القطن لم يعد مصريًّا بعد أن أصبح القطن “بنينيًّا”، نسبةً إلى دولة “بنين” الإفريقية الصغيرة، حيث أصحبت الدولة الأولى إفريقيًّا في زراعة وتصدير القطن، في نفس الوقت الذي خرجت فيه مصر من الترتيب!.

وقبل قرنين وتحديدًا في عام 1816، استجلب محمد علي، والي مصر آنذاك، بذرة القطن من الهند لأول مرة إلى مصر، بعد اقتناعه برأي الفرنسي “جوميل” بأهمية القطن كمحصول استراتيجي، ورغبة في تأسيس مصر الحديثة.

حرص الرئيس مرسى

وكان حرص الدكتور محمد مرسى، رئيس الجمهورية الشهيد، على عودة القطن المصرى لريادته واضحًا، بما ترتب على ذلك من عودة صناعة الغزل النسيج ومصانعها المغلقة، إلا أن “غراب العسكر” قضى على تلك الآمال، حيث خرجت مصر من الترتيب في إفريقيا والعالم، وهى الآن تزرع 150 فدانًا فقط.

ليس مصادفة أن “بنين” أصغر دولة في إفريقيا أصبحت الأولى وخرجت مصر؛ حيث يتأثر القطن بالعرض والطلب العالمي، والفلاح يحصل على السعر العالمي فازدادت المساحة المزروعة هناك إلى أكثر من 3.3 مليون فدان.

إسقاط الديون

أعقب ذلك إسقاط ديون الفلاحين لأكثر من 10 آلاف جنيه، وطالب مسئولو بنك التنمية والائتمان الزراعي بعدم التهاون فى تنفيذ قراره بشأن إسقاط الديون الأقل من 10 آلاف جنيه آنذاك.

وقال الرئيس الشهيد، في كلمته خلال الاحتفال بعيد الفلاح فى سبتمبر 2012: إنه قرر إسقاط جميع غرامات المخالفين فى زراعة الأرز، وتحديد سعره بـ2000 جنيه للطن، محذرا من التلاعب في أسعاره بالسوق السوداء، وتعهد بتحديد أسعار توريد القطن بشكل يضمن تحقيق أرباح للفلاحين.

القطن المصري.. ذهب

وفضح الذراع الإعلامية، عبد الرحيم علي، عبر موقعه “البوابة نيوز”، الفساد والإهمال وتدنى إنتاج القطن المصري “طويل التيلة”؛ حيث كشف عن أنه “من مليون فدان بداية التسعينات إلى 200 ألف فدان في 2019.. كانت النهاية المأساوية للذهب الأبيض”.

حيث إن المساحة المزروعة من القطن انخفضت من مليون فدان بداية التسعينات من القرن الماضي إلى 131 ألف فدان العام الماضي، إلى أن وضعت حكومة الانقلاب خطة لزيادة المساحة المزروعة بالقطن إلى 350 ألف فدان في 2018. كما وضعت الحكومة خطة لاستغلال الإنتاج المحلي للقطن باستهلاك 4.5 مليون قنطار بحلول عام 2020، حيث انخفض استهلاك القطن فى المصانع المصرية من 8 ملايين قنطار عام 2012 إلى 670 ألف قنطار خلال العام 2016.

الخروج من البورصة العالمية

لكن يبدو أن الحكومة تراجعت عن خطتها لعودة تربع القطن المصري على عرش الأقطان العالمية مرة أخرى، وسبق أن أعلن عز الدين أبو ستيت، وزير الزراعة السابق بحكومة الانقلاب، عن خفض المساحات المستهدفة لمحصول القطن الموسم الجديد بنسبة 40.5%، لتصل إلى 200 ألف فدان فقط، مقابل 336 ألف فدان تمت زراعتها الموسم الماضي، لعدم وجود مشترين له.

الدكتور سعيد خليل، رئيس قسم التحوّل الوراثي بمركز البحوث الزراعية، قال إن خفض المساحة المزروعة بالقطن، في الموسم الجديد، إلى 200 ألف فدان، تُعتبر انتكاسة ثانية للقطن المصري بعد الأمل الذي دب في قلوب كثير من الفلاحين بأن تزيد المساحة إلى 600 ألف فدان، بتعليمات القيادة السياسية. ويُتابع: “الانتكاسة الأولى للقطن كانت في العام 2013/2014 والتي أدت إلى خروج مصر من سوق القطن العالمي”.

ويعّول خليل، في تصريح له، انهيار القطن المصري خلال السنوات الماضية إلى القرار الجمهوري رقم 210 لسنة 1994، والذي ينص على فك منظومة القطن المصري، وقرار آخر بإلغاء بورصة القطن صدر في نفس العام. ويُكمل: “من وقتها تفرق دم القطن المصري بين ما يزيد على 18 وزارة وهيئة حكومية مُختلفة، فتفرقت مسئولية الذهب الأبيض الذي تربع على عرش الأقطان لمدة تبلُغ 181 عامًا، وأضحى الخاسر الوحيد هو الفلاح المصري”.

فشل ذريع

أما حسام رضا، الخبير الزراعي، فقال إن خفض المساحات المزروعة بالقطن بنسبة 40.5% يُعد فشلًا ذريعًا لوزير الزراعة الحالي، نتيجة سياسات زراعية سيئة بدأت في عهد وزير الزراعة الأسبق يوسف والي.

ويوضح أن “هؤلاء يدعمون المزارع الأمريكي، لأن كل قنطار يخرج للتصدير من مصر يقابله قنطار يدخل إليها من القطن الأمريكي الأقل جودة والأكثر سرعة، كما أن أمريكا تدعم مُزارعي القطن لديها بحوالي 40 مليار دولار سنويًا لزيادة صادراتهم”.

ويُضيف: “نستورد الأقطان قصيرة التيلة من أمريكا واليونان وأوكرانيا مُنذ أن أوقفنا تحديث مصانع المحلة للغزل والنسيج بأوامر من البنك الدولي سنة 1986، كما أننا فشلنا في تسويق القطن المصري ذائع الصيت في العالم أجمع، بسبب عدم وجود خطة متكاملة من الزراعة والصناعة والاستثمار”.

ويُشير رضا إلى أن مصر تستورد بمبلغ يصل إلى نحو 22 مليار جنيه سنويًا، زيوتًا مصنوعة من الأقطان، رديئة ومهندسة وراثيًا، في حين أننا نغفل مُخلفات بذرة القطن المصري التي تُنتج نحو 20 لترا من الزيوت والمُخلفات الأخرى التي تستخدم كأعلاف للمواشي. مُضيفًا: “الحل في منظومة مُتكاملة لزراعة القطن المصري، وتطوير مصانع الغزل والنسيج التي تستوعب 32% من العمالة المصرية”.

Facebook Comments