لعل أسوأ الأثمان التي دفعها المصريون جراء الانقلاب العسكري، وسيظلوا يدفعونها طالما بقي حكم العسكر، هو الانهيار الكامل في قيمة الجنيه المصري، وتحوله لمجرد أوراق بلا قيمة، بعدما فقد 88% من قيمته طوال عشر سنوات من الخراب العسكري.
وبلغة الأرقام المبسطة، فقد بلغ سعر صرف الدولار أمام الجنيه في 3 يوليو 2013، أي قبل 10 سنوات من اليوم، نحو 7.05 جنيهات في البنوك و7.60 جنيهات في تعاملات السوق الموازية، مقارنة مع 30.95 جنيها في البنوك الآن، ومتوسط 40 جنيها للدولار في السوق غير الرسمية؛ بما يعني فقدان الجنيه أكثر من 88% من قيمته، خلال سنوات "العشرية السوداء".
رحلة الديون
أسباب عديدة كانت وراء عملية الانهيارات المتتالية لأسعار العملة المحلية مقابل الدولار، وأبرزها الإنفاق الكبير على مشروعات قومية عملاقة، ما فاقم من عمليات الاقتراض الداخلي والخارجي، وشهدت السنوات العشر الماضية موجة عاتية من الديون والتضخم والغلاء، وانهيارا غير مسبوق في قيمة العملة المحلية، من جراء التوسع في الاقتراض الخارجي لإقامة مشاريع تجميلية، لا تعود بالنفع على الاقتصاد أو المواطن؛ ولعل أبرزها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي قدرت كلفته بنحو 58 مليار دولار.
ووفق بيانات حكومية، ارتفع الدين الخارجي لمصر من نحو 43.2 مليار دولار في يونيو 2013، إلى 165.361 مليار دولار بنهاية مارس من العام الحالي، بارتفاع نسبته 282% وبزيادة مقدارها 2.433 مليار دولار مقارنة بنهاية ديسمبر 2022 (162.928 مليار دولار)، و7.56 مليارات دولار على أساس سنوي؛ علما بأنه يتعين سداد الحكومة ديونا خارجية مستحقة بنحو 9 مليارات دولار في 2023.
الفقر
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى ارتفاع نسبة السكان الذين يعانون من الفقر في مصر إلى نحو 60%، من أصل 105 ملايين نسمة، ولم ينج أفراد من الطبقة المتوسطة من شبح الفقر، في ظل أزمة متواصلة بسبب خفض قيمة العملة، والتضخم المتزايد، وكان مراقبون قد عزوا الارتفاع الكبير في نسب الفقر إلى حصاد السياسات الاقتصادية للحكومة، التي لم تضع محدودي الدخل ضمن أولوياته؛ ورضخت لتعليمات مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد، الخاصة بتحرير الدعم، ورفع أسعار الوقود، وغيره من السلع الأساسية.
السقوط
ووفق تقديرات اقتصادية، فلن يتوقف تهاوي الجنيه المصري عند السعر الحالي، حسب مراقبين، إذ لم تنقض إجازة عيد الأضحى، حتى عادت حالة الاضطراب بالأسواق، مع توقع انخفاض جديد بقيمة الجنيه أمام الدولار والعملات الصعبة، وارتفعت أسعار معظم السلع الأساسية اليومية والفواكه والدخان، بمعدلات تتراوح ما بين 10% إلى 40% تأتي حالة الاضطراب المستمرة، منذ عام 2016، بقيمة الجنيه، وسط توقعات بتوجه الحكومة إلى إجراء تخفيض هائل جديد في قيمته، مدفوعا بشح العملة الصعبة وتراكم الديون، ووجود شكوك بعدم قدرتها على سداد التزاماتها السيادية، وتأخر الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، يمنحها استكمال قرض بقيمة 3 مليارات دولار، وشهادة صلاحية تمكنها من العودة إلى أسواق الدين الدولية، للحصول على قروض جديدة.
