بدا السيناريو واقعيًّا تمامًا، قبل نحو 35 عامًا، عندما استعانت تلك المرأة اللعوب في فيلم “الهلفوت” بهذا النكرة عرفة “الشوال”– نقصد الشيال- من أجل التسرية على علية القوم في تلك البقعة المنسية من الأرض، والترفيه على الحضور والقيام بدور المهرج وتدنيس تلك القرية البكر بصنوف الفواحش، بينما يتم تمرير كافة الجرائم في خلفية المشهد على إيقاع الموسيقي الصاخبة وقرع الطبول.

“الهلفوت” استشرف قبل 3 عقود ظهور سمسار الترفيه في بلاد آل سعود، في يوم يشبه البارحة، ليقوم بوظيفة المهرج في تلك البقعة المنكوبة من العالم، في مشهد تتستر خلفه جرائم محمد بن سلمان في بلاد العرب بالإبادة الجماعية في اليمن وصراع النفوذ في الخليج، ونشر وتقطيع المعارضين، وتغييب وسجن وإعدام الدعاة، وغسيل الأموال على نطاق واسع لسد فاتورة إخماد الربيع العربي من مصر إلى ليبيا، والسقوط في مستنقع الحرب الطائفية على إيران وجيوبها في المنطقة، بينما تدنس الحفلات الماجنة وحلبات المصارعة والقصائد المسروقة والديسكو الحلال أراضي الحرمين.

تركي آل الشيخ، هلفوت العصر الحديث، هو نفسه هذا النكرة التي ظهر في غفلة من الزمن محملا بالكثير من الأموال المجهولة المصدر، من أجل القيام بنفس الدور الذي لعبه عرفة، ليتولى منصب رئيس هيئة الترفيه ومن قبلها هيئة الرياضة، ليبدأ رحلة التوغل في بلاد الجوار ليحمل في حقائبه الفتنة والأزمات أينما حل ويغسل الكثير من الأموال كلما ارتحل.

“الحرية والعدالة” ترصد أبرز 5 حقائق حول مستشار الديون الملكي في السعودية، والذي يجسد واقع المملكة الجديد، ويرسم ملامح خارطة السياسة في دولة ولي العهد، في التقرير التالي:

الانبطاح للعم سام

ألقت سياسة المملكة بظلال قاتمة على كافة العواصم العربية، في مشهد بلون الدم تشهد عليه رابعة العدوية عبر تمويل وحماية وتوفير حاضنة للانقلاب العسكري في مصر، ومشاهد القتل والدمار في اليمن، والحرب المستعرة في ليبيا، والتمزق الذي ضرب أرجاء سوريا، والاضطراب السياسي في لبنان، وحصار قطر، وتقديم رشوة لرئيس السودان المعزول لتوريط جيش بلاده في قتال الحوثي.

وبدت المملكة أكثر هشاشة من تحمل الأعباء الأمريكية لتقسيم المنطقة، حيث انهارت سريعا أمام صواريخ الحوثيين في العمق السعودي، لتهرع إلى الولايات المتحدة من أجل حماية عرش ابن سلمان، واستخدمت الأراضي المقدسة لإقامة مؤتمر مكة لتقديم صورة مزيفة بأنها حرب على المقدسات، بينما الحفلات الغنائية الماجنة على بُعد كيلومترات قليلة من الحرم.

ولأن الفاتورة لا بد أن تُسدد كاملة لواشنطن، خرج رئيس الاتحاد العربي لكرة القدم– آنذاك- تركي آل الشيخ، بتأييد ملف الولايات المتحدة في سباق تنظيم كأس العالم 2026، على حساب المغرب، وحشد أصوات الدول الممولة من الرياض لتأييد الملف الثلاثي لدول أمريكا الشمالية على حساب البلد العربي، في مشهد درامي فجر بركان الغضب المغربي على مواقع التواصل الاجتماعي وفي مدرجات الدوري المحلي.

