واصل المستثمرون الأجانب هروبهم من دولة العسكر بسبب التدهور الاقتصادي وحدوث شلل فى عمليات الإنتاج، عقب تفشى وباء كورونا وإعلان حظر التجوال واتخاذ عدد من الإجراءات الوقائية والاحترازية لمواجهة الفيروس.
هذا الهروب جاء بسبب تخارج الأموال عالميا خاصة بالأسواق الناشئة، والخوف من الركود وارتفاع درجة عدم اليقين، وانهيارات أسواق الأسهم، وارتفاع المخاطر الائتمانية السيادية والشركات.
محمد معيط، وزير المالية بحكومة الانقلاب، اعترف بهذه الكارثة، مؤكدا خروج نحو 8,5 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
وقال معيط، فى تصريحات صحفية، إن استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية تبلغ الآن بعد عمليات تخارج في الفترة الماضية ما يتراوح بين 13.5 و14 مليار دولار.
وتوقع انخفاض النمو الاقتصادي في السنة المالية الحالية 2019-2020 إلى نطاق يتراوح بين 4.5 % و5.1 % بدلا من 5.7 بالمئة كانت متوقعة فبل انتشار فيروس كورونا.
فيما توقعت هالة السعيد، وزيرة التخطيط بحكومة الانقلاب، تراجع معدلات النمو خلال الأشهر المتبقية من العام المالي الحالي، بسبب تفشي وباء كورونا، وأثره السلبي على اقتصاد العسكر.
وقالت وزيرة التخطيط الانقلابية، إن دولة العسكر تتوقع تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 4.5 بالمئة في الربع الثالث و1% بالمئة في الربع الرابع من السنة المالية الحالية 2019/ 2020 .
وأكدت أن معدل تراجع النمو؛ سيستمر بسبب توقف حركة السياحة والطيران، ليصل في الربع الأخير من العام المالي الجاري، إلى 2% أو يتراجع في أسوأ الظروف إلى 1% إذا استمرت أزمة كورونا بشكل أكثر حدة.
كان البنك المركزي المصري قد أعلن أن احتياطي النقد الأجنبي فقد 5.4 مليار دولار دفعة واحدة خلال شهر مارس الماضي، وانخفض إلى 40.1 مليار دولار، وهو أقل مستوى له منذ سنتين .
وزعم المركزي، في بيان، أنه استخدم المبلغ لتوفير احتياجات السوق المصرية من النقد الأجنبي، وتغطية تراجع استثمارات الأجانب والمحافظ الدولية، بالإضافة إلى ضمان استيراد سلع استراتيجية، وكذلك سداد الالتزامات الدولية الخاصة بالمديونية الخارجية للدولة.
النقد الأجنبي
يشار إلى أن أزمة كورونا تمثل تهديدا لقدرة دولة العسكر على سداد دينها الخارجي الذي تجاوز 109 مليارات دولار، حيث تسببت الأزمة فى إحداث شلل فى قطاعات حيوية تمثل المورد الرئيسي للنقد الأجنبي أهمها السياحة وإيرادات قناة السويس وتحويلات المغتربين وصادرات الغاز، بما يعني فقدان دولة العسكر مليارات الدولارات خلال الأشهر المقبلة، وهو ما توقعته وكالة فيتش للتصنيف الائتماني العالمية، نهاية مارس الماضي، مشيرة إلى احتمال تآكل احتياطي مصر من النقد الأجنبي.
وكشفت بيانات حديثة صادرة عن البنك الدولي عن أن أقساط الديون المستحقة على دولة العسكر في عام 2020 تقدر بـ18.6 مليارات دولار.
واستحوذت فوائد الدين على جانب كبير من بند المصروفات في موازنة العام المالي الجديد 2020-2021، بواقع 566 مليار جنيه، من أصل تريليون و713 مليار جنيه مخصصة للمصروفات، مقابل تريليون و288 مليار جنيه من الإيرادات المتوقعة، بعجز أولي (دون حساب فوائد الديون) يبلغ 425 مليار جنيه (نحو 27 مليار دولار).
ولذا لم تصدر أي بيانات رسمية حول سداد حكومة الانقلاب ديونها قصيرة الأجل المستحقة حتى نهاية مارس الماضي، والمقدرة بنحو 4 مليارات دولار، موزعة بواقع 3.98 مليار دولار في صورة أقساط، و32.14 مليون دولار في صورة فوائد، رغم حرصها فى السابق على إعلان سدادها للأقساط، بما يدعم تصنيفها الدولي، الذي يساعدها فى الحصول على قروض أخرى .
