قال تقرير نشرته مؤسسة “كارنيجي للسلام الدولي” أن رعب قائد الانقلاب “السيسي” الدائم من احتمال اندلاع أعمال احتجاج واسعة النطاق ضده، دفعته إلى تعزيز تحالفه مع اسرائيل بدلا من تلبية مطالب شعبه.
ويشدد التقرير على أن “قلقُ نظام السيسي المسكون بهاجس البقاء (في السلطة) هو الذي يُملي في شكل أساسي السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن”، وأنه لهذا السبب، “أصبح الهدف الأساسي للسياسة الخارجية المصرية الحصول على حلفاء يمكنهم المساعدة على التخلص من الاضطرابات الداخلية المحتملة، أو على تدعيم النظام”.
ويوضح أن السعودية ساهمت في دعم نظام السيسي عن طريق المساعدات المالية والاستثمارات، بينما إسرائيل، ساعدت السيسي علي ترسيخ نظامه من خلال التعاون الأمني والمساعي الضاغطة في واشنطن.
ويشير التقرير لأن التعاون المتزايد بين مصر وإسرائيل في مجال الأمن والغاز الطبيعي، وما ترتب عليها من تغير في السياسة الخارجية الجديدة لمصر قد يقوض من دور مصر كوسيط تقليدي في محادثات السلام مع الفلسطينيين، وتقلل من احتمالية قيامها بدور الوسيط في محادثات السلام الإقليمية.
وفي 19 فبراير 2018، أعلنت شركة “دولفينوس القابضة” المصرية الخاصة، القريبة من دوائر السلطة، عن إبرام اتفاق لاستيراد غاز طبيعي بقيمة 15 مليار دولار من إسرائيل على امتداد عشرة أعوام.
واستفادت هذه الشركة من قانون جديد لتنظيم سوق الغاز الطبيعي أُقِرّه نظام السيسي في أغسطس 2017، يتحايل على فكرة استيراد الحكومة المصرية الغاز من الصهاينة، خشية إغضاب الرأي العام، ويجعل شركات خاصة هي التي تقوم بذلك.
وسيط ينحاز للصهاينة
وأوضح التقرير أنه “على الرغم من انتشار شائعات بأنه قد يُعاد تصدير الغاز المستورَد إلى أوروبا بغية مراكمة احتياطيات العملات الأجنبية بدلاً من تخزين الغاز، إلا أن اتفاق الاستيراد من إسرائيل يؤشّر أيضاً إلى روابط اقتصادية ناشئة بين نظام السيسي والصهاينة”.
ولكن خطورة هذا التعاون الاقتصادي المصري الصهيوني تتمثل في تداعياته مباشرة على قدرة القاهرة على أداء دورها التقليدي كوسيط في عملية السلام الفلسطينية، فمن غير المنطقي بعد الان أن يدعي نظام السيسي أنه وسيط بين الفلسطينيين والصهاينة، بينما هو منحاز للمصالح الصهيونية.
ويوضح التقرير أن “جهاز المخابرات العامة المصرية لعب دوراً مباشراً في إنشاء هذه الشركات التي استُخدِمت في تصدير الغاز إلى إسرائيل بموجب اتفاق الغاز للعام 2005، وأن هناك تكهنات بأن شركة “دولفينوس القابضة”، التي وقّعت اتفاق الغاز الجديد، مرتبطة أيضاً بالأجهزة الأمنية – لا سيما على ضوء التوسع الاقتصادي الواسع النطاق للجيش في الأعوام القليلة الماضية.
وضمن هذا التعاون الاقتصادي المتزايد بين نظام السيسي والصهاينة، زار وفد تجاري إسرائيلي القاهرة في أبريل 2016 لأول مرة منذ عشر سنوات من أجل مناقشة توسيع محتمل لاتفاقية المنطقة الصناعية المؤهلة التي وُقِّعت في ديسمبر 2004، ما يعد مؤشراً إضافياً عن الروابط الاقتصادية المحتملة بين البلدَين.
الدعم الصهيوني للسيسي في سيناء
ويشير التقرير إلي التعاون الأمني بين نظام السيسي والصهاينة، والذي تمثل في الكشف عن اعطاءه تل ابيب الضوء الاخضر لقصف سيناء، حيث شنّت إسرائيل، كما أُفيد، أكثر من مئة هجوم جوي في سيناء منذ يوليو 2015 لمساندتها الجيش المصري في معاركة مع داعش سيناء.
وقبل الكشف عن الفضيحة الاخيرة هذا العام، أكّد مسؤول دفاعي إسرائيلي كبير في يناير 2017، أن هناك تعاوناً وثيقاً مع مصر في سيناء، بما في ذلك الموافقة الإسرائيلية السريعة على طلبات الجيش المصري تعزيز قواته هناك.
أيضا دعمت تل ابيب نظام السيسي ضد معارضيه وضغطت على الولايات المتحدة، كي تفرج في أبريل 2014، عن عشر مروحيات “أباتشي” كانت قد امتنعت عن تسليمها إلى مصر بعد تعليق المساعدات العسكرية على إثر انقلاب 2013، باعتبار أنه يحمي حدود الدولة الصهيونية.
وظهر هذا الدعم الصهيوني لنظام السيسي أيضا في مجلس الامن، حين كشفت تسجيلات صوتية مسرَّبة كشفت أن عنصراً في جهاز المخابرات العامة المصري أعطى تعليماته إلى عدد من مقدّمي البرامج التلفزيونية من أجل حشد الدعم الشعبي لقرار نقل السفارة الامريكية للقدس.
ودعوة هذا المسئول الاستخباري اعلاميي النظام، الي إقناع مشاهديهم بأنه على الفلسطينيين القبول برام الله عاصمةً لهم في المستقبل.
وظهر التعاون الصهيوني مع نظام السيسي مبكرا حين دفاع السيسي عن الصهاينة وتعهّد ببناء علاقات “أكثر دفئاً” مع إسرائيل في مايو 2016، حال تمّت تسوية المسألة الفلسطينية، وتكلل بلقاءات سرية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسيسي ثم لقاء علني في امريكا.
ويشير تقرير “كارنيجي” لأن نظام السيسي ليس وحده المعني بالتطبيع مع الصهاينة والتحالف معهم خشية سقوط نظامه، في ضوء تقديمهم دعم له، ولكن السعودية أيضا بدأت التطبيع قبل ان يقدم الصهاينة أي تنازل للفلسطينيين.
حيث تحولت السعودية للنظر إلى إسرائيل كحليفة محتملة في معركتها ضد إيران، وعمدت السعودية وإسرائيل إلى زيادة التعاون العسكري بينهما لمحاربة الإرهاب، وفق ما ورد على لسان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) المنتهية ولايته، مايك بومبيو، في ديسمبر 2017.
كذلك أبدت السعودية اهتماماً بشراء أسلحة إسرائيلية، لا سيما دبابات ومنظومات دفاعية صاروخية.
وأدّى هذا التحول، جزئياً، إلى فصل العلاقات السعودية-المصرية-الإسرائيلية عن المسألة الفلسطينية، ما أتاح للدولتين العربيتين السعي إلى توطيد علاقاتهما مع إسرائيل.
بيد أن الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية، والخشية المصرية والسعودية من رد فعل الرأي العام، يحولان دون قيام تعاون أوثق بين البلدان الثلاثة، بما في ذلك التطبيع المحتمل للعلاقات بين السعودية وإسرائيل.
