د.محمد عمارة.. ورحل “مفكر القرن العشرين”

- ‎فيتقارير

يعد الدكتور محمد عمارة، المفكر الإسلامي الكبير، مجدد الفكر الإسلامي في القرن العشرين بدون منافس، فقد عاش حياته للإسلام وتمسك بكلمة الحق، وتحمَّل الكثير من أجلها، ومات رحمه الله على ذلك، وأرسى قواعد جديدة للحوار مع أصحاب التيارات والأفكار المختلفة، ووضع من الأسس والضوابط ما يمكّن علماء الدين من مناصرة دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجدال بالتي هي أحسن.

فبعد أن كان الصوت العالي فى مصر والعالم العربى لليساريين وأصحاب التوجهات الاشتراكية والماركسية، استطاع عمارة وأد هذه الحركات وتخليص العالم الإسلامي من شرورها، حيث واجه رموزها ومفكريها ومناصريها وفنّد حُجَجَهم، وردّ على ما يثيرونه من افتراءات وأباطيل عن دين الله وعن الرسالة الخاتمة .

يقول الدكتور محمد عباس: إن محمد عمارة هو واحد من كوكبة لامعة صادقة هداها الله فانتقلت من الفكر الماركسي إلى الإسلام، وكانت هذه الكوكبة هي ألمع وجوه اليسار فأصبحت ألمع وجوه التيار الإسلامي، ودليلا على أن “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام”.

كان الأساس الذى يقوم عليه فكر عمارة هو إيمانه ودفاعه عن وحدة الأمة، وتدعيم شرعيتها في مواجهة نفي البعض لها، حتى نعَت العلمانيون عمارة بأنه المنظر للحركة الإسلامية، فى حين رد هو قائلا هو: “ذلك شرف لا أدّعيه، وهم لا يقصدون منه المديح وإنما استدعاء السلطات ضدي”.

التجديد والتنوير

يشرح عمارة معنى التجديد الإسلامي أو كما يسميه “التنوير الإسلامي”– بأنه “الذي يستنير أهله بنور الإسلام ونور القرآن ونور الرسول صلى الله عليه وسلم، ونور الحكمة، وهو يرى في العقل سبيلا من سبل المعرفة، يستقل بإدراك أشياء، ولا يستطيع– كملكة من ملكات الإنسان المحدودة– أن يستقل بإدراك كل الأشياء، ولذلك تتزامل وتتكامل معه سبل وهدايات أخرى– “التجربة”.. و”النقل” الذي يأتي بخبر السماء و”الوجدان”.. أي أن للتجديد الإسلامي منهاجا في سبل المعرفة يجعلها أربع هدايات.. وليست فقط، كما هي حالها في “التنوير الغربي”، اثنتين: “العقل” و”التجريب”.

ويشير إلى أن فلسفة “التنوير”، كما عرفتها أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي، كانت حركة “إحياء حضاري لا ديني”، أحلت “العقل.. والعلم.. والفلسفة “محل” الله والدين، خاصة في شئون الاجتماع الإنساني والعمران البشري، بينما “التجديد الإسلامي” على مر تاريخ الإسلام وحضارته هو “إحياء ديني”؛ لأن “التجديد” آلية فكرية تزيل عن ثوابت الدين ومبادئه وأركانه – في العقيدة والشريعة والقيم – بدع الزيادة والنقص، وشوائب التصورات الغريبة، فتعيد للمنابع نقاءها، ليكون فعلها أفضل، وعطاؤها أكثر، وموردها أكثر صفاء.. ثم هي أيضا– آلية التجديد الإسلامي– تطور وتنمي في الفروع بما يواكب المستحدثات، ويظلل المساحات الجديدة في المتغيرات الدنيوية المتطورة والنامية أبدا…ويؤكد أن هناك فارقا كبيرا بين “إحياء ديني” و”إحياء لا ديني”.

العقل والنقل

ينتمي عمارة إلى المدرسة الوسطية ويدعو إليها، ويقول عنها إنها الوسطية الجامعة التي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة، فتكوِّن موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين، ولكن المغايرة ليست تامة، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمان الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة، والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي، بل هي منظار للرؤية وبدونه لا يمكن أن نبصر حقيقة الإسلام، وكأنها العدسة اللامعة للنظام الإسلامي والفكرية الإسلامية. والفقه الإسلامي وتطبيقاته فقه وسطي يجمع بين الشرعية الثابتة والواقع المتغير أو يجمع بين فقه الأحكام وبين فقه الواقع، ومن هنا فإن الله سبحانه وتعالى جعل وسطيتنا جعلًا إلهيًّا (جعلناكم أمة وسطًا).