وبلغ الغضب المغربي درجة دفعت أحد النشطاء في مواقع التواصل للدعوة إلى تشجيع المنتخب الروسي “الشقيق” في افتتاح مونديال 2018 الذي يواجه نظيره السعودي، وذلك ردا على موقف المملكة، وتندر أحد الصحفيين المغاربة على الموقف السعودي، ودعا في تدوينة إلى طي صفحة ترشح المغرب لاحتضان مونديال 2026، والتركيز بدلا عن ذلك على افتتاح مونديال 2018، معقبا: “المنتخب الروسي الشقيق في حاجة إلينا”.

غسيل الأموال

المشهد الهزلي انتقل إلى مصر بعدما قرر “الهلفوت” اقتحام عالم الرياضة المصري عبر بوابة النادي الأهلي، وضخ الكثير من الأموال من أجل جلب الصفقات لبطل الدوري، ودعم محمود الخطيب بعشرات الملايين في سباق الترشح لرئاسة النادي الأحمر، قبل أن ينقلب المشهد رأسا على عقب ويوجه آل الشيخ بصلته صوب المنافس الزمالك، رغم سابق اعترافه بأنه أحد أكبر أنصار الأهلي في المملكة.

ولم يلبس تركي أن فتح خزائنه لتدعيم صفوف الزمالك بالكثير من الصفقات المؤثرة، قبل أن يعلن عن شراء نادي الأسيوطي وتغيير الاسم إلى بيراميدز، لينافس به على منصات التتويج في مصر، واللافت أن مالك النادي الجديد بات أول رجل أعمال يدعم ناديه ومنافسيه بالصفقات والأموال، في سيناريو كوميدي بامتياز.

إلا أن الشبهات حامت حول أهداف شراء النادي المصري وضخ ملايين الجنيهات لجلب الصفقات، ومدى قانونية الشركة التي قامت بشراء الأسيوطي والشبهات المتعلقة بتورطها في غسيل الأموال، والدخول في صفقات مشبوهة والسمسرة في بيع وشراء اللاعبين في مصر والمملكة.

وعندما بدأت رائحة الفساد تفوح في أروقة الرياضة المصرية، وهجوم جماهير الأهلي على مستشار الترفيه بسبب مواقفه العدائية للنادي الأحمر، قرر آل الشيخ شد الرحال إلى إسبانيا لمواصلة المسلسل المثير للجدل في غسيل أموال النفط، وتعويض نزيف حرب اليمن، في أحد أهم مدخلات الخزانة السعودية.

تدنيس بلاد الحرمين

ومن دور مشبوه في إثارة الفتن في الأراضي العربية وحقيبة الفساد الدبلوماسية، إلى دور أوقع وأكثر قذارة بتدنيس بلاد الحرمين، عبر دخول الحفلات الغنائية المختلطة لأول مرة في تاريخ أرض الحرمين، لتكون المحصلة في مشاهد احتضان الفتيات السعوديات للمطربين، وتعدد حالات التحرش، وإقامة مواسم الرقص على بُعد كليومترات قليلة من المسجد الحرام.

واتجه تركي آل الشيخ إلى دخول المسرح إلى أرض الحرم، واستعان بالكثير من النجوم في العالم العربي لإحداث نقلة في هذا المضمار داخل المملكة، وفتح الباب أمام حلبات المصارعة الأمريكية في أرض الحرم، قبل أن يتم الإعلان عن أول ديسكو “حلال” في جدة، لتواصل دولة المقدسات السقوط في مستنقع الترفيه على نحو متسارع بشكل يرضي واشنطن ويبارك تربع الأمير الشاب على العرش.

خطوات تركي آل الشيخ المتسارعة في مضمار الترفيه والتسفيه والسقوط، جاءت لتواجه دعوة نواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مجلس النواب “الكونجرس” إلى إجبار وزارة الخارجية الأمريكية على مراجعة المناهج المدرسية السعودية، وتقديم تقرير سنوي على التسامح الديني فيها ومدى التقدم في إزالة المواد الحاثة على التشدد.

