج العربي الغنية بهذه التطورات على مدار الخمسة أعوام الماضية من عمر الربيع العربي، ولم تكن بمعزل، فانخفضت الواردات الحكومية بسبب تراجع أسعار النفط وأدت سياسات تقليل اعتماد الدول على العمالة الأجنبية لتناقص التحويلات المالية التي كانت تساعد إخوانهم في الدول الأخرى بها.

 

وما يفاقم مشاكل الدول العربية مستقبلاً أنها تواجه ضغوطًا ديموغرافية، ونسبة 60% من سكانها، هم من الشباب تحت سن 25 عامًا، وغالبيتهم عاطلون عن العمل.

 

حيث تظهر أرقام منظمة العمل الدولية زيادة نسبة البطالة في دول العالم العربي من 25% عام 2011 إلى 30% الآن، ويواكب هذا تراجعًا في مستويات المعيشة والتعليم والصحة وبطئًا أو جمودًا في النمو الاقتصادي.

 

ديكتاتورية السيسي بدعم خليجي

 

ويلقي التقرير مزيدًا من الأضواء على ما يجري في مصر بالنظر لقرب الذكري الخامسة لثورة 25 يناير خلال أسبوعين، مؤكدًا أنه "بعد مرور عامين ونصف (على 3 يوليو 2013) تبدو ثورة الرئيس عبد الفتاح السيسي المضادة مكتملة تقريبا".

 

فالرئيس الأسبق حسني مبارك ومحاسيبه، ناهيك عن الشرطة المسؤولة عن قتل وتشويه المئات في مصادمات 2011، خارج السجون، بينما زج بعشرات الآلاف من الإخوان المسلمين، بجانب المئات من الثوار العلمانيين داخل الزنازين، أو هربوا إلى المنفى، أو باتوا جثثا هامدة"، بحسب المجلة.

 

 وتشير "إيكونوميست" إلى أن "النظام القديم انتصر مجددا بمساعدة دول الخليج"، منوها لتحليل لها عام 2010، وقبل ستة شهور من احتجاجات ميدان التحرير التي تحولت إلى انتفاضة، حذرت فيه من تغيير يلوح في الأفق في مصر وأشارت إلى وجود ثلاثة مسارات محتملة للتغيير.

 

(المسار الأول) على شاكلة ما حدث في إيران عام 1979، التي شهدت ثورة "اختطفها الإسلاميون" (آيات الله)، و(المسار الثاني) ديمقراطية حقيقية على غرار ما شهدته تركيا في العقد الأول من الألفية الجديدة، تتسم بالزعزعة والضعفـ ولكنها تمتلك القوة الضرورية لترويض الدولة العميقة التي يدعمها الجيش.

 

(المسار الثالث) أن تضحى مصر مثل روسيا، وتعاني من انقلاب بوتيني الطابع، تعيد خلاله الدولة العميقة تأكيد سيطرتها تحت قيادة مستبد جديد.

 

وقالت: "تغلب ثوار مصر، لفترة وجيزة، على القوات الأمنية التي ارتكزت عليها حكم مبارك، وصوت المصريون بعد ذلك لحكومة بقيادة الإخوان المسلمين، التي بدلاً من أن تحاول تقليص الدولة العميقة، حاولت إقحام موالين لها (الإخوان) داخل أعماقها".

 

لهذا تصاعد الغضب الشعبي ضد الإسلاميين في مصر، وغذته الدولة العميقة، ما جعل المسار الثالث هو الفائز، أي الخيار الروسي، عبر انقلاب ناعم شهد تنصيب السيسي، الجنرال ووزير الدفاع رئيسًا في يونيو 2014، وقُتل زهاء 1000 إسلامي جراء سحق احتجاجات مناهضة للانقلاب عام 2013.

 

وقتلت الشرطة العشرات منذ ذلك الحين، وقضى آخرون نحبهم جراء التعذيب أو الإهمال في السجون، وبذلت الدولة جهودا غير مسبوقة للسيطرة على المحاكم والجامعات والإعلام.

 

تأميم السياسة

 

وشهدت مصر دستورًا جرى تفصيله لمنح سلطات كاسحة للرئيس والجيش، وصممت القوانين الانتخابية لإنتاج برلمان متشرذم، لتزيينه بشكل ديمقراطي مظهري، لكنه زائف، وتدخلت المخابرات (البوليس السري) في انتخابات 2015 للتيقن من موالاة برلمان سلبي للرئيس (بحسب ما كشف الناشط حازم عبد العظيم حملة السيسي الرئاسية). 

 

وتشير دراسة "إيكونوميست" إلى أن نسبة المشاركة الكئيبة في الانتخابات، لا سيما بين الشباب، ليست من قبيل المفاجأة، وأثبت الشباب أن امتناعهم عن التصويت كان مبررًا عندما ألغت الحكومة فجأة نتائج اتحاد طلاب الجامعات التي فاز فيها مرشحون مناصرون للثورة، وأنه مع أن العديد من المصريين أشادوا بالسيسي؛ حيث يعتبرونه أنقذ البلاد من الإسلاميين والمتهورين الثوريين، لكن المزيد يجتنبون السياسة برمتها، وهو ما يعتبر من وجهة نظر المستبدين نتيجة سعيدة.