نصر حامد أبو زيد

كان نصر حامد أبو زيد من أهم المفكرين العلمانيين الذين تصدى لهم د. عمارة، ورغم آرائه المعادية للإسلام إلا أن عمارة دافع عن حرية التفكير، وحذر من تكميم الأفواه، وطالب بالرد العلمي على ما يطرحه أبو زيد وغيره .

وكشف عن الكيفية التي تعرف بها عليه، وقال إن ذلك يرجع إلى حوار تم بينه وبين محمود أمين العالم الذي وصف به (أبو زيد) بقوله: الدكتور نصر أبو زيد أحسن من يحلل النص. مما جعل الدكتور عمارة يعتقد أن هذا الشاب مهتم بالإبداع الأدبي والدراسات النقدية الأدبية، عزز ذلك الاعتقاد شهرة الأستاذ العالم (كناقد أدبي)، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الدكتور عمارة يلتفت إلى دراسات الدكتور نصر، التي تشمل (قضايا فكرية) و(ونقد) و(اليسار والأهالي في مصر) و(الطريق) في بيروت. ولكنه لاحظ اهتمامه بظاهرة المد الإسلامي المعاصر، ثم لفت انتباهه مؤلف لأبي زيد (مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن)، مما جعله يتذكر حديث الأستاذ العالم حول (النص) الذي خلص إلى أنه (القرآن الكريم).

وعندما صدر حكم محكمة استئناف القاهرة، دائرة الأحوال الشخصية، بالتفريق بين الدكتور نصر وزوجته (الدكتورة ابتهال يونس) تأسسًا على ثبوت ارتداده عن الدين الإسلامي، وبيّنات المحكمة التي رأتها لإصدار الحكم، لا تتجاوز ما كتب من مؤلفات ودراسات، فأحدث ذلك دويًّا صاخبا تجاوز العالم العربي والإسلامي.

التعددية الفكرية

عند سؤال الدكتور محمد عمارة عن رأيه في حكم المحكمة، كانت إجابته أن قضية الدكتور نصر أبو زيد هى قضية فكرية، مجالها الحوار الفكري، والمختصون فيها هم المفكرون والباحثون. وهى ليست قضية قانونية، يختص بها المحامون ودوائر القضاء، فكتاباته حسبما يرى محمد عمارة، تدور حول تاريخية النصوص المقدسة، وهى بالتالي محل للحوار الجاد والموضوعي.

يقول د. عمارة: إننا من أنصار التعددية والتعددية في الإسلام، ليست خيارا سياسيا أو إنسانيا فحسب، بل هي في الأساس سنة من سنن الله في الخلق والفكر والاجتماع الإنساني. وتقدير المصلحة والمفسدة والموازنة بينهما لا بد أن يكونا في اعتبارنا؛ فالإسلاميون سيكونون الخاسرين، قبل غيرهم، إذا تم تقييد حرية الفكر. ومن مصلحتهم قبل غيرهم، فتح أوسع أبواب الحرية أمام الجميع.

الإسلام الأمريكاني

كما واجه عمارة المعسكر الغربي، وحذر من مؤامراته ضد العالم الإسلامى وأطماعه الاستعمارية التى لا تتوقف، وأكد أن الإسلام الذي يريده الأمريكان وحلفاؤهم في الشرق ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان، ولكنه فقط الإسلام الذي يقاوم الشيوعية، إنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم؛ لأن الإسلام حين يحكم سينشئ الشعوب نشأة أخرى، وسيعلم الشعوب أن إعداد القوة فريضة، وأن طرد المستعمر فريضة، وأن الشيوعية وباء كالاستعمار، فكلاهما عدو، وكلاهما اعتداء.

وأشار إلى أن ما كتبه الشيخ الكبير سيد قطب عن الإسلام الأمريكاني عام 49، أكده الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه ”الفرصة السانحة” عندما دعا الغرب، من أمريكا إلى روسيا، إلى الاتحاد في وجه الأصوليين الإسلاميين الذين يريدون استرجاع الحضارة الإسلامية السابقة عن طريق بعث الماضي، والذين يهدفون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وينادون بأن الإسلام دين ودولة.