“سوق العقارات” تتهاوى بسبب قلة الزواج واحتكار الجيش.. نبوءة “ساويرس” لم تتحقق

- ‎فيتقارير

ضربة موجعة تواجه سوق العقارات في مصر، بعد عزوف المشترين عن “الثروة المضمونة” كما يروج لها ملاك الشقق والعقارات طوال السنوات الماضية، إلا أن الركود المهول أصاب الصناعة التي تشمل 7 أشغال مجاورة بانخفاض بلغ 15%، وفق شعبة البناء والتشييد بالغرفة التجارية المصرية.

وفي إبريل من العام الماضي، صرَّح نجيب ساويرس، رجل الأعمال المقرب من الانقلاب، بأن الطلب على العقارات في مصر يصل إلى عشرة أضعاف العرض.

يبدو هذا التصريح غريبًا للوهلة الأولى، ففي الوقت الذي يتوقع فيه أغلب الخبراء العقاريين أزمة عقارية في ظل الركود الحالي للقطاع مع نهاية الربع الأخير لـ2018، يحاول ساويرس دخول القطاع المأزوم، بل يعطي السوق مؤشرات إيجابية عنه.

وأنهى أحمد الزيني، رئيس شعبة مواد البناء، الجدل حيث قال إن أسعار العقارات سوف تشهد نسبة انخفاض 15% بسبب ضعف الشراء.

أكذوبة 2019

وسبق أن أكد مطورون أن أسعار العقارات تشهد حالة من الرواج خلال المرحلة المقبلة؛ نظرًا لوجود عدة مشروعات عمرانية جديدة بالمدن الجديدة، وعلى رأسها العاصمة الإدارية؛ حيث تم إسناد 6 قطع أراضٍ جديدة لمطورين في العاصمة.

من جانبه قال حسين صبور، الخبير العقاري: إن أسعار العقارات ترتفع كل عام بواقع 10 إلى 15% كل عام؛ نظرًا لزيادة الطلب على الوحدات السكنية والإدارية والتجارية كل عام، وبالتالي فزيادة الطلب ترفع السعر تلقائيا، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المدخلات المكونة لمعادلة التطوير العقاري.

وأوضح أن أهم هذه المدخلات هي مواد البناء من حديد وإسمنت وطوب ودهانات وغيرها، وهذه المواد تشهد صعودًا في أسعارها كل عام، وبالتالي ترفع سعر المنتج النهائي، وهو الوحدة السكنية أو الإدارية أو التجارية، وأي مطور يريد أن يحصد مكسبا جيدا، ولهذا فهو مضطر لرفع السعر، بالإضافة إلى أن أهم مدخلات التطوير العقاري هو الأرض وأسعار الأراضي ارتفعت خلال العامين الماضيين بواقع 30%، ولهذا ارتفعت وسترتفع أسعار العقارات.

تراجع معدلات الزواج

وربط متخصصون الأمر بانخفاض نسب زواج المصريين طوال السنوات الماضية، إذ أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن تراجع معدلات الزواج والطلاق معا خلال شهر يونيو من العام 2019، مقارنة بذات الشهر من عام 2018، حيث انخفض معدل الزواج بنسبة 25.4%، فيما تراجع معدل الطلاق بنسبة 27%.

ووفقًا للنشرة المعلوماتية عن جهاز الإحصاء، والتي تضمنت تقرير إحصائي حول معدلات الطلاق والزواج خلال شهر يونيو الماضي، بلغ عدد عقود الزواج خلال هذا الشهر 63.2 ألف عقد، مقابل 84.7 ألف عقدا، في يونيو 2018، بانخفاض 25.4%.

بينما بلغ عدد حالات الطلاق خلال يونيو الماضي 10 آلاف حالة، مقابل 13.7 ألف حالة لذات الشهر من العام السابق، بانخفاض بلغت نسبته 27%.

وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قد أعلن مؤخرًا ضمن أحدث نشراته السنوية حول إحصاءات الزواج والطلاق فى مصر، أن عدد عقود الزواج خلال عام 2018 بلغ 887.315 ألف تعاقدا، مقابل 912.606 ألف عقدا فى 2017، بتراجع بلغت نسبته 2.8%.

“عقرنة مصر”

وتمثل مزاحمة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة لشركات المقاولات كارثة لملايين المصريين العاملين في هذا المجال، واعتبر مراقبون ومتخصصون بالشأن المهنى أن استفحال النشاط الاقتصادي للجيش أثّر عليهم سلبا، وذلك لانعدام تكافؤ الفرص بين الطرفين؛ لما تمتلكه المؤسسة العسكرية من مميزات تفقد القطاع الخاص القدرة على الوقوف أمامها، فضلا عن الركود الذي تشهده السوق المحلية منذ قرار “تعويم الجنيه”.

وفي المقابل، تبرر سلطات الانقلاب تفضيلها للجيش على القطاع الخاص لتنفيذ أغلب المشاريع العقارية في البلاد لكفاءة القوات المسلحة العالية والسرعة في التنفيذ.