 

لا ثورة جديدة

 

وتشير المجلة إلى أنه "ليس من المرجح أن تحدث انتفاضة أخرى بنفس نطاق 2011 في القريب العاجل" في مصر، وإذا حدثت انتفاضة جديدة، ستمتد مطالبها فيما يتجاوز تغيير مسؤول صوري، أو انتخاب هيئة تشريعية بعيدة عن مستويات السلطة الحقيقية، وأن شباب الثوار المفكرين الحاليين يتجنبون النزول إلى الشوارع، ويؤثرون وضع أفكار هادئة تتعلق بتعديلات في جهاز الشرطة أو الإصلاح القضائي، فيما الإخوان المسلمون "محطمون وفي حالة من العطل المؤقت".

 

كما أن الإسلاميين الأكثر تشددًا، الذين شنوا هجمات إرهابية واستحوذوا على مساحة من الأرض بشمال سيناء، لم يحققوا نجاحات أكثر نطاقًا بين عامة الشعب.

 

كما أن جهود بناء "جدار خوف" أكبر وأقوى تسببت في إقصاء متزايد للشعب المصري عن دولة لا تتسم فحسب بالقسوة والتعسف وعدم المحاسبة، لكنها أيضا تفتقد الكفاءة، وأكثر انكسارًا من أن تشتري إذعانهم.

 

"انقلاب القصر" التغيير الأرخص

 

وحول الحلول المتحملة لأزمة مصر تنقل المجلة عن القيادي الإخواني السابق رئيس حزب "مصر القوية" عبد المنعم أبو الفتوح قوله: "الخيار الأرخص تكلفة هو حدوث تغيير داخلي بداخل النظام"، وهو مرشح رئاسي اجتذب برنامجه الانتخابي الوسطي 4 ملايين صوت في انتخابات الرئاسة عام 2012.

 

ويقول "أبو الفتوح": "الثورات عمل تراكمي، ويحتاج الضغط إلى وقت طويل من أجل أن يتراكم، لكن إذا كانت الانتفاضة قد تغيرت قليلا في الأسلوب الذي تعمل به الأشياء، فإنها تغيرت كثيرا في كيفية إدراكها".

 

أما المحلل المصري "هاني شكر الله" فيشبه ذكريات ميدان التحرير بذلك الشبح الذي كان يطارد الملك هاملت، الذي كان وجوده غير ملموس، لكنه يظل القوة الدافعة للمسرحية، وتنقل عنه المجلة حديثه عن "وجود شيء ما فاسد في الدولة المصرية".

 

التدهور الاقتصادي

 

وينوه التقرير البريطاني لتدهور الأوضاع الاقتصادية؛ حيث الدين الحكومي المصري ما زال هائلاً، وعجز الموازنة يرتفع بنسبة 10 % سنويًّا منذ 2011، وفي منتصف 2015 بلغت التزامات الديون الداخلية والخارجية في مصر نحو 100 % من الناتج الإجمالي المحلي، والعملة المصرية تعيش حالة انهيار، وكذلك السياحة.

 

وتقول إن المستثمرين أجلوا مشروعاتهم جراء السياسة العشوائية، والسلطة المفرطة للجيش والمخابرات، والمحاكم غير المتوقعة والانتقامية غالبًا.

 

كما أن حوادث مثل قتل مجموعة من السياح المكسيك حينما ظنتهم القوات الجوية إرهابيين، أو التعامل الهزلي تجاه ما يبدو أنه تفجير لطائرة روسية مدنية على الأراضي المصرية أكتوبر الماضي "يظهر عدم كفاءة الدولة" ويؤثر في الاقتصاد.

 

وتقول: "متبرعو السيسي في الخليج الذين دعموا نظامه بحوالي 30 مليار دولار، على هيئة قروض ميسرة، وودائع للبنك المركزي، ووقود، بدأ صبرهم ينفد، وأنه بعد أن جرى إنقاذ مصر مرات عديدة، لم يعد هنالك منقذون آخرون في قائمة الانتظار".

 

التدخل الغربي 

 

وحول ما يثار عن دور غربي في إجهاض الربيع العربي، من قبل بعض صناع الرأي العرب الذي يتحدثون عن التدخل الغربي، لا سيما الأمريكي، بالرغم من أن قيادات العرب تتحول عادة إلى الغرب بحثا عن مساعدات أو حماية عسكرية، تقول "إيكونوميست" أنه غير حقيقي.

 

وتقول: "رد الفعل الغربي غير الفعال على الربيع العربي أقنعت الجميع، عدا أصحاب نظرية المؤامرة، بعدم وجود الكثير من الوجاهة للحديث عن قوة غربية مطلقة، أو هيمنة الأمريكية، أو حتى مؤامرة صهيونية"، ولكن الحقيقة أن قدرات الغرب أظهرت محدوديتها وندرة تأثيرها.

 

وقالت: "الضعف الذاتي للمنطقة، وليست نية الغرب الخبيثة هو السبب الذي يحفظ الاعتماد على القوى الخارجية".

 

 

Facebook Comments