تسود حالة من الغليان الشعبي بمحافظة الأقصر في أعقاب إصدار النيابة العامة بيانا حول مقتل المواطن "عيسى الراوي" بمسكنه بمنطقة العوامية؛ ورفض أهالي الأقصر ما ورد ببيان النائب العام الانقلابي الذي استهدف به التغطية على جريمة وزارة الداخلية بقتل الراوي داخل بيته وأمام أفراد عائلته، مؤكدين أن الشرطة تجاوزت كل الحدود وتشعل الغضب الذي سينفجر ليطيح بنظام أدمن إذلال الشعب والتعامل معه كقطيع من العبيد بلا حقوق أو كرامة.
وكان أحد ضباط الشرطة يقود حملة أمنية لاعتقال شقيق المواطن عيسى الراوي بمطقة العوامية بمحافظة الأقصر؛ وتمادى الضابط في غيه وضلاله وأهان الأسرة بألفاظ نابية ثم صفع والد الراوي ؛ الأمر الذي استفز ابنه فرد الصفعة للضابط الذي لم يتردد في إطلاث ثلاث رصاصات على رأس ورقبة الابن فأرداه قتيلا في الحال.
وبحسب أفراد من عائلة الراوي، جاء بيان نيابة الانقلاب مجافيًا للحقيقة تمامًا لتبرئة ضابط الشرطة المتورط في قتل ابن عمهم، بالزعم أن الراوي وأفراد الأسرة كانوا مطلوبين على ذمة قضايا إرهابية؛ مؤكدين أن أهالي الأقصر جميعا يعلمون أن الراوي وعائلته لا علاقة لهم بالإرهاب من قريب أو بعيد. مشددين على أن الراوي لم يكن ينتمي إلى أي تنظيم سياسي، سواء هو أو شقيقه. مؤكدين كذلك أنه لم يكن هناك أمر ضبط للراوي بل لشقيقه الذي شارك في مظاهرات 20 سبتمبر. وأجمع أفراد العائلة على أن ما ذُكر في بيان النيابة العامة حول مقاومة عويس للسلطات، ومحاولته إطلاق النار عليهم، عارٍ تمامًا من الصحة، وجاء للتغطية على الجريمة التي قام بها ضابط الشرطة الذي اختفى تمامًا منذ الواقعة، بعد قتل عويس، الذي رفض الاعتداء على والده المسن، وكذلك لرفضه الإهانات التي وجهها إليهم الضابط".
أحد أسباب الغضب الشعبي أيضا أن عائلة الراوي كانت تراهن حيادية النيابة العامة وأنها يمكن أن تقتص لابنها الشهيد من الضابط القاتل؛ لكن البيان الذي اصدرته النيابة لتبرئة الضابط القاتل وتبيض صورة الداخلية استفز أهالي الأقصر وباتوا على يقين كامل أن النظام يوظف جميع مؤسسات الدولة من أجل إهدار دماء الراوي وتبرئة الضابط القاتل.
وتعود أسباب زيادة منسوب الغضب بين أهالي الأقصر إلى استرخاص النظام لدماء المواطنين ثم التغطية على تلك الجرائم عبر توظيف أدوات السلطة لإفلات الضباط المتورطين ي هذه الجرائم من العقاب. إضافة إلى أن ما جرى مع عويس الراوي يمثل عدوانا من جانب نظام العسكرعلى التقاليد والأعراف المعمول بها في صعيد مصر بالكامل، من احترام حرمة المنازل وكبار السن وكبار العائلات، التي لم ترعها الداخلية، وتوسعت أخيرًا في تجاوز تلك الخطوط الحمراء بدعوى محاربة الإرهاب، وملاحقة الإرهابيين.