وسمح قرار المؤقت عدلي منصور، الصادر في نوفمبر 2013، للحكومة بالتخلي عن المناقصات وإسناد المشروعات لأي شركة في الحالات العاجلة، والقرار الذي اتبعه في أبريل/ نيسان 2014، وحظر بموجبه الطعن من طرف ثالث على العقود التي تبرمها الحكومة مع أي طرف، سواء كانت متعلقة ببيع أراضي الدولة أو بأعمال مقاولات أو غير ذلك، لاقتحام الجيش بقوة سوق العقارات والإنشاءات.

واقتحم الجيش في مارس 2014 بقوة سوق العقارات من خلال مشروع المليون وحدة سكنية لمحدودي الدخل بالتعاون مع شركة أرابتك الإماراتية (من خلال 13 موقعًا بالمحافظات) بتكلفة تقدر بنحو 280 مليار جنيه.

مع مرور الوقت، اتجه الجيش للمشروعات الفاخرة بالعاصمة الإدارية الجديدة (مساحتها 170 ألف فدان شرقي القاهرة)، ويمتلك 51% من الشركة التي تتولى عملية تطوير المدينة باستثمارات تقدر بنحو 45 مليار دولار.

كما يشارك في تطوير مدينة العلمين الجديدة (مساحتها 48 ألف فدان) على ساحل البحر المتوسط، وهضبة الجلالة (مساحتها 17 ألف فدان) في المنطقة الجبلية شمال البحر الأحمر.

ومطلع العام الجاري، طرحت وزارة إسكان الانقلاب شققا في منطقة العلمين الجديدة، وبلغ متوسط سعر المتر بها ما يتراوح بين 30 و42 ألف جنيه، في حين طرحت فيلات بمدينة المنصورة الجديدة ، متوسط سعر المتر فيها 24 ألف جنيه.

وعدلت الوزارة مشروع دار مصر للإسكان المتوسط تحت مسمى الإسكان الفاخر في ست مدن جديدة، سعر المتر يبدأ من 11 ألف جنيه، محققة مبيعات تتجاوز 10 مليارات جنيه مصري، وفق تقديرات صحفية.

 

منافسة غير عادلة

يرى المطور العقاري، نشأت العشري، أن اقتحام الدولة عبر القوات المسلحة لسوق العقارات والإسكان الفاخر أثّر بالسلب عليهم بسبب عدم تكافؤ الفرص بين الطرفين، وأوضح أن “الجيش يمتلك مقومات غير متوفرة لدى القطاع الخاص، كالحصول على الخامات من دون مقابل (إسمنت وحديد ورمل وزلط)، فضلا عن العمالة غير المكلفة له، كاستخدامه للمجندين من مهندسين وحرفيين في المشروعات”.

وضمن عدم تكافؤ الفرص بين الطرفين أيضًا حصول القوات المسلحة على أراضي المشروعات مجانا أو بمبلغ يصعب تحديده في ظل عدم الرقابة على مشروعات واقتصادات الجيش، بينما تحصل عليها شركات القطاع الخاص بسعر مرتفع، حيث أصبح سعر الأرض يمثل حوالي 40% من تكلفة العقار، فضلا عن عدم دفع ضرائب أو جمارك، وفق ما أوضح الخبير الاقتصادي ممدوح الولي.

ويستحوذ الجيش- وفق تقديرات صحفية- على 90% من أراضي مصر أغلبها الظهير الصحراوي للبلاد.

عزوف وهروب رءوس الأموال

على الرغم من دخول العديد من المستثمرين خلال الآونة الأخيرة لسوق العقارات (يقدر عددهم بـ50 مطورا عقاريا)، فإن هناك عزوفا عن شراء الأراضي الجديدة بسبب سيطرة الجيش، وذلك لأول مرة منذ عشر سنوات، وفق ما أوضح المستثمر العقاري، مسعد أبو العلا، الذي أشار إلى أن براء أن له أن “غالبية المستثمرين وخاصة الصغار لجئوا لأخذ مقاولات من القوات المسلحة من الباطن بسبب عدم قدرتهم على شراء أراض جديدة جاذبة لأنظار المستهلك، علاوة على ارتفاع الأسعار أو سيطرة الجيش على القطع المميزة وخاصة في المدن الجديد”.

وفي ظل حالة الضبابية التي تسيطر على مستقبل القطاع العقاري المصري بسبب حالة الركود ومزاحمة المؤسسة العسكرية للقطاع الخاص، طالب المطور العقاري رامي جميل الدولة بالالتزام بدورها في توفر بيئة صالحة للتنافس بين المستثمرين وليس منافستهم، حتى تكون مصر دولة جاذبة للمستثمرين.

مؤكدا أنه “إذا استمر الوضع في سوق العقارات على ما هو عليه من منافسة الحكومة للقطاع الخاص، فإن ذلك يعني مزيدا من التدهور وهروب رءوس الأموال لدول أخرى”.