وفي ظل الأزمة الحالية التي يعانيها الاقتصاد العالمي، لن يكون توجه العسكر نحو الاقتراض من السوق الدولية لسداد ديون مستحقة أمرا سهلا، خاصة في ظل عزوف المستثمرين عن الأسواق الناشئة الأكثر هشاشة في مواجهة تداعيات كورونا.
تراجع اقتصادي
من جانبه كشف موقع ستراتفور الأمريكي أن النمو الاقتصادي في دولة العسكر شهد تباطؤا في الربع الأول من العام المالى الحالى مقارنة بالنمو الايجابي الذي حققه خلال العام المنصرم مما يشكل عبئا سياسيا على عبد الفتاح السيسي في حال استمراره.
وتوقع ستراتفور أن يفاقم وباء كورونا الوضع الاقتصادي من خلال التسبب في تراجع النمو الصناعي الذي شهدته البلاد مؤخرا، وإلحاق أضرار خطيرة بقطاع السياحة الحيوي بالنسبة للاقتصاد المصري على المدى القصير.
وأشار إلى أن جائحة كورونا تهدد بزيادة معدل البطالة بعد التراجع الذي شهده خلال الأشهر الأخيرة، بجانب تباطؤ نمو الأجور في ظل التضخم الذي تشهده البلاد التي يعيش ثلث سكانها في فقر مدقع وفقا إحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس 2019.
وذكر الموقع أن حكومة الانقلاب زعمت أنّها ستطبق بعض الإصلاحات الاقتصادية التي تساعد على كسب المزيد من الإيرادات غير النفطية، رغم تأثيرها السلبي على المواطنين. وتشمل فرض ضرائب على بعض المواد كالضريبة على منتجات التبغ التي تمت المصادقة عليها في فبراير الماضي، مما أدى إلى رفع أسعار السجائر بنسبة تصل إلى 16.%
وأشار ستراتفور إلى أن تفشي جائحة كورونا وعوامل خارجية أخرى- من بينها التراجع الحاد في أسعار النفط والحروب التجارية العالمية المستمرة- ستواصل انعكاسها السلبي على اقتصاد العسكر من خلال :
– استمرار إغلاق قطاع السياحة حتى عام 2012.
– إقدام حكومة الانقلاب على تطبيق إجراءات تقشف جديدة .
– استمرار انخفاض الطلب العالمي على الصادرات حتى عام 2021.
12,1 مليار دولار
فيما حذر تقرير صادر عن بنك استثمار “فاروس” من انخفاض تدفقات عدد من مصادر العملات الأجنبية إلى دولة العسكر بنحو 12.1 مليار دولار؛ بسبب تداعيات انتشار فيروس كورونا على اقتصاد الانقلاب.
وقال “فاروس”، فى تقرير حديث له”، إن إيرادات هذه المصادر، التي تتضمن السياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، وكذلك غير المباشر، ربما تصل إلى 33.5 مليار دولار خلال العام المالي الجاري مقارنة بتوقعات سابقة عند 45.6 مليار دولار.
وتوقع البنك أن تنخفض إيرادات السياحة خلال العام المالي الجاري إلى ما بين 6 و8 مليارات دولار مقابل نحو 12.6 مليار دولار كانت متوقعة للعام قبل حدوث أزمة “كورونا”.
وأشار إلى أن خفض توقعاته لإيرادات السياحة راجع إلى الإغلاقات العالمية التي تفرضها الدول لمواجهة تفشي “كورونا”، ومنع السفر، والتدابير الاحترازية.
كما رجح “فاروس” تراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى ما بين 17 و18 مليار دولار خلال العام المالي الجاري مقابل 22 مليار دولار في توقعات سابقة؛ وذلك بسبب تراجع اقتصادات دول الخليج العربي، وهبوط أسعار النفط، وانقطاع سلاسل التوريد والإنتاج، والتدابير الاحترازية التي تتضمن وقف قطاع الخدمات.
