بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا الذي تم التوصل إليه أمس في موسكو حيز التنفيذ ظهر اليوم، يثور التساءل هل تنجح الوساطة الروسية فى إنهاء الحرب وإعادة إقليم ناجورنوكاراباخ إلى أذربيجان؟
الواقع الميدانى يشير إلى أن القصف المتبادل بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناجورنوكاراباخ تواصل رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وأكدت وزارة الدفاع الأذرية أن الجيش الأرميني قصف بلدتي تارتَر وآغدام، لكن وزارة الدفاع الأرمينية قالت إن قواتها في ناجورنوكاراباخ تلقت أمرا عسكريا بوقف إطلاق النار. هذه الأحداث دفعت فرنسا – التى تدعم آرمينيا فى الحرب – إلى دعوة الطرفين إلى احترام "كامل" لوقف إطلاق النار.

وقف إطلاق النار

كانت موسكو قد أعلنت عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين اذربيجان وآرمينيا في نزاعهما حول الإقليم. وقال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي ، في وقت مبكر اليوم، أن أرمينيا وأذربيجان اتفقتا على وقف إطلاق النار في نزاعهما حول الإقليم بعد أكثر من عشر ساعات من محادثات السلام في موسكو مع نظيريه الأذربيجاني والأرميني، وأكد لافروف إن وقف إطلاق النار في الإقليم دخل حيز التنفيذ اعتبارا من ظهر اليوم السبت. مشيرا الى أن الدولتين ستستغلان وقف إطلاق النار لتبادل الأسرى واستعادة القتلى.
وأشار إلى أنه سيتم العمل من أجل التوصل إلى مزيد من التفاصيل بشأن وقف إطلاق النار مع استمرار محادثات السلام تحت رعاية مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
يشار الى أن روسيا تدعم أرمينيا، وبينهما اتفاق للدفاع والتعاون العسكري المشترك، فيما تدعم تركيا أذربيجان وتعتبرها بوابتها الخلفية لمنطقة القوقاز الاستراتيجية، وتعتمد على إمدادات الطاقة التي تأتيها من أذربيجان، لسد العجز من الغاز، وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي عالي التكلفة. 

الرئيس الأذربيجاني

حول هذه التطورات قال الرئيس الأذربيجاني "إلهام علييف" إن بلاده متمسكة بسيادتها على إقليم ناجورنوكاراباخ. وأكد أن بلاده غير مستعدة لتقديم أي تنازلات وتصر على عودة سيادتها على كامل أراضيها. واعتبر علييف أن وقف اطلاق النار والهدنة قد تفشل حال تمسك أرمينيا باعتبار إقليم ناجورنوكاراباخ جزءا من أراضيها.
وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأذرية ان قوات بلاده ما زالت تتقدم على جميع الجبهات في ناجورنوكاراباخ ، وإنها لم تخسر أيا من المناطق التي سيطرت عليها منذ بداية هذه الحرب. ونفى ما وصفه بالأخبار المغلوطة عن استهداف الجيش الأذري لأراض أرمينية.

وتتواصل اشتباكات بين أرمينيا وأذربيجان، منذ 27 سبتمبر الماضى ؛ إثر إطلاق الجيش الأرميني النار على مناطق سكنية أذربيجانية؛ ما أوقع خسائر بشرية بين المدنيين، بجانب أضرار مادية. ويعود الخلاف بين الدولتين اللتين تقعان عند مفترق طرق رئيسية بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية، إلى عام 1921، عندما ألحقت السلطات السوفيتية ناجورنوكاراباخ بأذربيجان. لكن في 1991 أعلن الإقليم الاستقلال من جانب واحد بدعم أرمينيا؛ ما تسبب حينها بحرب راح ضحيتها 30 ألف قتيل، وتوقفت بعد اتفاق لوقف إطلاق النار في عام 1994. ويبعد الإقليم عن العاصمة الأذربيجانية 170 ميلا، وهو قريب جدا من الحدود مع أرمينيا. وفي عام 2016، كادت اشتباكات بين الجانبين راح ضحيتها 100 شخص أن تشعل حربا بين الطرفين بسبب الإقليم.

فرصة أخيرة

حول اتفاق وقف اطلاق النار قالت وزارة الخارجية التركية إن الهدنة الإنسانية المعلنة بين أذربيجان وأرمينيا هامة إلا أنها لن تحل مكان الحل الدائم، وأكدت أن أذربيجان منحت أرمينيا فرصة أخيرة للانسحاب من أراضيها المحتلة. وأوضحت الوزارة في بيان لها أن أذربيجان أثبتت لأرمينيا وللعالم برمته قدرتها على استعادة أراضيها المحتلة منذ قرابة 30 عاما بإمكاناتها الخاصة.
وأعرب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن دعم بلاده لقرار أذربيجان بشأن الهدنة الإنسانية مع أرمينيا، مضيفا خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأذري جيهون بيراموف أن تركيا لن تدعم إلا القرارات التي تقبل بها أذربيجان.

إحراج موسكو
حول الموقف التركى من وقف اطلاق النار قال الدكتور عمرو الديب أستاذ العلوم السياسية وخبير الشئون الروسية، إن أذربيجان واحدة من الدول الست المستقلة عام 1991، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتركيا يهمها جدًا أن تظهر كدولة داعمة لأذربيجان باعتبارها دولة ناطقة بالتركية، وتضم شعباً ينتمي للقومية التركية، مؤكدا أن أنقرة تسعى إلى ممارسة نفوذ كبير في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى وحتى حدود الصين، في منظمة الدول الناطقة بالتركية، وهي أحد المشاريع الجيوبولتيكية التركية، البديلة لمشروع العثمانية الجديدة، أي مشروع الطورانية أو طوران الكبرى.

وعن الهدف من ذلك المشروع، أوضح الديب فى تصريحات صحفية أن المشروع هدفه مواجهة نفوذ روسيا وإيران في تلك المنطقة، مؤكدًا أن تركيا تسعى من خلال التصعيد الراهن إلى مواجهة الضغوط التي تتعرض لها في شرق المتوسط وليبيا وسوريا، ما جعلها تتجه لإثارة الصراع الموجود بالفعل منذ عشرات السنين في منطقة ناجورنوكاراباخ ، وإثارة هذا النزاع، وبالتالي هي تريد أن تضع موسكو في حرج شديد لأنها ترتبط بعلاقات قوية مع أذربيجان.

وأضاف لكن روسيا في الوقت نفسه تتمتع بعلاقات استراتيجية مع أرمينيا، وعليها التزام قانوني تجاهها بالدفاع عنها كدولة عضو بمنظمة الأمن الجماعي، وتركيا تحاول أن تضع أمام موسكو خيارًا واحدًا، إما أذربيجان أو أرمينيا، وبالتالي فستختار أرمينيا، وستحاول تهدئة غضب أذربيجان من خلال إرضاء تركيا بتنازلات في شمال سوريا، لتبتعد عن إثارة الصراع في آسيا الوسطى.

وأشار إلى أن الأراضي الأذرية تضم خطوط أنابيب النفط "باكو – تبيليسي – جيهان" و"باكو – سوبسا"، التي تنقل النفط الخام الأذربيجاني بشكل أساسي إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، فضلاً عن خط أنابيب الغاز الطبيعي في جنوب القوقاز، وهو عنصر أساسي في الممر الجنوبي للاتحاد الأوروبي، والذي سيضخ قريباً الغاز الأذربيجاني إلى الاتحاد الأوروبي عبر جورجيا وتركيا.

Facebook Comments