وفقد الجنيه 60% من قيمته مع التعويم الأول عام 2016، حيث تراجع مقابل الدولار من 7.5 إلى 15.6 جنيها عام 2017، ليستقر مدارا بدعم من البنك المركزي، لمدة 4 سنوات، أهدر خلالها نحو 20 مليار دولار من الاحتياطي النقدي، حتى بدأ الجنيه مرحلة انهيار جديدة، في مارس2022، ليتراجع، عبر تعويمين متتاليين، بنسبة 50%، خلال نفس العام، ويفقد 20% من قيمته منذ بداية عام 2023، ليصل إلى 31 جنيها مقابل الدولار، في السوق الرسمية، بينما يرتفع عند حدود 40 جنيها في السوق الموازية، و46 جنيها في سوق التعاملات الآجلة.
ويتوقع محللون أن يتجه البنك المركزي إلى خفض جديد في قيمة الجنيه خلال الربع الأول من العام المالي الحالي 2023-2024، وسط تآكل احتياطات النقد الأجنبي ومواكبة السعر السائد بالسوق السوداء، ومع عدم قدرة الحكومة على خفض الواردات، وتعزيز الصادرات، وسحبها التدفقات الأجنبية لسداد التزامات مطلوبة مسبقا.
ويدفع الجنيه المتراجع معدلات التضخم إلى الصعود يوميا، لتزيد من العبء على دخول الأسر والشركات وميزانية الدولة التي تمول مشروعاتها عبر الديون المحلية والخارجية، التي أصبحت تلتهم 93% من موارد الموازنة العامة للدولة، إذ تمول 37% من إيراداتها من القروض المحلية والدولية.
ووفق خبراء، فإن الحكومة تسعى إلى تأجيل خفض قيمة الجنيه، خلال الأيام المقبلة،عبر التصريحات الرئاسية التي استهدفت تهدئة الأسواق قبل حلول عيد الأضحى، والتي أدت إلى تراجع في قيمة الدولار بنحو جنيهن في السوق الموازية.
ومن المتوقع أن تبدأ الحكومة تعويما ضخما للجنيه، نهاية أغسطس المقبل، حيث تسعى إلى تجميع كميات كبيرة من الدولار، من عوائد المصريين القادمين من الخارج خلال فترة الإجازات الصيفية لشهري يوليو وأغسطس.
وستوظف تلك الأموال في توفير السيولة الدولارية للوزارات والجهات الحكومية التي لديها خطط مشروعات تحتاج إلى العملة الصعبة، لتكون تحت تصرفها، خلال العام المالي الحالي، ويشير إلى سعي الحكومة إلى تنفيذ "دولرة" ضخمة، تضمن لها حرية التصرف والحركة، عندما تبدأ في التعويم الجديد للجنيه، بما يقلل من خسائر الموازنة العامة للدولة، التي ستنتج عن الخفض الكبير المتوقع في قيمة العملة.
كما أن الحكومة تجري مفاوضات نهائية مع صندوق النقد الدولي، بما يسمح لها بتوظيف القسط الثاني من قرض الصندوق، وقرض إضافي بقيمة 1.3 مليار دولار، هذه الحصيلة لن توظف إلا عند تنفيذ التعويم الجديد، حيث ترغب الحكومة في عدم المخاطرة بتنفيذ تعويم وتطبيق سعر الصرف المرن، دون أن يكون لديها احتياطي كاف من العملة الصعبة، تواجه زيادة الطلب المتوقع على العملة.
ولعله من دلائل الأزمات المتلاحقة للجنيه المصري، التي تحول حياة المصريين إلى سواد، استمرار رفع الأسعار الذي تشهده الأسواق حاليا، وهو ما يرجع إلى تطبيق الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء، وتوقع الأسواق للتعويم، وعدم وجود معلومات حول سداد الحكومة لالتزامات مالية بقيمة 2.25 مليار دولار، كانت مطلوبة السداد نهاية يونيو الماضي.
تلك الأوضاع لا تبشر بخير للمصريين في افتتاح العشرية السوداء الجديدة للانقلاب العسكري، خاصة مع إقدام السيسي على إنهاء مسرحية الرئاسة الجديدة قبل نهاية العام الحالي، كي ينعم بعدم الإشراف القضائي على الانتخابات، وفق تعديلات دستور التي أرجأت الإشراف القضائي على الانتخابات لمدة عشر سنوات، كي يزور السيسي فيها ما يشاء من إرادة الشعب، الذي يراه السيسي عاجزا عن إدراك مصالحه.