أحمدي البنهاوي
كشف د. عمرو دراج عن أن صياغة إعلان مبادئ توافق عليه نشطاء من اتجاهات مختلفة من الأطياف كافة اصطلح على تسميته "مبادرة واشنطن" صدمت الكثيرين، وأن الغالبية العظمى من الحاضرين، سواء من الإسلاميين أو من غيرهم، رفضوا هذا الطرح انطلاقا من تصادمه مع ما يؤمن به معظم أبناء الشعب المصري، معبرا عن تحفظه المبدئي على مجرد إصدار مثل هذا الإعلان.
وقال السياسي والأكاديمي المصري، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة الرئيس محمد مرسي: إن "الإسلام دين الدولة وتم توثيق ذلك دستوريا بداية من دستور 1923، وما لحق بعد ذلك من تعديل لدستور1971، بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهو ما لم يتغير فيما لحق ذلك في دستور 2012، وحتى في ظل الدستور الذي أنتجه النظام الانقلابي في 2014.
أجندة مخابراتية
وأكد درّاج- في مقال له بعنوان "بين "مبادرة واشنطن" وأولويات العمل الوطني"، نشره اليوم الإثنين المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن "ذلك الرفض أدى إلى استبدال هذه المادة المقترحة بصياغة أخرى، ما دعا مَنْ طرح الصياغة الأولى للانسحاب من الاجتماع".
وأكمل "وهنا يبرز سؤال مهم: ما الذي دعا من سرب الوثيقة إلى إغفال هذا التعديل، بشكل متعمد، ليثير كل هذه الشكوك ويضرب في مصداقية أصحاب الوثيقة، ويتعدى ذلك إلى آخرين لم يشاركوا في هذا العمل أصلا؟، هذا حقيقة ما دفعني لنعت من يقوم بهذا العمل بخدمة أجندة مخابراتية".
صدمة مكانية
وكشف د. عمرو دراج أن "المبادرة" دارت حول "ما هو متفق عليه من مبادئ بين هذه الأطراف لمستقبل مصر"، وقد أثار هذا التسريب استغراب، بل استياء الكثيرين على وسائط التواصل الإجتماعي؛ لأنه حدث دون أي تمهيد، وانطلق من مكان مثير للجدل، كما حوى مادة صادمة للغالبية تتحدث عن أن "الدولة لا هوية ولا مرجعية لها إلا مدنيتها.. ولا يتدخل الدين في الدولة، ولا تتدخل الدولة في الدين.. إلخ"، ما استفز الكثيرين ودفعهم لأخذ موقف عدائي من هذه الوثيقة المسربة، وهذا بالطبع مفهوم في إطار الملابسات التي ذكرتها".
الإيحاء والجدوى
واعتبر رئيس المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، الذي نشر المقال، أن السؤال الآخر الجدير بالإجابة فهو: ما جدوى طرح مثل هذه الأمور المتفق عليها أصلا بين الأغلبية الساحقة من الشعب المصري فيما يتعلق بهويتهم الدينية والحضارية في هذا التوقيت؟ وهل علينا إذا أردنا تحقيق الاصطفاف الوطني أن نسعى لتضييق هوة الخلافات، أم نسعى لتوسيعها بما هو غير مطروح أصلا".
وأضاف "ما فائدة طرح أمور مختلف عليها ولن تستطيع نخبة صغيرة مهما بلغ تنوعها حسمها بعيدا عن إرادة الشعب، وقد توحي للبعض بمحاولة فرض مواد ذات طبيعة "فوق دستورية" ليس هذا أوانها، وتتطرق لأمور، على سبيل المثال، من قبيل "المساواة التامة بين كل المواطنين"، وما يمكن أن يترتب على "الالتزام التام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وهو ما يرى فيه الكثيرون في بلادنا مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية في بعض المواضيع مثل المواريث والعلاقات الأسرية وغيرها، ومثل هذه الأمور التي تحتاج تفسيرا وتفصيلا، وموضعها يكون الدساتير المتكاملة المعتمدة شعبيا، وليس من خلال مبادئ نخبوية؟".
