يتصاعد الغضب في مصر مع استمرار سلطات الانقلاب في هدم المنازل التي شيدت بشكل غير قانوني داخل المدن أو في الأراضي الزراعية. وبدأت سلطات الانقلاب الحملة في أواخر الشهر الماضي، في أكبر إجراء من نوعه ضد المباني غير المرخصة حتى الآن.
وبارك الحملة عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب، الذي هدد في 29 أغسطس الماضي بنزول الجيش بهدم القرى المشيدة بشكل غير قانوني، والتي تلتهم الأراضي الزراعية في البلاد وتحولها إلى أدغال خرسانية. ومع ذلك، تأتي الحملة على حساب عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يفقدون منازلهم، خاصة مع فشل سلطات الدولة في تقديم بدائل لهم.
وقال سائق شاحنة يدعى محمد سليم لـ"ميدل إيست آي": "ليس لدي مكان أذهب إليه الآن"، هذا وضع صعب للغاية."
وكان منزل سليم في حي السيدة زينب شرق القاهرة قد هدم قبل أيام، وتقول السلطات إن المنزل تم بناؤه على أراضي الدولة، حتى لو كان قائماً منذ أربعة عقود. وهو ينام الآن في العراء مع أطفاله الأربعة وزوجته، ويتوقع آلاف المصريين الآخرين أن ينالوا نفس المصير مع استمرار سلطات الانقلاب في حملة الهدم.
وتعتبر مخالفات البناء مشكلة كبيرة في مصر، وهي مشكلة تزايدت على مر السنين، وقد غضت الإدارات المصرية السابقة الطرف عن الانتهاكات على مدى عقود، حيث فشلت في توفير سكن لائق للناس العاديين. وبين عامي 2000 و2017، تم ارتكاب حوالي مليوني مخالفة بناء في مناطق مختلفة من مصر، وفقا لتقرير صادر عن وزارة التنمية المحلية في عام 2018. كما خسرت مصر أكثر من 12 في المائة من أراضيها الزراعية التي تبلغ تسعة ملايين فدان بسبب الانتهاكات نفسها، وسط مخاوف من أنها قد تفقد جميع أراضيها الزراعية إذا استمر الزحف العمراني في المضي قدماً.
وقد منحت السلطات المخالفين مهلة حتى 30 سبتمبر لتقديم طلب التصالح، وهي عملية تتطلب دفع غرامات لكل متر مربع من البناء غير المرخص، وتقول الحكومة إنها ستهدم المباني المخالفة التي لا يتقدم أصحابها بطلب للمصالحة قبل ذلك التاريخ. وتجعل مصر بناء المنازل أو المباني الأخرى مشروطا بالحصول على تراخيص البناء من السلطات البلدية.
وقال هيثم الحريري، عضو لجنة الإدارة المحلية في مجلس نواب السيسي "إن الحكومة تعاقب المواطنين الذين هم أضعف أطراف هذه المشكلة، وفشلت في معاقبة المسئولين التنفيذيين الذين غضوا الطرف عن هذه الانتهاكات البناء لعقود". وقد تركت حملة الهدم بعض القرى في حالة خراب تام، مع خطر كبير من المباني المدمرة.
دعوة للاحتجاجات
ويأتي هذا الغضب قبل الاحتجاجات التي دعا إليها الفنان محمد علي، الذي طلب من المصريين الاحتجاج ضد السيسي في 20 سبتمبر.
واتهم علي، الموجود في الخارج منذ العام الماضي، السيسي بإهدار الأموال العامة لبناء عاصمة جديدة وقصور وفلل فاخرة، في حين تعيش غالبية المصريين في فقر. ويدعي أنه حصل على معلومات عن تبديد الأموال العامة داخل الرئاسة والمؤسسة العسكرية من سنوات العمل مع الجيش في تنفيذ المشاريع التي يشرف عليها الجيش.
ونفى السيسي اتهامات علي، لكنه قال إنه سيمضي قدماً في فورة البناء التي قام بها بطريقة تتناسب مع عظمة مصر ومكانتها الإقليمية. وينشئ السيسي عدداً كبيراً من المدن الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة، كما يقوم ببناء عشرات الجسور وآلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الشقق لسكان الأحياء الفقيرة حسب زعمه.
ومع ذلك، نجح علي في كسب تأييد معظم رموز المعارضة في المنفى وبعض أعضاء المعارضة والناشطين داخل مصر. ومع ذلك، تراجعت دعواته إلى انتفاضة مناهضة للسيسي في سبتمبر من العام الماضي عندما لم يستجب سوى بضع مئات من الأشخاص لدعواته في عدد قليل من المدن المصرية. هذه المرة، يطلب علي من المصريين التظاهر ضد هدم منازل الناس في مختلف المدن المصرية.
