بمشروع قانون دار الإفتاء الجديد الذي جرى الموافقة عليه داخل برلمان الأجهزة الأمنية في جلسة الأحد 19 يوليو 2020م، فإن قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي يستهدف تدمير الأزهر بتقليص صلاحياته وسحبها لحساب دار الإفتاء، لتكون كيانا موازيا للأزهر تتمنع بذات الصلاحيات التي نص عليها الدستور للأزهر الشريف.
فمشروع القانون الجديد يفضي إلى استبعاد تبعية الدار للأزهر وجعلها تابعة لمجلس الوزراء ، واعتبارها كيانا دينيا مستقلا؛ وهو ما يمثل محطة جديدة من الصدام بين نظام الانقلاب والأزهر؛ لأن مشروع القانون الجديد بما يتضمنه من تعديلات تمثل في جوهرها عدوانا على الأزهر وتقليصا لصلاحياته التي نص عليها الدستور ومسا باستقلاله ودوره في مجال الدعوة باعتباره المرجعية الأساسية لكل ما يتعلق بالشئون الإسلامية.
هذه التعديلات التي جرى إقرارها تنهي الطريقة التي اعتمدت عام 2012م في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي والتي تقضي بانتخاب المفتي من خلال اقتراع سري مباشر، يصوت فيه أعضاء هيئة كبار العلماء التي يترأسها شيخ الأزهر، ويؤسس لآلية مغايرة توقف سلطة هيئة كبار العلماء عند اختيار ثلاثة مرشحين للمنصب من داخل الهيئة أو من خارجها، ثم ترفع ترشيحاتها تلك لرئيس الجمهورية الذي منحه القانون سلطة مطلقة في الاختيار من بين المرشحين الثلاثة، كما منحه الحق في التمديد للمفتي بعد أن يبلغ السن القانونية.
وأبدى ممثل الأزهر محمد الضويني الأمين العام لهيئة كبار العلماء، خلال جلسة البرلمان رفضه للتعديلات، محذرا من أن مشروع القانون يعتدي على اختصاصات الأزهر، والتأكيد على أن أي هيئة دينية يتم إنشاؤها تعد جزءا لا يتجزأ من رسالة الأزهر "ومن يقُل بغير ذلك يشكل مخالفة صريحة للدستور" مطالبا بأن تكون تبعية دار الإفتاء للأزهر الشريف.
كما اعتبر الموافقة على تلك التعديلات فتنة تدق أسافين الخلاف بين الأزهر والمؤسسات الدينية، وأن السماح لدار الإفتاء بالتغول على اختصاصات الأزهر الشريف، لن تجني البلاد من ورائه إلا خطابا متباينا". وأوضح الأمين العام لهيئة كبار العلماء أن دار الإفتاء ليس لها استقلالية الرأي الشرعي، مشيرا إلى أن هناك مسائل يتم العودة فيها في الأساس لهيئة كبار العلماء، وأن (هذا) القانون -بالإضافة إلى مخالفته للدستور- يعمل على إنشاء كيان مواز للأزهر، وهو ما يتجاوز حدود الخلاف على الاختصاص.
وفي تأكيد على رفض الأزهر لمشروع القانون، تعمدت هيئة كبار العلماء التي يرأسها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب مساء السبت 18 يوليو 2020م، تسريب نص الخطاب الذي أرسلته إلى رئيس البرلمان علي عبدالعال برقم 166 بتاريخ 20 فبراير 2020م قبل جلسة البرلمان لمناقشة المشروع يوم 23 فبراير 2020م، وأعلنت الهيئة عبر الخطاب، رفضها مشروع القانون، مقترحةً تعديلات أكدت أنها تتسق مع أحكام الدستور، بخلاف المشروع الذي تقدمت به الحكومة من جانب رئيس جامعة الأزهر السابق، النائب أسامة العبد. واستهدفت "كبار العلماء" بتسريب الخطاب حتى "تضع المجلس أمام مسؤوليته التاريخية، قبل إقرار القانون الذي يعتبر عدواناً على الأزهر، وحتى يعلم الجميع أن الأزهر وهيئة كبار العلماء أوضحا جلياً اعتراضاتهما على المشروع، وأنهما لم يكتفيا بذلك، بل اقترحا تعديلات عليه تضمن خروجه متسقاً مع الدستور والقانون".
وبحسب خطاب هيئة كبار العلماء فإن المخالفات الدستوريَّة التي شابت مشروع القانون "لا تقتصر أو تقف عند مجرد العدوان على اختصاصات الأزهر، ومحاولة إنشاء كيان موازٍ للأزهر يقوم في موضوعه وغايته على محاولة الحلول محلَّه في رسالته وأغراضه، فالأمر يتجاوز حدود النزاع على الاختصاصات، أو التشبث بالصلاحيات، أو احتكار جهةٍ للقيام بدور معين، ومنع غيرها من مشاركتها فيه". ورأت أن "الخطورة تكمن في تجزئة رسالة الأزهر، وإهدار استقلاله الذي هو عِمادُ وسطيته واعتداله، فالأزهر ليس مجرد هيئة وأشخاص، وإنما هو رسالة علميَّة لا تحتمل إلا أن تكون مستقلة غير تابعة، وهذا المشروع المعروض يخلُّ إخلالاً جسيماً بالدستور، كما يخلُّ بالاستقلالية والحياد الذي ينبغي أن يتمتع بهما منصب مفتي الجمهورية".
خلاصة الأمر، أن السيسي يستكمل طريق الدكتاتور جمال عبدالناصر الذي بدأ مراحل تدجين الأزهر وجعله تابعا للحكومة بقانون الأزهر سنة 1961م والذي حول الأزهر الشريف من مؤسسة إسلامية مستقلة إلى مؤسسة تابعة للحكومة بعد السطو على أموال الوقف الإسلامي التي كان ينفق منها على شئون الأزهر والدعوة إلى الله.