تفخيخ الاصطفاف
وخلص د. دراج إلى أن "محاولة طرح مثل هذه المبادئ والوثائق والإعلانات سيؤدي دائما إلى تفخيخ العمل، ولن يوصل إلى الغرض الذي تفرضه طبيعة المرحلة من تحقيق أكبر قدر ممكن من الإجماع الوطني حول قضايانا المصيرية"، مطالبا بالبحث عن "واجب الوقت".
وأشار إلى أهمية العودة لما يسمى بـ"فقه المقاصد"، واتباع "منهجية محكمة في الموازنة بين الخيارات واختيار الأولويات ودراسة المآلات"، منبها إلى العودة لدراسة متميزة نشرها د. وصفي أبو زيد، تحت عنوان: "مقدمات أصولية في ضبط العمل الثوري وترشيده"، والتي تركز على المقاصد العالية أو المفاهيم التأسيسية، وهي التي تواضعت عليها البشرية، وتلاقت عليها الإنسانية في كل عصورها، مثل الحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والأمن الاجتماعي، وغيرها من مقاصد عالية.
وأكمل أن ذلك "لن يتم إلا بالتخلص التام من النظام الانقلابي العسكري المستبد، واسترداد إرادة المصريين في اختيار من يحكمهم، ويطلق قدراتهم للبناء والنهوض".
رؤية مستقبلية
ويرى عمرو دراج أنه في ضوء ما سبق، ينبغي أن يكون العمل الجبهوي التوافقي من خلال مسارين كبيرين لا ثالث لهما، الأول هو مسار إنهاء الحكم العسكري الانقلابي، والثاني هو مسار الإعداد لإدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية بعد كسر الانقلاب بإذن الله.
ولا بد أن يتضمن المسار الأول ثلاثة أهداف رئيسية (بتصرف):
الأول: السعي والتنسيق لتكوين جبهة سياسية واسعة ذات مشروع سياسي توافقي من أكبر قدر ممكن من الطوائف الثورية والمجتمعية، المتفقة على وجوب إسقاط النظام العسكري وليس فقط معارضته من داخله.
الثاني: استنهاض همة الشعب ليهب هبّة واحدة يحصل فيها على حقوقه باستخدام وسائل المقاومة المدنية كافة؛ المشروعة والمبتكرة التي استخدمها الكثير من الشعوب الأبية.
الثالث: السعي لدى شعوب العالم الحر لفضح النظام الظالم الفاشل باستمرار وكسب أكبر قدر ممكن من الدعم الشعبي والرسمي الدولي للثورة.
وأن يتضمن المسار الثاني (الإعداد للمرحلة الانتقالية) ثلاثة أهداف رئيسية (بتصرف):
الأول: حماية النظام الثوري بعد كسر الانقلاب من قوى الثورة المضادة.
الثاني: تلبية الاحتياجات العاجلة لمعاش المصريين؛ حتى يبدؤوا في تذوق ثمرة انتصار الثورة.
الثالث: تهيئة البيئة الملائمة لإنتاج مشروع بنائي تنموي يشارك فيه المصريون لبناء بلدهم على أسس سليمة.
الرئيس حرًّا
وعن نقطة أخرى ضمن "المبادرة"، قال: "هناك من هم مثلي ممن يرون ضرورة عودة الرئيس الشرعي د. مرسي لممارسة مهامه الرئاسية بعد كسر الانقلاب، ويكون طرفا في تقرير مسار أية مرحلة انتقالية مقبلة، كونه آخر رئيس مدني منتخب بحرية وشرعية من الشعب، مع ابتكار طرق تتجلى فيها الإرادة الشعبية لتأكيد هذا المسار".
وأضاف "لكن هذا لن يمنع الآن من التعاون والعمل المشترك مع من يرى ضرورة العودة للشعب من اليوم الأول لكسر الانقلاب لتحديد المسار السياسي خلال المرحلة الانتقالية.. ما يعني بالضرورة إخراج د. مرسي من محبسه، ليتم التوافق وقتها على سبل إدارة المرحلة الانتقالية، في وجود الرئيس حرا طليقا".