وبحسب مراقبين فإن توجهات السيسي التي توفر مظلة تأمين لضباط الشرطة تعمل على إفلاتهم من العقاب حتى لو أخطأوا وارتكبوا جرائم واسعة يعتبر نصلا ذا حدين؛ فهو ربما يفسر على أن خشية من جانب النظام من تمرد عناصر الشرطة. لكن من جهة أخرى فإن الممارسات الإجرامية والانتهاكات الواسعة التي يمارسها جهاز الشرطة تمثل سكبا للوقود على النار التي بدأت تشتعل في البلاد مع تزايد مستويات الغضب وربما تصل حد الانفجار الذي لا يمكن احتواؤه ولا يعرف بعد توقيته أو مداه ومآلاته.
ووفقا لمراقبين فإن النيابة العامة وضعت نفسها في ورطة كبيرة وصدام مباشر مع الشعب، وباتت منزوعة المصداقية في عيون المصريين؛ فمن المفترض أن النائب العام ينوب عن الشعب ويدافع عنه ضد تغول السلطة وانحرافاتها بحسب نص الدستور؛ لكن ما يجري حاليا هو أن النائب العام بات ينوب عن السلطة يدافع عن قمعها ويغطي على جرائمها ويعمل على تبيض صورتها السوداء. واعتبر هؤلاء بيان النيابة نسفا للقضية وإهدار لدم المواطن الضحية.
وبحسب مصادر قضائية بحكومة الانقلاب فإن وزارة الداخلية امتنعت عن إصدار بيان بعد مقتل الراوي؛ ذلك أن قادتها باتوا على يقين بأن بياناتها لا تحظى بأي مصداقية؛ كما جرى مع بيان مقتل المواطن إسلام الاسترالي بقسم شرطة المنتيب في سبتمبر الماضي؛ وقبله بيان مقتل خالد سعيد قبل ثورة 25 يناير؛ ولذلك جرى إخراج المشهد بصورة مختلفة وتكليف النيابة العامة بإصدار بيان يشتمل على جميع المضامين والتوجهات التي كانت في مشروع بيان الداخلية الذي جرى عدم نشره؛ ذلك أن صدور البيان من النيابة العامة سيخدم أجندة النظام ويغطي على جريمة قتل الراوي على يد ضابط الشرطة.
وبحسب المصادر، فإن الرواية التي اعتمدتها النيابة تتناقض مع أول المعلومات التي أدلى بها الضابط لدى التحقيق معه بعد مقتل الراوي بساعات، والتي ركزت على أن أمر القبض المزعوم كان لوالد الراوي ولا يتضمنه هو، وأنه قاوم السلطات دفاعًا عن والده، الأمر الذي كان يتفق في مجرياته مع رواية شهود العيان التي تصب في أن الراوي تدخّل للدفاع عن والده بعد إهانته من قبل الضابط ولم يستخدم سلاحًا ناريًا كان بالفعل في حوزة الأسرة، كما هي الحال في معظم منازل عائلات صعيد مصر.
ووفقًا للمصادر، فإن الضابط عاد وغيّر أقواله بالادعاء أن أمر القبض المزعوم كان يشمل الراوي نفسه وأنه اعتدى على القوة من مسافة بعيدة باستخدام السلاح الناري وأنه لم يتبيّن ملامحه، وهو ما يدل على وجود تدخلات لتغيير الرواية الأمنية باستمرار لإلباس الاتهام الرئيس بالقتيل وليس بالقاتل.
ويأتي تعامل النيابة مع قضية الراوي كحلقة في مسلسل دفاعها عن السلطة في الحراك الشعبي الأخير، فمن مجموع معلومات من مصادر حقوقية مختلفة فإن الأعداد التي عُرضت حتى مساء الثلاثاء الماضي على ذمة القضية 880 لسنة 2020 على نيابة أمن الدولة العليا تجاوزت ألف ومائة شخص، صدرت قرارات جماعية بحبسهم على ذمة التحقيقات عدا ثمانية وستين طفلًا وحوالي عشرين شخصًا بالغًا تم إخلاء سبيلهم. بينما ما زالت هناك أعداد غير معروفة من مواطني قرى مركز أطفيح في الجيزة ومنطقة البساتين وقرية العوامية في الأقصر معتقلين ولم يُعرضوا على النيابة في أماكن مختلفة أبرزها معسكرات الأمن المركزي.