في خطوة أخيرة للاستحواذ على شركة غاز شرق المتوسط (شركة حسين سالم)، المالكة لخط أنابيب “عسقلان العريش” للغاز الطبيعي، أعلن تحالف تم تدشينه في هولندا يسمى “شركة غاز شرق المتوسط”- ويضم شركة ديليك للحفر الإسرائيلية، وشركة نوبل إنرجي الأمريكية، وشركة غاز الشرق المصرية التي تمتلكها المخابرات المصرية- عن أنه أنهى صفقة الاستحواذ على 39% من أسهم شركة “سالم” تمهيدا لبدء استيراد الغاز الصهيوني.

إعلام الانقلاب صدرت له الأوامر من المخابرات التي تديره بالترويج للصفقة وعدم التركيز على استحواذ الصهاينة، والزعم أن الصفقة “خطوة أخرى نحو تحول مصر إلى مركز إقليمي للغاز الطبيعي”، بيد أن الحقيقة هي أن اتفاق بيع جزء من خط الأنابيب المصري لنقل الغاز لشركات صهيونية وأمريكية متعاونة معها، سيجعل تل أبيب عملاقًا إقليميًّا في مجال الغاز بالشرق الأوسط.

فالقصة باختصار هي أنه بينما كانت مصر تصدر الغاز إلى الدولة الصهيونية في عهد مبارك، وتخلت عن حقوق غاز بالبحر المتوسط استولى عليها الصهاينة، أصبح الصهاينة الآن المصدرين للغاز لمصر، ولولا اتفاق السيسي ومخابراته معهم لاستغلال نفس خط حسين سالم لاستيراد الغاز الصهيوني ما كانوا قادرين على بيعه لارتفاع تكاليف تسييله ونقله لأوروبا، ما يعني أن الصهاينة باتوا يستعملون السيسي لتصدير الغاز إلى أوروبا مقابل حفنة دولارات للانقلاب.

من يسيطر على شركة حسين سالم الآن؟

شركة غاز شرق المتوسط East Mediterranean Gas -EMG، هي شركة مشتركة تأسست في سنة 2000، أسسها وكان يرأسها حسين سالم، وبعد عملية غير واضحة المعالم في عام 2008، أعلن حسين سالم أنه باع كل حصته لشركة طاقة تايلندية “پي تي تي” ورجل أعمال إسرائيلي أمريكي “سام زل”، ويرأس الشركة حاليا محمد إبراهيم الطويلة.

والشركة يفترض أنه كانت تملكها الهيئة العامة للبترول المصرية بنسبة (68.4%) والشركة الإسرائيلية الخاصة مرحاڤ بنسبة (25%) وشركة أمپال-إسرائيل الأمريكية بنسبة (6.6%) والشركتان الأخيرتان يملكهما رجل الأعمال الإسرائيلي يوسف مايمان، ضابط المخابرات السابق في الموساد، والشركة تزاول نشاطها في منطقة حرة خاصة بالإسكندرية.

وقد حصلت هذه الشركة على حقوق تصدير الغاز الطبيعي من مصر إلى إسرائيل والأماكن الأخرى في المنطقة عبر خط أنابيب تحت الماء من العريش إلى عسقلان، ولكن عقب تفجير مناطق في الخط وتوقف تصدير الغاز المصري لإسرائيل، والبدء في التفكير في استيراد الغاز الصهيوني، بدأت الشركة في إنشاء خطوط أنابيب من الموانئ المصرية المختلفة بغرض تصدير الغاز الطبيعي.

وفي 23 فبراير 2011، صرح المهندس محمد إبراهيم طويلة، رئيس شركة غاز شرق المتوسط «إى. إم. جى»، صاحبة امتياز تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، بأن هيكل ملكية الشركة موزع بين شركة پي تي تي المملوكة للحكومة التايلاندية، ورجل الأعمال الأمريكي سام زيل، ويملك الشريك الإسرائيلي 25% موزعة على شركتى «مرحاب»، و«مرحاب إنتل» الإسرائيليتين، بينما تمتلك الهيئة العامة للبترول نسبة الـ 10% المتبقية.