كما توقع البنك تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 4.5 مليارات دولار خلال العام المالي الجاري مقابل 6.5 مليارات دولار كانت متوقعة قبل أزمة “كورونا”؛ وذلك بسبب مخاوف الركود العالمي، وضعف الطلب العالمي والاستثمارات، وعدم جاذبية مصر كوجهة استثمارية طويلة الأجل مشيرا الى تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة لتصل إلى 3 مليارات دولار خلال العام مقابل 4.5 مليار دولار في توقعات سابقة؛ وذلك بسبب تخارج الأموال عالميا خاصة بالأسواق الناشئة، والخوف من الركود وارتفاع درجة عدم اليقين، وانهيارات أسواق الأسهم، وارتفاع المخاطر الائتمانية السيادية والشركات.
مرحلة كساد
واعتبر أشرف دوابة، رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي، انهماك حكومة الانقلاب في الحديث عن نسب النمو نوعا من “العبث”، مشيرا إلى أن الاقتصاد العالمي دخل في مرحلة كساد، وقد يصل لأعلى فئة فيه، وهي الفئة الخامسة، (انهيار العرض مع الطلب) إذا استمرت الأزمة.
وقال دوابة، فى تصريحات صحفية: إن انشغال حكومة الانقلاب بمعدلات النمو هو نوع من العبث، والأولى هو التفكير في الحفاظ على استمرار الوضع الحالي.
وأوضح أن خفض توقعات حكومة السيسي لنسبة النمو في ظل هذه الظروف أمر طبيعي، مشيرا إلى أن أكثر القطاعات تضررًا هي السياحة والعاملون بالخارج، الذين يواجهون الآن مشاكل في عدة دول، وإيرادات قناة السويس؛ لأن اقتصاد العسكر هو اقتصاد ريعي .
وطالب دوابة دولة العسكر بالمشاركة في تمويل المشروعات الصغيرة، وتسهيل القروض، وتحمل مسئولياتها والتنسيق مع المؤسسات الكبرى الحكومية والقطاع الخاص حتى الخروج من الأزمة والتي تتوقف على وجود علاج لفيروس كورونا من عدمه، وفترة توفيره بالأسواق، والتي تتراوح بين 6 شهور و18 شهرا .
الجنيه المصري
وأكد شريف عثمان، خبير مصرفي، أن مسارعة الكثير من صناديق الاستثمار والمستثمرين الأجانب بالخروج من الأسواق الناشئة لتعويض خسائرهم بالأسواق العالمية، سيؤدى الى السحب من احتياطي الدول، بما فيها دولة العسكر التى تعتمد على الاقتراض كوسيلة للتمويل.
وقال عثمان، فى تصريحات صحفية: يمكن ملاحظة تأثير الموقف على التغيرات في سوق السندات المصرية “اليوروبوند”، وعلى تكلفة التأمين على الديون المصرية، حيث ارتفعت التكلفة وارتفع العائد المطلوب من المستثمرين لشرائها بما لا يقل عن 3 أو 4٪.
وتوقع أن يتعرض الجنيه لضغوط كبيرة، وقد يتركه البنك المركزي للتراجع بنسب محدودة لا تتجاوز 10% كل عام حتى لا يشعر حاملو الجنيه المصري بالخسارة في ظل الحصول على عوائد 15% من شهادات بنكي مصر والأهلي.
التمويل الخارجي
وأكد أحمد ذكر الله، خبير اقتصادي، أن سياسات حكومة الانقلاب الاقتصادية غير المدروسة جعلت الاقتصاد المصري غير مستقل، وجعلته أيضا مرهونا بالتمويل الخارجي من ناحية، ومصادر الدخل الخارجية كالسياحة والعمالة المصرية وقناة السويس من ناحية أخرى.
وقال ذكر الله، في تصريحات صحفية، إنه ليس أمام حكومة الانقلاب سوى التمويل الخارجي، مشيرا إلى وجود سحب كبير من أذون الخزانة المحلية منذ بداية الأزمة، ظهر في انخفاض قيمة الجنيه، وارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية رغم إعلانها عن عدم الاعتماد على إصدار سندات جديدة، واعتمادها فقط على السندات الخضراء.
وأشار إلى أن أسواق القروض الدولية لم تعد مثل الماضي، فالعالم في طريق البحث عن السيولة لتساعده على الخروج من أزمة كورونا وتداعياتها السلبية، إضافة إلى ارتفاع متوقع في أسعار سلاسل الغذاء العالمية نتيجة ضعف سلاسل التوريد المختلفة.