يأتي قرار رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي يوم السبت 29 أغسطس 2020م بتعيين اللواء حسن عبد الشافي أحمد، مدير إدارة المهندسين العسكريين السابق، مهام القائم بأعمال رئيس هيئة الرقابة الإدارية، خلفاً للواء شريف سيف الدين، الذي تولى رئاسة الهيئة في 30 أغسطس 2018، انعكاسا لتكريس سياسات عسكرية الدولة والمجتمع، وتطويع مؤسسات الدولة كلها لخدمة مصالح المؤسسة العسكرية التي باتت تتعامل مع مصر كإقطاعية خاصة بهم. كما يعبر هذا الاختيار عن استمرار توجه زعيم الانقلاب للاعتماد على قادة الجيش في مثل هذه المناصب، إذ كان سلفه سيف الدين قائداً سابقاً للقوات البرية.
وبحسب مراقبين، فإن تغيير سيف الدين بأنه كان متوقعاً، نظراً إلى بعض الملاحظات التي أخذها السيسي على أدائه في إدارة الهيئة، التي يعمل بها نجله الأكبر مصطفى السيسي عضواً في المكتب الفني لرئيس الهيئة.
ومنذ اغتصابه للسلطة بانقلاب عسكري على المسار الديمقراطي، منح قائد الانقلاب هيئة الرقابة الإدارية صلاحيات واسعة وأطلق يدها على كبار رجال الدولة والعاملين في دواليب العمل الحكومي بجميع المؤسسات، وتحظى التحريات التي تقوم بها الهيئة حول المرشحين للمناصب الوزارية أو للتعيين بالدولة أو للالتحاق ببعض الوظائف ذات الطبيعة الخاصة، باهتمام كبير من جانب السيسي. وكذلك تمت الاستعانة بها لأداء أدوار تختص بها الحكومة في الأصل، كالاشتراك مع الجيش والمخابرات العامة في بيع السلع الغذائية بأسعار أرخص، والاشتراك في إدارة عدد من المشاريع الخدمية. كذلك حظيت الهيئة بتغطية إعلامية ودعائية مضطردة لتضخيم صورة "حرب السيسي على الفساد".
وبحسب الباحث والمحلل السياسي ماجد مندور، في ورقة بحثية لمركز كارنيجي للشرق الأوسط، فإن السيسي منذ انقلاب يوليو 2013م بدأ في عملية تغيير هيكلي داخل الدولة؛ حيث سقطت المؤسسات المدنية تحت سيطرة الأجهزة الأمنية. ويتجاوز هذا التحول التغيرات في الأفراد؛ فبدلاً من ذلك، فإنه يعد تغيرا في طريقة عمل الدولة، بطريقة اختزلت وظائفها في أمرين فقط هما قمع جميع أشكال المعارضة، وتخصيص الأموال العامة لإثراء النخب العسكرية.
ويعزو مندور أسباب تضخم صلاحيات هيئة الرقابة الإدارية وشمول تحرياتها إلى المدنيين بالتوازي مع صعود السيسي بعد الانقلاب رغم أنها كانت قبل ذلك تختص بالرقابة على هيئات المؤسسة العسكرية فقط، إلى أزمة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة الذي أطاح به السيسي في أعقاب تصريحاته التي أكد فيها أن حجم الفساد في مصر يصل إلى نحو 600 مليار جنيه. حيث أصد رالسيسي قانونا يتيح له إقالة رؤساء الهيئة الرقابة والذي سمي بقانون هشام جنينه والذي يؤكد خبراء وأساتذة أنه غير دستوري. وبعد الزج بجنينة في السجن بتهم سياسية ملفقة جرى تقزيم دور المركزي للمحاسبات ومنح كثير من صلاحياته لهيئة الرقابة الإدارية وهي هيئة عسكرية بالأساس.
وللمفارقة ــ بحسب مندورــ تسير جهود تقويض استقلالية هيئات الرقابة الحكومية جنبا إلى جنب مع توسيع دور الجيش في الاقتصاد. ومع التوسع المباشر في الأنشطة الاقتصادية للجيش في مجالات متعددة تتراوح من المنتجات الاستهلاكية إلى الإنشاءات، تطور الجيش إلى فاعل اقتصادي مستقل، وجرى سن مجموعة كبيرة من القوانين واللوائح منحت المؤسسة العسكرية القدرة على التأثير على سياسات الحكومة، وأعطتها صلاحية التحكم في النشاط الاقتصادي وإثراء النخب العسكرية من خلال تخصيص الأموال العامة.
على سبيل المثال، في عام 2017، تم قصر اختصاص هيئة الرقابة الإدارية، وهي وكالة التدقيق الرئيسية في مصر، على القطاع المدني، رغم أن أنشطة المراجعة الخاصة بالتدخل العسكري في الاقتصاد كانت غائبة فعليًا. وجعل نفس القانون هيئة الرقابة الإدارية مسؤولة أمام الرئيس. وسبق ذلك مرسوم رئاسي في عام 2014 حظر اعتراض أي طرف على صلاحية الدولة في منح العقود الحكومية. وصاحب هذه التغييرات في الإطار القانوني التوسع في استخدام نظام الإسناد المباشر بدلاً من استخدام العطاءات التنافسية؛ فمُنحت معظم العقود الحكومية مباشرة إلى الجيش. وتراوحت قائمة المشاريع الممنوحة للجيش من مشاريع تجديد الأحياء الفقيرة، الممولة من قبل الوكالات الدولية، إلى صيانة الطرق والإسكان وبناء المدن الجديدة.
وكما هو متوقع، لا يخلو هذا النظام من حالات فساد صريحة. على سبيل المثال، يُعتقد أن الجيش يفرض ضريبة غير رسمية على عائدات قناة السويس. ومن ثم، يبدو أن وظيفة الدولة قد تحولت إلى مجرد ناقل للأموال والأصول من الملكية العامة إلى جيوب الجيش.
وينتهي مندور إلى أن ما فعله السيسي بأجهزة الدولة أنه حولها إلى كيان متمرد على إرادة الشعب، وبالتالي فإن هذه التحولات جعلت أي عملية لتغيير النظام تنطوي على صعوبة بالغة؛ حيث تتركز كل السلطة في أيدي الجيش والسيسي، بطريقة لا تسمح بظهور مراكز منافسة للسلطة، ناهيك عن قيامها بتعزيز نفوذ عدد من المؤسسات الأمنية القوية التي تستفيد بشكل مباشر من القمع المستمر، مما يجعل من الصعب عكس هذا المسار. والأهم من جهة ثانية أن هذه التحولات التي أجراها السيسي في مؤسسات الدولة جعلت الإصلاح الكامل لجهاز الدولة الحالي أمرا حتميا لأي تحول ديمقراطي، وهذا لن ينطوي فقط على تغيير جذري في علاقة الجيش بالدولة، لكن إعادة هيكلة كاملة لجهاز الدولة نفسه، وتحويله إلى أداة لتحقيق الإرادة الشعبية.