الآن بدأ منتجو الغاز في إسرائيل يستكملون السيطرة على خط أنابيب شرق المتوسط، بعدما أعلنت بورصة تل أبيب للأوراق المالية، أمس الأحد، عن إتمام نقل الحصة الحاكمة في خط أنابيب شرق المتوسط “عسقلان – العريش”، إلى شركة ديليك للحفر الإسرائيلية وشركة نوبل إنرجي الأمريكية، وشركة غاز الشرق المصرية، حسبما ذكرت وكالة بلومبرج.

ويشير ذلك إلى اقتراب بدء توريد الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى مصر، في إطار الاتفاق الموقع في فبراير 2018 بين نوبل وديليك الشريكتين في حقلي تمار وليفايثان الإسرائيليين، وبين شركة دولفينوس القابضة المصرية المملوكة لرجل الأعمال علاء عرفة، بقيمة مبدئية 15 مليار دولار، ارتفعت الشهر الماضي إلى 19.5 مليار دولار بعد تعديل الاتفاق لزيادة الإمدادات بنسبة 30%.

حيث أشار بيان بورصة تل أبيب إلى أن الشركات الثلاث ستدير خط الأنابيب في إطار شراكة باسم “إي إم إي دي”.

ويجب ملاحظة هنا أن الفريق السابق المهيمن على شركة غاز الشرق المصرية بينهم صهاينة يسيطرون بنسبة 25% منها، ما يعني أن رجال الأعمال الصهاينة يستحوذون حاليا على غالبية ملكية الخط.

وقالت شركة ديليك الصهيونية، في بيان لها، إنه لم يتبق أية شروط خاصة بإتمام صفقة تشغيل خط أنابيب الغاز، والتي من المتوقع إنهاؤها خلال أيام، ففي أكتوبر الماضي تمكنت الشركات الثلاث من دفع 70% من القيمة المطلوبة للاستحواذ على حصة حاكمة في خط أنابيب شرق المتوسط.

ومن المتوقع وصول أولى شحنات الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى مصر في أوائل عام 2020، حسبما ذكرت ديليك ونوبل سابقا.

ووفقَا للاتفاقية الموقعة في فبراير 2018، أُنشئت شركة إي إم إي دي كشركة مشتركة تمتلك بها ديليك حصة 25% ونوبل 25% وغاز الشرق 50% وذلك لشراء 39% من أسهم خط أنابيب شرق المتوسط مقابل 520 مليون دولار.

واتفق الشركاء الثلاثة على إمداد دولفينوس القابضة بالغاز الطبيعي من حقلي ليفياثان وتمار للغاز الطبيعي عبر خط أنابيب بطول 90 كم بحوالي 64 مليار متر مكعب من الغاز على مدار 10 سنوات.

وفي أكتوبر 2019، عدلت الاتفاقية لرفع الإمدادات بنسبة 34% لتبلغ 85.3 مليار متر مكعب. كذلك تحدد بدء تصدير الشحنات مطلع 2020 وتمتد حتى 2034، على أن يصل إجمالي الشحنات إلى 2.1 مليار متر مكعب سنويا خلال الثلاث سنوات الأولى وتزيد إلى 6.7 مليار متر مكعب من السنة الرابعة.

إزالة كل العوائق أمام الاستيراد من إسرائيل

كان اتفاق تصدير الغاز بين مصر وإسرائيل قد واجه العديد من العوائق أجلت تنفيذه، وتسببت قضايا التحكيم الخاصة بتوقف تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل في تأخر إتمام الاتفاقية، إذ أكدت حكومة رئيس الوزراء السابق، شريف إسماعيل، أن تسوية قضايا التحكيم شرط مسبق لأي اتفاق لتصدير الغاز مع إسرائيل.

وفي أغسطس 2018، قالت مصادر لوكالة بلومبرج إن الحكومة المصرية قد توصلت إلى اتفاق لخفض غرامة التحكيم الدولي ضد شركات إيجاس والهيئة المصرية العامة للبترول وغاز شرق المتوسط بسبب فشلها في تزويد شركة كهرباء إسرائيل بالغاز في عام 2012، من 1.76 مليار دولار إلى نحو 470 مليون دولار.