وقال عضو مجلس النواب الجمهوري جو ويلسون: إن المناهج السعودية “مليئة بالمحتوى المحرض للشباب على الكراهية والتشدد”، مضيفا: “على مدى عقد من الزمان تعهدت الرياض بمراجعة هذه المناهج وإزالة المحتوى ولم تقم بالوفاء بتلك التعهدات”.

من جانبه قال العضو الديمقراطي ويليام كيتنج: “إن السعودية تواصل تجاهل الخطاب المتشدد في مناهج الأطفال وللأسف هذا الخطاب يزيد من العنف تجاه الفئات المستضعفة داخل السعودية وفي المنطقة”.

وأكد كيتنج أن “التشريع الجديد لمراجعة المناهج السعودية سيضمن أن الرياض تتخذ خطوات استباقية أكبر لإلغاء المحتوى المحرض على الكراهية، وأن الأطفال سيتلقون تعليما ذا معنى يدعم السلام والتفاهم ويجهزهم للمساهمة والمنافسة في سوق العمل العالمي”.

أكذوبة الاستثمار

زعم تركي آل الشيخ أنه دخل بأمواله إلى مصر من أجل الاستثمار الرياضي، حاملا في حقائبه مشروعات ذات أسماء رنانة من عينة مشروع القرن في النادي الأهلي ودعم ترشح مصر للمونديال، وتطوير البنية التحتية، إلا أن تلك التصريحات ما لبثت أن ذهبت أدراج الرياح تحت وطأة الخلافات، ليعوضها شراء نادي الأسيوطي لمدة عام واحد، قبل أن يقرر التخلص منه لصالح سالم الشمسي، وشراء ألميريا الإسباني.

ولم يترك تركي منصة إعلامية إلا وتحدث عن الاستثمار الرياضي تارة، أو التهديد بالانسحاب وسحب أمواله تارة أخرى، إلا أن اللافت أن “طال عمره” لم يشيد إستاد بل قام باستئجار ملعب الدفاع الجوي، ولم يقرر بناء ملاعب تدريب للناشئين، وإنما استعان بملاعب الأسيوطي، ولم يضخ أية أموال لتطوير الملاعب أو البنية التحتية للنادي الوليد، أو تأسيس ولو مبنى اجتماعي، على غرار استثمارات أندية وادي دجلة والجونة التي صنعت الفارق بالفعل في الكرة المصرية على صعيد تفريخ المواهب في مختلف الرياضيات أو تطوير البنية التحتية وتوسيع رقعة ممارسة كرة القدم.

شاعر الفتنة

ولمن لم يشاهد فيلم “مرجان أحمد مرجان” لعادل إمام، يكفي أن يراقب الإنتاج الفني لشاعر الفتنة تركي آل الشيخ، الذي ظهر فجأة من العدم على أنقاض الشعراء العرب من مختلف الأقطار لشراء القصائد وتصديرها لكبار المطربين، الذين يفضلون بدورهم التعاون مع صاحب مفاتيح الترفيه في السعودية.

المشهد أشبه بـ”الحلزونة ياما الحلزونة” التي جسدها عادل إمام، بشراء القصائد من الشعراء المغمورين نظير الكثير من الأموال، لصناعة مجد زائف يبيض الوجه الأسود، إلا أن تركي كعادته عندما قرر دخول عالم الشعر من الباب الخلفي، لم يتخل عن هدفه في إثارة الفتنة، فشن هجوما بغيضا على الجارة الدوحة عبر أوبريت “علم قطر”، بما يحمل في كلماته من التهديد والتحريض والكراهية.

تركي آل الشيخ هو المنتج الذي يعبر بوضوح لا لبس فيه عن سياسة المملكة في عصر الأمير الشاب، بالانبطاح التام للولايات المتحدة، وإثارة الفتن، وتنفيذ الأجندة الصهيونية بامتياز، وإخماد الربيع العربي، وتسيس الحج والعمرة، وتقطيع وتغييب المعارضة، وتفتيت القضية الفلسطينية، وغسيل الأموال، ولا يزال هذا السرطان ينهش الجسد المصري، ويثير الفتن بين الجماهير.

Facebook Comments