بعد أيام من الإفراج المفاجئ عن الفريق سامي عنان، في إطار الترتيبات العسكرية الجديدة التي يتبعها نظام السيسي لنزع فتيل الغضب العسكري المتفاقم داخل أروقة الجيش، وبالتغاضي عن فساد ملياري سبق وأن تحدث عنه السيسي ونظامه ضد الفريق عنان، قررت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع برئاسة يسري الشيخ، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، عدم أحقية المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، في إعانة نهاية الخدمة، والمكافأة المقررة بلائحة نظام الخدمات الطبية والرعاية الاجتماعية.
واستندت الجمعية إلى قرار قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي رقم 132 بتاريخ 28 مارس 2016، بإعفاء هشام جنينة من منصبه، على خلفية تصريحات جنينة بشأن تكلفة الفساد في مصر عام 2015، وزعمت الجمعية أن “الحالات التي تستحق الإعانة المقررة لنهاية الخدمة بنص المادة 76 من لائحة نظام العاملين بالجهاز المركزي للمحاسبات، وكذا المكافأة المقررة بنص المادة 33 من لائحة نظام الخدمات الطبية، لم تتضمن أي حالات لإنهاء الخدمة تتعلق بالعزل أو الفصل أو الإعفاء من الخدمة، ولم تضف إليها حالات أخرى تنطبق على حالة الإعفاء من الوظيفة، ومن ثم لم تندرج حالة الإعفاء من الوظيفة ضمن حالات استحقاق الإعانة أو المكافأة”.
المثير للسخرية أنه في الوقت الذي يتم فيه التنكيل بهشام جنينة، يتم الإفراج عن سامي عنان، رغم إصدار محكمة الجنايات العسكرية، في يناير الماضي، في جلسة سرية، حكما بحبس عنان لمدة أربع سنوات بتهمة “تزوير استمارة الرقم القومي”، والتي ورد فيها أنه فريق سابق بالقوات المسلحة ولم يذكر أنه مستدعى.
الفريق عنان وفساد ملياري
ويأتي الإفراج عن عنان رغم إصدار محكمة الجنايات العسكرية، في يناير الماضي، في جلسة سرية، حكمًا بحبس عنان لمدة أربع سنوات عن تهمة “تزوير استمارة الرقم القومي، والتي ورد فيها أنه فريق سابق بالقوات المسلحة ولم يذكر أنه مستدعى”، كما قضت محكمة الجنح العسكرية بحبس عنان 6 سنوات عن تهمة “مخالفة الانضباط العسكري، بالإعلان عن نيته الترشح لرئاسة الانقلاب، وتحدثه عن أحوال البلاد”، ليكون بذلك مجموع الأحكام عشر سنوات.
وعقب حبس عنان بدأت سلطات السيسي النبش في السجل المالي له؛ حيث كشفت وسائل إعلام عن انتهاء مصلحة الخبراء التابعة لوزارة العدل في حكومة الانقلاب من إعداد تقارير محاسبية مفصلة عن عمليات إنشاء بعض دور واستراحات الدفاع الجوي التابعة للجيش، ارتباطًا باتهامات يواجهها عنان ونجله سمير في قضية الكسب غير المشروع القائمة على عشرات البلاغات، كانت مجمدة منذ عام 2012، في وقائع تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ والتربح من تجارة أراض حصل عليها عنان بحكم وظيفته العسكرية.
حيث أخلت النيابة العسكرية سبيل عنان في هذه القضية مع استمرار حبسه في قضية مخالفة الاستدعاء العسكري بإعلان ترشحه للرئاسة، ثم قضية تزوير بياناته وإدراج اسمه في قاعدة بيانات الناخبين، كما حبست نجله سمير عدة أيام لحين دفع كفالة لكليهما بلغت نحو مليوني جنيه، على ذمة اتهامهما بالكسب غير المشروع والفساد المالي.
وذكرت مصادر صحفية آنذاك أن عنان عرض التبرع بعدد من ممتلكاته العقارية لصالح الجيش، لكن القضاء العسكري رفض هذا التبرع باعتباره يعد تهربًا من الاتهام.
في غضون ذلك، فتحت النيابة العسكرية عقب القبض على عنان ملفات حول تضخم ثروته ووقوع مخالفات مالية في إنشاء بعض الدور والأندية التي كان عنان مشرفًا على إنشائها خلال رئاسته سلاح الدفاع الجوي؛ حيث كانت إدارة كل سلاح تتولى التصرف في الأموال المخصصة لها لإنشاء مشروعات ذات طبيعة استثمارية ربحية تدر دخلا لصناديق رعاية أعضائها، فضلاً عن التحقيق في مخالفات مالية قديمة بشأن منتجعات تابعة لسلاح الدفاع الجوي، ثم منتجعات مغلقة تابعة لقيادة الجيش، كان عنان يتولى إدارتها ماليا بتفويض من وزير الدفاع آنذاك المشير حسين طنطاوي.
ويتضمن هذا الملف اتهامًا لعنان بممارسة أعمال “سمسرة” للتربح من إعادة بيع أراضٍ كانت مخصصة للجيش وتقرر التصرف فيها، وكذلك من عمليات شراء و”تسقيع” أراضٍ بور لإعادة بيعها بعد دخولها للحيز العمراني، استغلالاً للمعلومات التي كان يتحصل عليها مبكرًا عن خطط التوسع العمراني في مناطق الساحل الشمالي غرب الإسكندرية، بالتنسيق مع وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان؛ حيث يملك عنان وزوجته ونجله مجموعة متنوعة بين العقارات والمزارع والأراضي الفضاء بمارينا وسيدي كرير والقاهرة الجديدة وطريق مصر- الإسكندرية الصحراوي، بعدما كان كل ما يملكه قبل 20 عامًا شقة بعمارات الضباط بمنطقة الرماية بالجيزة.
المدني والعسكري
ويكشف قرار حرمان جنينة من مستحقاته المالية ومكافأة نهاية الخدمة، عن الازدواجية التي تتعامل بها دولة السيسي مع المدنيين والعسكريين، حيث يجري التغاضي عن فساد القيادات العسكرية، في مقابل التشدد الإجرامي والعسف بحقوق المدنيين، سواء أكان جنينة أو غيره من المعتقلين الذين يجري فصلهم من الخدمة بترتيبات قمعية من السيسي ونظامه، بفصل أي معتقل جرى تجريمه بقضايا سياسية، وهو ما تسبب في فصل آلاف المعتقلين من وظائفهم مؤخرًا، وهو ما يؤكد أن السيسي لا يخشى إلا ممن يحمل السلاح، وخاصة في الجيش، وذلك على الرغم من رفض ما يجري سواء ضد القيادات العسكرية أو المدنية.
ولعلّ الفساد الملياري الذي تورط فيه السيسي وعدد من قيادات الهيئة الهندسية في قضايا القصور الرئاسية واحتفالات فنكوش التفريعة الثالثة لقناة السويس، وأيضًا سيطرة العسكر على 60% من الاقتصاد المصري عبر الأمر المباشر هل السبب في تلك الازدواجية.