وكانت مجموعة “بي تي تي” التايلاندية قد طالبت أيضا بتعويض مليار دولار من الحكومة المصرية في مايو الماضي، بدعوى أن مصر لم تقم بتصدير شحنات الغاز المتفق عليها بعد عام 2011 وتسببت في عدم قدرة شركة غاز شرق المتوسط، التي تمتلك بها “بي تي تي” حصة 25%، في الوفاء بالتزاماتها التعاقدية تجاه عملائها. وليس من الواضح موقف الدعوى حاليا، وهل يمكن أن تعطل بدء تنفيذ اتفاقية التصدير الإسرائيلية أم لا.

وتجنبت مصر أيضا سداد 288 مليون دولار بعد تسوية دعوى التحكيم المقامة من شركة غاز شرق المتوسط، وفق ما ذكرته جريدة البورصة نقلا عن مصدر حكومة أمس. وأوضح المصدر أنه جرت تسوية الدعوى بعد استحواذ نوبل وديليك وغاز الشرق على شركة غاز شرق المتوسط.

ويبدو أن المشكلات المتعلقة بضيق سعة خطوط الغاز من الجانب الصهيوني والتنظيم كانت أيضا سببا في تأخر تفعيل الاتفاقية، فقد كان من المفترض أن تبدأ مصر في تسلم شحنات الغاز التجريبية في مارس الماضي، على أن تبدأ المبيعات التجارية بنهاية يونيو، لكن القيود المفروضة على سعة شبكة خطوط الأنابيب المحلية في إسرائيل تسببت في حدوث تأخير.

وقد أجرت شركة ديليك سلسلة من الاختبارات على خط أنابيب غاز شرق المتوسط في شهر يوليو الماضي لإزالة أي شكوك حول سلامة الخطوط، مؤكدة أن الأنابيب قادرة على نقل ما يصل إلى 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا.

كما حدث تأخير آخر نسبه وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينيتس إلى “الهيكل التنظيمي المعقد” لإسرائيل، لكن هيئة منع الاحتكار الإسرائيلية وافقت في أغسطس الماضي لشركة نوبل للطاقة وديليك دريلنج بإتمام صفقة الاستحواذ على خط الأنابيب.

وأخيرا زالت عقبة أخرى في سبتمبر الماضي، عندما وقعت شركة غاز شرق المتوسط اتفاقا مع شركة خط أنابيب أوروبا آسيا الإسرائيلية يسمح لها باستخدام مرفأ تابع للأخيرة من أجل تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر.

من الفائز؟

كان الاتفاق المبدئي قد نظر إليه على نطاق واسع باعتباره خطوة مهمة لمصر كي تصبح مركزا إقليميا لتصدير الغاز المنتج من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا بعد إسالته في المصانع المصرية.

ولكن الكميات الإضافية المقرر استيرادها بعد تعديل الاتفاقية الشهر الماضي قد توجه لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الغاز، والذي من المتوقع أن يرتفع بنسبة 30% على مدى العقدين المقبلين، مع توقعات بحدوث نقص لدي مصر في الإنتاج خلال خمس سنوات فقط، وفقا لما ذكرته بلومبرج نقلا عن دراسة أعدتها شركة وود ماكنزي البريطانية للأبحاث والاستشارات.

وبرغم أن إعلاميي الانقلاب، مثل لميس الحديدي، علقوا على الاتفاق زاعما أنها “خطوة جديدة في خطة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة”، بعد تغير هيكل ملكية شركة غاز شرق المتوسط، التي تملك خط الغاز الممتد بين مصر وإسرائيل.

وزعمت خلال برنامج “القاهرة الآن”، المذاع على قناة “الحدث” السعودية، أنه بعد إتمام الهيكل الجديد أصبحت الحصة المصرية الأكبر في هذا الخط بين نسبة شركة غاز الشرق شركة مصرية، ونسبة هيئة البترول المصرية.

إلا أن الواقع أن نسب الصهاينة ومعاونيهم الأمريكان في التحالف الجديد هي الأكبر، والأهم أن الاتفاق ككل يحل مشكلة نقل الغاز الصهيونية لأوروبا، وهو مربح لتل أبيب وأرخص لها، وبدونه كانت ستضطر لبناء خط تحت الماء لأوروبا يجعل سعر الغاز الصهيوني غاليا لا أحد يشتريه، ولكن السيسي حل لها المشكلة عبر شركات المخابرات التي شكلها للدخول في الصفقة.

Facebook Comments