المشهد المصري بات بالغ البؤس والفوضى، ورغم أكاذيب النظام وآلته الإعلامية حول "الاستقرار الوهمي"؛  فإن عوامل انفجار الثورة تزداد يوما بعد آخر، ولا يعني سكون الشعب حاليا رضاه بما يحدث بل هو تحين للفرصة المناسبة، ثم ينقض كالأسد الجريح على من أذلوه وساموه سوء العذاب.

وعلى قوى الثورة وكل المؤمنين بمبادئ وقيم ثورة 25 يناير أن يكونوا يقظين إلى ألاعيب النظام العسكري الذي يلعب على وتر تخويف الشعب من المجهول، فالناس لديهم نزعة في طباعهم نحو مقاومة التغيير، فهم يخافون من انتكاسات تسفر عن أزمات كبرى وعادة معظم الناس يميلون إلى السكون ولا يملكون روح المبادرة والتطلع نحو الأفضل إلا إذا جاء إليهم بدون مشقة منهم ودون تقديم تضحيات. لذلك  يلعب إعلام العسكر على هذا الوتر الحساس "الاستقرار" رغم أن الأوضاع شديدة السوء وتزداد سوءا كل يوم، كما يفسر ذلك عمليات التخويف المستمرة من جانب الجنرال للشعب فهم يعمل جاهدا على أن يبقى الشعب خائفا من المجهول أملا في إطالة حكمه وتكريس استبداده.

أمام هذا المشهد المعقد يجب أن ننسلح بالوعي الذي يعصمنا من الوقوع في أخطاء الماضي سواء على مستوى الثورة أو مستوى السياسية، فهناك عدة عوامل لا بد من دراستها وإنزالها على الوقع بصورة صحيحة تمهد لنجاح الجولة القادمة من الثورة وهذه العوامل حددها المحلل السياسي علاء بيومي وهي:

أولاً: تقوم الثورات في النظم الاستبدادية الهرمة المترهلة، حيث فرص التغيير السياسي الجاد من داخل النظام معدومة، والنظام المترهل يعاني من صعوبة التحكم في نخبه المختلفة بعد سنوات من الحكم القمعي والاستبدادي وشيخوخة النظام.

ثانيًا: انقسام النخبة ضروري للحراك الثوري ونجاحه، فالجماهير تحتاج إلى دعم من النخب الثورية والسياسية، وخصوصاً الأمنية منها. الثورات السلمية لا تهزم الجيوش، بل تنتظر دعمها، وذلك بإقناعها بسلمية أهداف هذه الثورات، أو من خلال إشعارها بأن المستقبل لم يعد بيد النظام القديم. ولولا حيادية المؤسسة العسكرية في بعض فترات ثورة يناير توظيفا للحدث من أجل القضاء على سيناريو التوريث لما نجحت جولة يناير في الإطاحة بمبارك.

ثالثًا: لا تحدث الثورات في المجتمعات شديدة الفقر أو الثرية، هي تحدث غالبا في المجتمعات التي تمر بفترات تحول اقتصادي كبيرة وصعبة، عندما يشعر الناس بالتحسن النسبي في أوضاعهم وإمكانية التغيير إلى الأفضل، لو تخلصوا من النظام المستبد المترهل. أما القابعون في الفقر فلا يفكرون في الثورة، وكذلك الأثرياء. الفقر الشديد يفقد الناس الثقة في المستقبل، والثراء يشعرهم بالركون والطمأنينة، أما التحول الاقتصادي غير المكتمل فيفتح الباب للتغيير. ولعل هذا يفسر أسباب سياسات السيسي وتكريس الطبقية والعمل بقوة من أجل القضاء على الطبقة المتوسطة؛ ليبقى الفقراء بلا أمل أو طموح أو الأثرياء الذين يعنيهم بقاء النظام لأنهم جزء منه وينتفعون من بقائه.

رابعًا: تحتاج الثورات إلى دعم الطبقة الوسطى، وهي طبقة أنانية صبرها قليل في العالم كله، فالناس لا تحب الثورة، وما تأتي به من فوضى وضبابية وتحولات هائلة، والأثرياء لا يحتاجون إلى الثورة، والفقراء قد لا يمتلكون رؤية للتغيير. أما الطبقة الوسطى فأوضاعها تسمح بالصبر على الثورات، والتطلع إلى مستقبل أفضل، لكنها ليست بالوعي أو الصبر الكافيين، هي كبقية طبقات المجتمع تم تجهيلها وتخويفها.

خامسًا: تحتاج الثورات إلى دعم دولي وإقليمي، حتى لا يتم القضاء عليها، دعم إيران وروسيا بشار الأسد حوّل الثورة السورية حرباً أهلية، ودعم الغرب ثورتي مصر وتونس أطاح مبارك وبن علي، ودعم دول في الخليج الثورة المضادة في مصر جاء بالانقلاب العسكري وقسّم ليبيا، ويرى بعضهم أنه ساهم في وصول الحوثيين إلى الحكم في اليمن.

سادسًا: ليست الثورات عملا طبيعيًا، أو آليا يحدث بالضغط على زر ما. الثورات عمل بشري صعب، يحتاج إلى قيادة وفكرة توحد الناس. وقد تبقى الفكرة عامة بعض الشيء، فالثورات لا تمتلك خططاً مفصلة لطرق الحكم، فكيف يطور من لم يحكموا قط خططا لحكم البلاد، وهي أيضا في حاجة لقيادة موحدة نسبياً، لكي تقود الناس في عملية التحول الديمقراطي الطويلة والصعبة للغاية، فلو انقسم الثوار على أنفسهم، كما حدث في مصر، انهزمت الثورة.

Facebook Comments