في صباح يوم الثامن من إبريل 1970م، قصفت طائرات الاحتلال الصهيوني (فانتوم أمريكية) مذبحة مدرسة بحر البقر الابتدائية؛ حيث استشهد نحو 30 تلميذا وأصيب عشرات التلاميذ بإصابات بالغة. وتمر هذه الأيام الذكرى الـ51 لهذه الجريمة الصهيونية الوحشية التي تبرهن على أن الاحتلال كيان دموي لا يعرف إلا لغة القوة. واستدعاءً للحدث، انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي بأبيات الشاعر الراحل صلاح جاهين "الدرس انتهى لموا الكراريس، بالدم اللي على ورقهم سال"، والتي لحنها الموسيقار الراحل سيد مكاوي، وغنتها المطربة الراحلة شادية. وتضمنت التغريدات التأكيد على أنّ الاحتلال الإسرائيلي هو العدو الحقيقي والتاريخي، ووجوب توريث ذلك للأبناء والأحفاد، رافضة كل دعاوى وأشكال التطبيع معه.
وزاد من وقع هذه الجريمة الوحشية أن قرية بحر البقر تقع على مسافة 20 كم من مدينة الحسينية بمحافظة الشرقية، فلم يكن يربطها بالمدينة طرق ممهدة ولم يكن بالقرية مستشفى يمكن نقل التلاميذ إليه، وبينما كان التلاميذ يمسكون بالأقلام والكراريس إذا بالمدرسة تتحول إلى كومة من الرماذ المحترق الممزوج بدماء الصغار وآنات الجرحى والمصابين. هرع الآباء والأمهات إلى المدرسة باحثين عن أبنائهم الذين تمزقوت إلى أشلاء متناثرة حيث غطت دماؤهم أكوام الرماد المحترق. جرى نقل الشهداء والمصابين على جرارات زراعية وهم يئنون من الألم وأعضاؤهم المبتورة تثير الحزن والأسى بين الجميع.
كان المشهد صادما مروعا عصيا على أن تصدقه تلك العيون الطيبة والقلوب البسيطة لسكان هذه القرية الوادعة! تقول إحدى الأمهات: وضعت جثة ابني الممزقة في (حِجر جلابيتي)، ثم أعطيتها لأبيه كي يدفنها..!! ويقول أحد الأطفال الناجين من المذبحة: حين سقط قلمي تحت المقعد، نزلت لأبحث عنه، فلم أدر إلا وأنا على سريري في المشفى، يحيط بي خلق كثيرون من رجال يبدو أنهم "مهمون جدا" غير أني لا أعرفهم..!
هم العدو فاحذرهم
ليس لمصر وشعبها عدو سوى الكيان الصهيوني، فمن الغريب الذي جيء به ليكون كيانا معاديا لنا في خصر أمتنا العربية والإسلامة؟ ومن الذي قتل الفلسطينيين في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي؟ ومن الذي دبر المذابح الوحشية للعرب والمسلمين في دير ياسين وبحر البقر وقانا وغيرها؟ ومن الذي احتل سيناء في 56م؟ ومن الذي دمر الجيش المصري وأذله في هزيمة 1967م واحتل سيناء كاملة؟ ومن الذي نهب خيرات سيناء لسنوات طويلة؟ ومن الذي قتل أسرانا في 67م؟ ومن الذي لا يزال يحتل أم الرشراش المصرية حتى اليوم؟ ومن الذي يخطط لمشروعات اقتصادية تدمر اقتصادنا ويسعى لحفر قناة بديلة لقناة السويس؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة واحد هو الكيان الصهيوني الذي يعربد في المنطقة في ظل تخاذل بعض حكامنا وتواطؤ البعض الآخر وخيانة الكثير منهم.
خيانة العسكر
ورغم كل هذه الكوارث التي حلت بمصر بسبب الكيان الصهيوني، واستشهاد مئات الآلاف من جنود وضباط مصر وشعبها في الحروب المختلفة، إلا أن المؤلم حقا أن طغمة العسكر والجنرالات تناست كل هذه الآلام وراحت تضع يديها في يد القتلة الأعداء ليقيموا سلاما وهميا؛ فباتت أرواح التلاميذ الشهداء في بحر البقر ومئات الألوف من ضباطنا وجنودها الشهداء تلعن هؤلاء السماسرة الذين استرخصوا الدماء المصرية العزيزة وراحوا يقيمون الصفقات مع عدو مصر والأمة العربية والإسلامية.
الأكثر ألما أنه بعد اتفاق كامب ديفيد المشئوم في مارس 1979م، أفضى ذلك إلى تزايد النفوذ الأمريكي الصهيوني، وعبر بوابة المساعدات العسكرية الأمريكية (1.3 مليار دولار سنويا) والدورات العسكرية والفكرية التي تقيمها للمختارين من كبار الضباط في الجيش المصري؛ تمكنت واشنطن من السيطرة المطلقة على الجيش؛ وذلك بتصعيد الضباط الذين جندتهم لحسابها على رأس قيادات الجيش وأفرعه الرئيسية، فبات لا يقود الجيش المصري إلا كل من ترضى عنه واشنطن وتل أبيب؛ ويستحيل أن يكون على رأس الجيش أو أحد أفرعه شخص غير مقبول من الدولتين لما يملكان من نفوذ كبير على الجيش المصري.
باختطاف الجيش المصري تمكن العدو من اختطاف مصر كلها، وإجهاض الثورة الشعبية سنة 2011م والعصف بالمسار الديمقراطي بانقلاب 3 يوليو 2013م، والهدف هو أن تبقى مصر أسيرة الاستبداد والطغيان وألا يكون بها نظام ديمقراطي رشيد جيء به بإرادة الشعب الحرة؛ فهم يصرون على إبعاد الشعب عن صناعة القرار وألا يكون له دور في السيادة على أرضه وبلاده؛ فالسيادة في مصر للأجهزة العسكرية والأمنية التي اختطفت هذه السيادة من صاحبها الشرعي (الشعب).
المطلوب إذا هو تحرير الجيش من خاطفيه (كبار الجنرالات العملاء) وذلك من أجل تحرير مصر كلها من هذا الاحتلال بالوكالة حيث تدار مصر لصالح أعدائها وليس لحساب شعبها ومصالحها. ويومئذ يمكن الاحتلال بنجاح الثورة وتحرير مصر من التبيعة المطلقة لعدوها وعدو الأمة "الكيان الصهيوني"، قتلة تلاميذ مدرسة بحر البقر.