إن نجاح دعوات علي إلى الاحتجاج ليس مؤكداً، مع توقعات بأن تتخذ سلطات الدولة تدابير لمنع أتباعه من تنظيم احتجاجات. ومع ذلك، فإن حالة الغضب من هدم المنازل واضحة، حيث يعطي المصريون تنفيساً لهذا الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي.
بلا مأوى في غضون ساعات
ويعد السكن قضية خطيرة بالنسبة للمصريين ولفترة طويلة، لم يتمكن بناء المنازل في البلاد من مواكبة وتيرة النمو السكاني، أي حوالي 1.94 في المائة سنويا، ولهذا السبب، كان هناك نقص مزمن في عدد المساكن للسكان المتزايدين.
بعض الناس يقضون معظم حياتهم كدحا لكسب ما يكفي من المال لشراء منزل أو بناء واحد، كما يسافر آخرون إلى دول الخليج الغنية بالنفط ويعملوا لسنوات للعودة إلى ديارهم وشراء شقة.
والآن، أصبحت هذه المنازل مهددة بالهدم أو تم هدمها بالفعل من قبل الجرافات الحكومية، تاركة في أعقابها العديد من المشاهد التي تدمّر القلب. وأضاف محمد سليم "لقد عشت في هذا البيت لمدة 40 عاما تقريبا، أطفالي وأنا أصبحت بلا مأوى في غضون ساعات."
تم إعادة بناء حوالي 3200 مجتمع سكني غير منظم في الريف المصري في وادي النيل ودلتا النيل، والتي تشمل الأراضي الزراعية الأكثر خصوبة في مصر. وقد وصل فقدان الأراضي الزراعية بسبب أنشطة البناء غير المصرح بها، إلى مئات الآلاف من الفدادين، وهذا هو السبب في أن الحاجة إلى اتخاذ إجراءات ضد هذه الانتهاكات المتعلقة بالبناء تعتبر ملحة للغاية.
ولا تنطبق عملية المصالحة على المباني المنشأة في الأراضي الزراعية، وهو ينطبق فقط على المباني داخل المدن التي لا تعاني من مشاكل في الهندسة أو التصميم المعماري. غير أن الرسوم التي سيدفعها سكان المباني المخالفة، أو الملاك أو المقاولون، مرتفعة جدا، وقد أعطى ذلك الانطباع بأن سلطات الدولة تستخدم حملة الهدم لجمع الأموال والتعويض عن بعض الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تفشي الفيروس التاجي.
تنفير مؤيدي الحكومة
كما أثارت هذه القضية مخاوف من أن حكومة الانقلاب قد تعادي شرائح جديدة من المجتمع المصري، بما في ذلك تلك التي كانت تعتبر من بين مؤيدي السيسي أو من بين الأغلبية الصامتة.
وقال الحريري إن "الحكومة تحاول القضاء على الفساد الذي يتنامى على مر السنين في غضون أسابيع أو أشهر قليلة، وهذا مستحيل ويمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة."
حتى الآن، يتم التعبير عن الغضب ضد عمليات الهدم الجارية على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى في الوقت الذي يتفاعل فيه بعض الناس بعنف مع هدم منازلهم.
ولا تسمح سلطات الانقلاب بالتجمعات السلمية دون إذن أو ترخيص في ضوء قانون التظاهر، ومع ذلك ، فإن الألم من فقدان منزل واحد يجري عميقا لدرجة أن رد فعل أولئك الذين يفقدون منازلهم في الفترة المقبلة من الصعب التنبؤ به، كما أن نطاق الانتهاكات واسع جدا، وهو يشمل الملايين من الناس الذين يضطرون إما إلى الدفع للبقاء في المنزل أو المخاطرة بفقدانه.
وتتوقع سلطات الانقلاب أن تصل عائدات عملية المصالحة إلى مليارات الجنيهات المصرية، حيث يصطف المصريون خارج المكاتب الحكومية لدفع أموال مقابل مخالفات البناء التي خالفوها. ومع ذلك، يقول المشاركون في دوائر صنع القرار إن الحكومة لا تستطيع التزام الصمت في حين أن مصر كلها تتحول إلى حي فقير رئيسي. وقال بدوي النويشي، وهو عضو آخر في لجنة الإدارة المحلية في البرلمان، لـ "ميدل إيست آي"، "لا يمكن للدول أن تسمح لمواطنيها ببناء ما يريدون، أينما يريدون، إذا سمحت الدول بحدوث ذلك، فإن المدن ستتحول إلى مجرد أحياء فقيرة وستضيع جميع الأراضي الزراعية."